الرئيسية » مقالات » تصريحات المفوضية العليا (المستقلة) للأنتخابات منحازة

تصريحات المفوضية العليا (المستقلة) للأنتخابات منحازة

الفصل بين السلطات الثلاث ، هي ليست السمة الوحيدة والابرز ، التي تطبع حياة النظم الديمقراطية في البلدان التي تعتمدها (اي الديمقراطية ) ، او في البلدان التي تدّعي انها تعتمدها في ادارة الدولة . بل تتعداها الى استقلالية المؤسسات التي ترتبط او تنبثق من هذه السلطات ، وابتعادها عن التأثيرات والميول التي تصبغ سياسة الحزب او الاحزاب الحاكمة ، خلال الفترة ما بين انتخابات واخرى ، اي أربع سنوات في أغلب بلدان العالم . لان الحزب او الاحزاب التي تحكم لدورة انتخابية او دورتين ، قد تفشل في تشكيل الحكومة في الدورة الثالثة مثلاً وعليه فأن هذه المؤسسات عليها ان تقف على مسافة واحدة من جميع الاحزاب ، التي تساهم في الحراك السياسي في البلد طبقا لدستور ذلك البلد .

ولو أخذنا بلدنا العراق كنموذج لبلد ديمقراطي !!! او يدّعي الديمقراطية ، فإننا نستطيع ان نرى ان هناك تداخلا كبيرا بين صلاحيات السلطات الثلاث ، يصل احيانا الى حد المهاترات والبيانات المضادة لبعضها البعض ، بل واتهامات خطيرة تأخذ طريقها الى الاعلام ، لينشر الغسيل امام الجماهير التي تعرف جيدا ، الاسباب الحقيقية لمثل هذه الصراعات ، والتي كانت ولا زالت وستكون مستقبلا ( في حالة استمرار نظام المحاصصة السيء الصيت والسمعة ) هي الاساس في تردي العملية السياسية في البلد ، وعدم تمكن السياسيين في ايجاد حلول لمشاكل العراق التي وصلت الى ارقام قياسية ، وتنذر بكوارث حقيقية على مختلف الاصعدة .

ويبدو ان هذا التداخل والصراع الحزبي والطائفي والقومي ، بين مكونات الحكم الثلاثة شيعة – سنة – كرد وتوزيع المناصب على هذا الاساس . لم يستطع ان يفرز مؤسسات تمتاز بالنزاهة والحيادية في لعب دورها المناط بها ، والذي يجب ان تلعبه بعيدا عن تأثيرات الصراعات المحتدمة بينهم. ومن هذه المؤسسات هي المفوضية العليا ( المستقلة ) للانتخابات ، التي تشكلت على اساس المحاصصة الطائفية لتساهم هي الاخرى ، حالها حال بقية مؤسسات الدولة في الصراع الدائر في البلد .

وعلى الرغم من القرارات التي اتخذتها هيئة المساءلة والعدالة ، بابعاد المئات من المرشحين ومن مختلف القوائم السياسية ، وخصوصا الكبيرة منها ( لانتمائهم الى حزب البعث المحظور ) والتصريحات المتناقضة لبعضها البعض من قبل الاحزاب الحاكمة . ومحاولة ايجاد ثغرات قانونية للتراجع عن القرارات المتخذة بحقهم ، او بحق بعضهم على الاقل . فاننا تستطيع ان نرى ان هناك تعتيما على الاسماء المشمولة بالابعاد ، فيما تناقلت وسائل الاعلام اخبارا ، عن ان المفوضية العليا ( المستقلة ) للانتخابات ، سوف تقوم بحذف اسماء المشمولين بالابعاد من قوائم الاحزاب والكتل السياسية دون ذكر الاسماء . وهذا يعني عدم الاشارة الى قومية ودين ومذهب المشمولين بالابعاد ، وعدم الاشارة الى المحافظات التي ترشحوا من خلالها . وهذا هو المطلوب بالفعل من هذه الهيئة ، كي تقف على مسافة واحدة من جميع الكتل السياسية اولا ، وان تبتعد قدر الامكان عن التشهير والاساءة ، خدمة للعملية السياسية المتعثرة اصلا . فهل التزمت المفوضية بهذه المعايير وطبقتها مع جميع الكتل السياسية ؟

لو عدنا الى تصريحات رئيس المفوضية العليا ( المستقلة ) للانتخابات السيد فرج الحيدري ، التي ادلى بها الى وكالة بيامنير وراديو زاكروس خلال الايام القليلة الماضية . والتي قال فيها ( أصدرت هيئة المساءلة والعدالة قرارا بابعاد 18 مرشحا من قائمة التحالف الكردستاني عن المشاركة في الانتخابات القادمة ) واكتفينا بها ، لكان الامر عاديا جدا . فالسيد الحيدري تناول هذه القضية كما تناول واعضاء اخرون في المفوضية ، قضية الابعاد بحق مبعدين اخرين من قوائم اخرى . ولكن يبدو ان السيد الحيدري ولانه متحزب وغير مستقل ، لم يستطع الا ان يستمر في تصريحه ليضيف على ان ( المرشحين ال18 ليسوا من اقليم كردستان ، بل من المحافظات العراقية الاخرى ، التي شارك فيها التحالف الكردستاني ، كبغداد والمثنى والموصل وصلاح الدين وبعض المحافظات الاخرى ) . وبذلك تجاوز السيد الحيدري على تصريحات سابقة ، اذ حدد وبشكل واضح من ان لا احد من المبعدين ال 18 يسكن اقليم كردستان . وهذه تعتبر دعاية انتخابية على الرغم من ان الدعاية الانتخابية لم تبدأ بعد !!! . ولم يكتفي السيد الحيدري بذلك بل اوضح ( انه ليس بالضرورة ان يكون معظم المستبعدين من الكرد ، لان التحالف الكردستاني شارك بنواب عرب وتركمان في المحافظات العراقية ) ، وهنا فان السيد الحيدري حدد البعثيين الكرد المشمولين بمساحة ضيقة جدا . مانحا شرف الانتماء للبعث الساقط !!!!! الى العرب والتركمان المنضوين الى القائمة الكردستانية ، ويستطيع القاريء ان يفهم ما يريد السيد الحيدري قوله دون عناء يذكر .

ان المفوضية تعرضت لانتقادات كثيرة منذ فترة ليست بالقصيرة ، لان عدوى المحاصصة الطائفية قد اصابت هذه المؤسسة التي يجب ان تكون محايدة بامراضها . واذا كانت السلطات العراقية تريد ان تبدأ ولو بشكل بطيء عملية البناء الديمقراطي في البلد ، فعليها الالتفات الى ان تكون هذه المفوضية مستقلة حقا ،وذلك في ان يكون طاقمها من المستقلين بقيادة قاض مستقل مثلا .


زكي رضا
25 / 1 / 2010

الدنمارك