الرئيسية » مقالات » الفاو تحتضر .. في رثاء مدينة

الفاو تحتضر .. في رثاء مدينة

في كتابه الاخير الفاو تحتضر – شقشقات في رثاء مدينة – الصادر عن دار الينابيع 2010 يقدم لنا القاص جابر خليفة جابر نصا مفتوحا منطلقا من منطقة السرد – كان يا ما كان – الى افاق الكتابة المنفتحة على الشعر او المساحات الكتابية الاخرى على مستوى البناء اما على مستوى الموضوع او الدلالة فانه ينطلق من الحنين الى مدينته الاولى رحمه المكاني ومن الاحساس المفجع بالفقدان بعد التغيرات الكثيرة التي حدثت للمدينة سواء من الحروب والظروف الصعبة التي مرت بها او مما آلت اليه في الفترة الاخيرة من جفاف وعطش بعد ان سدت عليها المنافذ والروافد العذبة التي كانت تزودها بالماء والجمال .. حتى صعدت ملوحة البحر على بهائها واكل الملح تاريخها وحاضرها ..

النص يسير مسترخيا ومسترسلا ومستسلما للذاكرة المفجوعة دون افتعال او تكلف او تصنع عن مدينة صارت حكاية اكثر منها وجودا واقعيا لذلك فان طابع الحكي هو الغالب على النص على الرغم من شحنه احيانا برذاذ الشعر وترطيب فضائه السردي العام لكن السارد هو قاص متمكن من صنعته السردية لذلك كانت ايحاءاته وايماءاته تميل الى الفن السردي الذي يستقي من مياه شعرية لا تخلو منها انهار القلب المفجوع بموت مدينة .. ربما ان هذا الرثاء ينطبق على كثير من المدن العراقية ولا سيما تلك التي كانت تعتمد على المياه القادمة من رحمة الجيران في زمن ليس فيه رحمة لذا يقول المؤلف :
حين تشيعوا الفاو
على ابي الخصيب والتنومة
ان تهيأ اكفانها

اذن فهو كفن عراقي مهيأ لمدن كثيرة ولكن ابا الخصيب والتنومة الجارتين الاولتين للفاو يشتركان معها بفجيعة الماء ورحمة الجار المعدومة .. ولان الفاو هي حافة العراق وبدايته على الخليج فهي بدايته بالفجيعة وكبش فداء العطش والملح هذا الملح الصاعد باتجاه القلب العراقي النابض بما تبقى ..
الكتاب يقع في مائة صفحة تقريبا وقد انقسم دلاليا الى قسمين الاول هو بهجة الفاو القديمة وايامها الخوالي . والثاني هو فقدانها وفجيعة الوطن بها التي تبدأ من فجيعة قلب الشاعر او السارد
فالنص المفتوح – الكتاب يبدا بمفارقة:

مصاب بداء النسيان انا
فالمدينة التي احب
تملأ الذاكرة

ثم ينهمر الخطاب السردي باتجاه البدايات وطفولة الكاتب وعصر الفاو الذهبي:

الطين في الفاو
سعيد مثلنا ..
صباحاته مبللة بالندى صيفا

وشتاءاتنا ماطرة

هذا عن جمالية المكان، اما جمالية الناس وطيبتهم فذلك جذر نصي آخر يمتد الى اعماق تربة القلب:

في سوق الفاو صباحا
بائع اللبن الطازج
لا يعد نقودك
فقط يصبحك بالخير
ويبتسم ..

وان كانت اللغة التي تسيدت النص تقترب احيانا الى النثرية التي تسحبها اليها واقعية الحدث والاستسلام لذكرى فجائعية مثل:
الطريق الى البصرة ثلاث ساعات
الباص الخشب، مقاعدها متقابلة
شتاء يلفون اطاراتها
– كي لا تنزلق – بالسلاسل
واحاديثها

هنا تكمن ملاحظتي الفنية على النص وهي الاستسلام النصي للسرد وتفاصيله التقريرية كان بوسع المؤلف ان يوسع هذه النهايات المقطعية على الاقل من فضائها التعبيري ويشحنها بشحنة شعرية وهو القادر على ذلك لما لمسنا عنده من هذه اللغة الشعرية في كتابه القصصي طريدون ..
ولكن استمتاع المؤلف بنكهة الذكرى وبهجتها الجميلة انسته الفخاخ النثرية التي وقع بها ولذلك ايضا توسعت اللغة من شعريتها وابتعادها عن المباشرة في القسم الثاني من النص – انا الذي قسمت النص الى قسمين – وذلك حين تذهب النكهة الجمالية ويشيع الشعور بالخسران والرثاء والبكاء على اطلال الوطن والقلب والحب المندثر تحت غبار الحروب وقساوة القلوب فالقسم الثاني قسم الاحساس بالفجيعة هو الاكثر توسعا تعبيريا حيث تكثر فيه الايحاءات الشعرية والايماءات المجازية والانزياحات مع ان القسم الاول الاستذكاري لا يخلو من تلك الالتماعات الشعرية المتفرقة في النص مثل:
غذاؤهم التمر

ودؤاهم – السلام والمحبة .

او في مكان اخر يقول:
مسكنه عربة دفع
اخشابها تاريخ حنان

يمشي معنا



وغيرها من هذه الالتماعات التي كان من الاهمية الفنية ان تعطى فسحة نصية اكبر واكثر ولا سيما في نهاية المقاطع التي كانت قابلة وضرورية لهذه النهايات كالضربة او المفارقة اللفظية والدلالية او تتويج المقطع بحركة تعبيرية ترفعه من وهدة المباشرة .. مع هذا فالنص لا يفقد بريقه الاغرائي بالقراءة بل هو نص يقرأ دفعة واحدة لما فيه من سلاسة نصية وقوة شد تجعل المتلقي مشاركا بالفجيعة وتاليف النص ..
واحيانا تتخذ بعض المقاطع شكل القصة المنفردة دون ان تفقد قوتها السياقية في موضعها من النص:
ما ان نلمح في الجانب الاخر من الشط
ثوبا ملونا يتحرك
نلوح لها ..
لكنها – طوال سنين الطفولة –
ملونة تبقى ،؟ تبقى تجمع الحشيش
و لا تلوح

وهذا المقطع يتواصل بمقطع جميل يربط بين اسفل الجنوب من الوطن الى اعلى الشمال بتشبيه سردي دال:
يجمعن الملح
– البنات الصغيرات في الفاو –
ويتراشقن به
كما تلعب فتيات الكرد
في ربوع عين كاوة بالثلج الابيض



او هناك تلميحات الى الامان الذي كان في الفاو حيث (بائع الاقفال فيها تجارته كاسدة) او تشبيه استبدالي شعري للقلب الفاوي الطيب:
حلو واحمر شرط السكين
بائع الرقي في الفاو
يبيعك قلبه


او مقطع تشبيهي شعري للفاو في الذاكرة :
مدينة من غيوم
هكذا الفاو
احوازها بساتين
لا تنتهي
وانهارها ملأى بالاقمار


تستمر الاحساس بالبهجة الاستذكارية بالفاو المدينة الفاضلة حتى تصبح فردوسا مفقودا في مطلع المقطع الثاني او القسم الثاني من النص الكتاب مع بداية التجديد للازمة المطلعية الاولى
كان ياما كان لكنها الان .. تحتضر ..
هنا تحصل انتقالة شعورية من الحياة الى الموت انتقل معها ايقاع النص وانزياحاته ولغته التكثيفية بعد ان صارت الفاو ذكرى واحساس عميق بالفجيعة:
بعيدا عن الفاو
التقى بلبلان
كلاهما
نسي الزقزقة
حيث بدا الاحساس بالهجرة والفقدان وتحول الوطن من ارض الى ذكرى من واقع الى حلم ميت فقد تغيرت الفاو بدءا من مائها الاجاج
مالح ماؤها
الفاو الجديدة


يستمر القسم الثاني من النص بالهاجس البكائي المحلق بلغة شعرية اقرب منها الى السرد ولكن الخط السردي العام مستمر بنسقه النصي المتنامي دراميا مع ابتعاد المدينة في غياهب الاحداث والياس مدينة انكفات مثل ماء انسكب لا تلمه سوى ذاكرة شاعرة ..

استخدم المؤلف مفردات دالة على ارث الفاو ونكهتها الخاصة مثل الحناء التي تميزت بها الفاو وكذلك الملح والنخل والبحر والمروز والخوص والاشرعة والسفن وكذلك الطيبة والوفاء والحميمية في العلاقات الانسانية مع الناس او مع المكان او مع المخلوقات الاخرى ومن ثم الفقدان والهجرة والضياع والعطش والاحتضار والبياض الذي يذكر بالكفن بعدما كان يذكر باجنحة النوارس الغاق

ولكن مع هذا تبقى الصفات الانسانية العالقة في الذاكرة تبقى عالقة في نياط القلب لانها الجذور الانسانية العميقة مع الارض والانتماء العراقي الاصيل هذا الوفاء حد تمني الموت مع المدينة:
اصعدي
اصعدي ما شئت
يا مياه الخليج
لن ندعها تموت ظمأى
وحدها
نحن أيضا
سنموت مع نخلاتنا

انها لمدينة صعد عليها البحر بملحه وظلامه وهمومه وتفرد بها الملح بعد ان هجرها اهلها وفتكت بها الجيرة القاسية مدينة صارت الهجرة فيها عدوى انتشرت من ازقتها الى المدن الباقية فهاجرت المدن معها وهاجر العراق كله:

عام 1980 هجر ابناء الفاو
وسكنوا خرائب البصرة
بعد اعوام
هجروا معا
ابناء الفاو والبصرة
وسكنوا خرائب العراق
ثم انتشر العراقيون في الشتات

هكذا اذن يريد المؤلف ان يقول بان نتيجتنا ومآلنا هو وطن مهاجر فكل شيء بلا حياء استغل طيبتنا وصمتنا والقى علينا ملحه مثلما فعل البحر حيث يقول جابر:
مستغلا – بلا حياء – غيابنا
لملم البحر املاحه وغزا الفاو

اخيرا نقول ان هذا النص الكتاب – الفاو تحتضر – هو مرثية وطن وشقشقات قرت ثم استقرت وصيحة مواطن سحب من تحت اقدامه الوطن بحبل العطش والغبن ..

http://www.alnoor.se/article.asp?id=67764