الرئيسية » مقالات » أئمة المساجد: بين الحرص على نشر الفكر الظلامي المتخلف، والعمل على إصدار الفتاوى القاتلة…..5

أئمة المساجد: بين الحرص على نشر الفكر الظلامي المتخلف، والعمل على إصدار الفتاوى القاتلة…..5

الإهـــــــداء:

 إلى النفوس المريضة التي تبحث عن الخلاص فلا تنساق وراء كل دعوات فقهاء الظلام.

 إلى كل مسلم مومن حافظ على سلامة إيمانه بالدين الإسلامي، ولم يوظفه في شأن سياسي: صغر، أو عظم.

 إلى الشهداء: ضحايا الإرهاب الديني: عمر بنجلون، ومهدي عامل، وحسين مروة، وسهيل طويلة، و فرج فودة… والقائمة طويلة.

 إلى كل من أدرك أن مجرد وجود تنظيم سياسي ذي بعد ديني يشكل خطورة على مستقبل البشرية.

 إلى ضحايا الإرهاب الحزبوسلامي في كل بلدان المسلمين.

 إلى ضحايا 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

 من أجل الحد من تأثير الحزبوسلامي في وجدان، وعقول المسلمين، وإعداد الشباب للمساهمة في العمليات الانتحارية التي لا يعرف مداها.

 من أجل وضع حد لقيام الحزب السياسي على أساس ديني.

 من أجل تجريم ممارسة تحريف الدين لتحقيق أغراض حزبية – سياسية.

 من أجل مجتمع بلا إرهاب.

 من اجل حماية العرب، و المسلمين في بلدانهم من الممارسة الإرهابية في شموليتها.

 من أجل مجتمع للعرب، وللمسلمين، يتمتع فيه الناس بالحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

محمد الحنفي



*************************
المسجد كمؤسسة اجتماعية دينية:…..2

أما المسجد كمؤسسة دينية، فإن ما عليه واقعه اليوم، لا يختلف عن الكنيسة، والبيعة. مع أن الدين الإسلامي الحقيقي يختلف عن المسيحية، كما يختلف عن اليهودية. وتبعا لهذا الاختلاف، فإن المسجد أيضا يجب أن يختلف. إلا أن المسئولين في بلدان المسلمين، الذين صاروا يتعاملون مع المساجد كمؤسسات دينية عند المسلمين، أسوة بالكنائس كمؤسسات دينية عند المسيحيين، وبالبيع كمؤسسات دينية عند اليهود، وهكذا. كما صاروا يتعاملون مع القيمين على المساجد كرهبان، كما هو الشأن بالنسبة للقيمين على الكنائس، والبيع. وبالتالي، فإن المسجد يصير مقدسا، والقيم عليه يصير أيضا يصير مقدسا، وفي الحالتين معا، فالتقديس شرط العبادة. وتبعا لذلك، فإن المسجد يصير معبودا، والقيم عليه أيضا يصير معبودا، وهو ما يتناقض مع وحدانية العبادة بالنسبة إلى الله تعالى، الذي تقتضي عبادته التجرد من تقديس غيره من البشر، والأشياء لأنه “من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه”، كما جاء في القرءان.

ولذلك يجب إخضاع اعتبار المسجد، كمكان يلتقي فيه المسلمون، إلى المناقشة الواسعة، والبحث النظري، والعقائدي العميق، من أجل الوقوف على الوضعية التي كانت تعرفها المساجد في العصور القديمة، والوضعية التي صارت تعرفها بذلك، وخاصة في القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين.

وهل يليق بالمسلمين في ظل ما تعرفه البشرية من تطور اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، ومدني، وسياسي، أن يستمروا في اعتبار المسجد مكانا مقدسا؟

هل يليق بهم أن يعتبروا القيم على المسجد رهبانا؟

هل يليق بهم أن يتحول المسجد إلى وسيلة لنشر أدلجة الدين الإسلامي التي ليست إلا تأويلا خاطئا بين جميع أفراد المجتمع، وخاصة بين رواد المساجد، ومن خلالهم بين أسر المسلمين؟

هل يليق بهم أن يتحول المسجد إلى مؤسسة لتربية الإرهابيين على ممارسة الإرهاب الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي؟

إن تقديس المساجد، ومن يقوم على الإشراف على القيام بشعيرة الصلاة، وتحويله إلى وسيلة لنشر الفكر الخرافي، ولإشاعة أدلجة الدين الإسلامي بين المسلمين، يتعارض تعارضا مطلقا مع حقيقة الدين الإسلامي الحنيف، الذي جاء لتخليص البشرية من تعدد المعتقدات، ليصير الإنسان حاملا لعقيدة واحدة، هي عقيدة الإسلام الذي تكون العبادة فيه خاصة لله دون سواه. وإذا ورد في القرءان قول الله: “و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا” فإن ذلك لا يعني عبادة المساجد أبدا، لأن عبادتها شرك بالله، وهو أمر غير مقبول في الدين الإسلامي. ولذلك فإن معناها ينصرف إلى إخلاص العبادة لله، دون سواه، حتى تؤدي دورها في توحيد المسلمين بصفة خاصة، وفي توحيد البشرية بصفة عامة، على مستوى العقيدة التي كانت حينها، ولازالت تلعب دور التفرقة في صفوف الناس، بسبب تعدد العقائد الفاسدة قديما، و بسبب تعدد التأويلات الإيديولوجية التي يقوم بها مؤدلجو الدين الإسلامي.

فوظيفة المسجد الدينية، إذن، لا تتجاوز إعداده لأداء الصلاة في أوقاتها، كشعيرة يؤديها المسلمون بشكل جماعي، وخارج هذه الأوقات فالمسجد ليس إلا مجرد بناية يمكن أن تخصص لأي شيء يفيد المجتمع.

وبالإضافة إلى الوظيفة الدينية، والاجتماعية، هناك وظائف أخرى، يمكن أن يقوم بها المسجد، إما بصفة آنية، أو بصفة دائمة. فحاجة الجماعة إلى المسجد، فمن أجل التداول في أمور يقتضي أن يصير مقر مجلس الجماعة، من أجل تنظيم المعاملات فيما بينها، وسعيا إلى إيجاد حلول للمشاكل القائمة على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

و قد كان من المفروض أن تتم المحافظة على كونه مقرا للمحكمة، التي تقضي في النزاعات المدنية على الأقل، وفي الأحوال الشخصية، وخاصة ما يتعلق بالأسرة، حتى يرتبط الناس بالمسجد ارتباطا عضويا.

ومن المفروض، أيضا، أن يصير، في أوقات معينة، مقرا للعروض، والندوات الثقافية، التي تشرف على تنظيميها الجمعيات الثقافية، والحقوقية، والتنموية، من أجل إشراك الفاعلين الجمعويين، في جعل المسجد منارة ثقافية، تساهم، بشكل كبير، في تكريس الإشعاع في محيط المسجد، الذي قد لا يتعاطى مع دور الثقافة على مستوى المدينة، أو القرية، حتى يتأتى لجميع السكان، وفي جميع المناطق، وفي كل بلد من بلدان المسلمين، أن يمتلكوا الوعي الثقافي، الذي يمكنهم من العمل على التشبع بالقيم الإيجابية، التي تؤهلهم لامتلاك الوعي الاقتصادي، الذي يجعلهم يدركون عمق ما يمارس عليهم من استغلال، ولامتلاك الوعي الاجتماعي، الذي يجعلهم يعرفون: ماذا يجب عمله؟ للتمتع بمختلف الحقوق الاجتماعية، ولامتلاك الوعي الثقافي، الذي يؤهلهم للتمييز بين القيم البورجوازية، والقيم البورجوازية الصغرى، وقيم الطبقة العاملة، والقيم الحزبوسلامية، وهذا التمييز يعتبر ضروريا، بالنسبة للجميع، حتى يؤطر كل واحد نفسه في المكان الذي يتناسب مع موقعه الاجتماعي، أو في المكان الذي يختاره.

هل يختار أن يكون إلى جانب البورجوازية؟

أو من البورجوازية الصغرى؟

أو إلى جانب الطبقة العاملة؟

أو حزبوسلاميا؟

فالإشعاع الثقافي يعتبر مسألة أساسية للسكان، والقيام بهذا الإشعاع يعتبر تضحية كبيرة من قبل الجمعيات الثقافية، ومن قبل الأطر الثقافية، والإشعاع الحقوقي، كذلك، يعتبر مسألة أساسية بالنسبة للسكان، لكونه يؤهلهم لامتلاك الوعي الحقوقي، والقيام به يعتبر تضحية من قبل الجمعيات الحقوقية، ومن قبل الأطر الحقوقية. والانطلاق من المسجد يعتبر ذا أهمية خاصة، تتجلى في صيرورة المسجد أداة ثقافية.

وهكذا يتبين أنه يمكن أن نغير مسار التعامل مع المسجد دون المس بوظيفته الدينية، بإضافة الوظيفة الاجتماعية، والثقافية، دون أن نغفل الوظيفة السياسية، من أجل استغلال المساجد في أوقات محددة، للتواصل مع المواطنين في مختلف القضايا: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، حتى تزداد تلك الأحزاب ارتباطا بالمواطنين، لجعلهم يرتبطون ارتباطا عضويا بالأحزاب السياسية المختلفة، سواء كانت يمينية، أو وسطية، أو يسارية، حتى يتم تفويت الفرصة على اليسار المتطرف، وعلى اليمين المتطرف، في نفس الوقت، لتصير المساجد بذلك أداة للتأطير السياسي، إلى جانب التأطير الديني، والتأطير الثقافي، والتأطير الاجتماعي.
و بالقراءة المعمقة للمسجد، يمكن أن نقول: إن الدعوة إلى إعادة النظر في وظيفة المسجد، صارت أكيدة، ومفروضة، من أجل محاصرة إمكانية تحويلها إلى بؤر، تنشر التخلف الذي يتجسد في مستويين:

مستوى نشر الفكر الخرافي، الذي يجعل الناس ينشغلون عن واقعهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي.

و مستوى نشر، وإشاعة أدلجة الدين الإسلامي، التي تعمل على تغييب الناس عن واقعهم، وتجييشهم وراء الحزبوسلاميين، الذين يربونهم على العمل على معاداة كل ما هو حديث، وكل ما هو متطور. وعلى “الجهاد” من أجل القضاء على العلمانيين، والماركسيين “الملحدين”، وعلى السعي إلى تحقق “الدولة الإسلامية”، التي تعمل على تحقيق “تطبيق الشريعة الإسلامية”، اقتداء بما كان عليه المسلمون الأوائل، وخاصة في عهد الخلفاء الراشدين.

و ما اقترحناه يهدف إلى محاصرة كل أشكال التخلف، المنبعثة من المساجد، حتى نعمل على خلق الجسور المتعددة، والمتطورة بين المسلمين، وبين المسجد في كل مكان، من كل بلد من بلدان المسلمين، وفي أي مكان من العالم.

فهل تتخلى المساجد عن وظيفتها التقليدية، التي تعمل على إعاقة تطور المجتمعات البشرية؟

أم أن الاختيارات الرأسمالية التبعية، التي تحكم الأنظمة القائمة في بلدان المسلمين، ستعمل على المحافظة على الدور السلبي لهذه المساجد؟

وهل تتغير وظيفة المساجد التقليدية، بالعمل على استحضار الوظيفة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، إلى جانب الوظيفة الدينية؟

وهل يتحمل المسلمون المتنورون، والتقدميون، مسئوليتهم، كاملة، بالعمل على تغيير وظيفة المسجد التقليدية؟

إننا، في الواقع، أمام واقع عنيد، يقتضي العمل الدءوب، والثابت، والملتزم، والهادف إلى إعادة النظر في مجمل ممارسات المسلمين تجاه الواقع، وتجاه أنفسهم، وتجاه المساجد، وصولا إلى بناء منظومة جديدة من الممارسات الديمقراطية، والتقدمية المعبرة عن الرغبة، وعن الحرص على الارتقاء ببلدان المسلمين، بإزالة العوائق التي تحول دون ذلك، بما فيها الوظيفة التقليدية للمسجد، ومحاربة كل ما يترتب عن استمرار تلك الوظيفة، بما فيه الفكر الخرافي، والحزبوسلامي، والعمل على ترسيخ الممارسات الإيجابية للمسجد في كل بلد من بلدان المسلمين، حتى يغادر المسلمون خانة التخلف، التي وجدوا أنفسهم فيها على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.