الرئيسية » مقالات » الكيمياوي في ذمة الشيطان..

الكيمياوي في ذمة الشيطان..

في تموز عام 1989 كنت مختفياً في إحدى المدن الصغيرة التي يحتضنها جبل فيه وكر لجأت له اثناء عمليات الأنفال، وبقيت فيه لأكثر من سنة ونصف اتجرعُ معاناة لا توصف، بحكم مشاهداتي لما حلّ بمدن وقرى كردستان التي اتجول فيها وحيداً، ولا أرى إلاّ ربايا الجيش المزروعة في قمم وشعب الجبال حيثما يطال النظر.

بينما المدن والقرى قد تحولت الى خراب لا يوصف، وناسها وأهاليها قد نقلوا الى تلك المواقع والمسالخ التي غيبتهم بالتتالي فيما يعرف اليوم بجرائم الأنفال…

في تلك الفترة التي انعزلتُ فيها عن مجاميع الأنصار، كنتُ اتابع رغم اوضاعي الصعبة العوائل التي وضِعتْ في قلعة بروشكي في دهوك ومجمع بحركي في أربيل ومن ثم قلعة طوبزاوه في كركوك…

كانت صلتي بالعوائل من خلال حُراس في سلك الجحوش والجيش، مِمَن كانوا على صلة بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، وبعض الطيبين ممن غامروا في حينها وقدموا لنا المساعدات، إذ تمكنا من ارسال الأغذية والأدوية والملابس الى المعتقلين من الأطفال والنساء والشباب وتواصلت هذه الصلة بيننا وبين المعتقلين لغاية تموزعام 1989…

وأذكر حينها جاءنا من كان بحكم ِ وجوده في سلك الجيش حارساً على العوائل في قلعة طوبزاوة في كركوك، يطلبُ حبوب فولتارين لوالدتي التي كانت تعاني من آلام الروماتيزم…. ونقل لي وقتها منْ التقيه كوسيط بيني وبينه…

قبل ايام جاءَ علي حسن المجيد الى قلعة طوبزاوة والتقى بالعوائل.. وقد حدثت مناقشة بين أمْ صباح كنجي وعلي كيمياوي.. وكانت ام صباح في منتهى الجرأة إذ أحرجت الكيمياوي وقالت له:

ـ نحنُ عزل وأبرياء وان كان لكم خلاف مع أولادنا ونهجهم ما ذنبنا نحن؟.. أنتم الحكومة هجرتمونا من المدن الى كردستان.. وها انتم تعتقلونا منذ سنة دون ذنب.. رغم اصداركم لقرار عفو في حينها… ما هو ذنبنا نحن النساء والأمهات؟ وما ذنب هؤلاء الأطفال والشيوخ؟….

وأضاف انّ علي حسن المجيد قالَ بالنص في ردهِ على تلك الأسئلة:

ـ مصيركم يقررهُ السيد الرئيس ومرتبط بموقفه وتوصياته.. سوف انقل له الموقف.. ومد يده الى شاربه… أخذوها من هالْ الشارب….

كان الوسيط موقناً من صحة إدعاء الكيمياوي، واعتبر موقفه فاتحة أمل في إطلاق سراح العوائل…

لكنني اختصرتُ الموقف وقلتُ معلقاً…

ـ طالما دخلتْ في الموضوع شوارب علي حسن المجيد… فخذها من هالْ الشارب ان العوائل انتهت وسيكون الآتي أعظم والموت ينتظرهم…

من حينها.. من تموز عام 1989… والمئات من العوائل اختفت وتبخرت.. تلاشى الآلاف من البشر من الكرد وسائر مكونات كردستان مع العديد من العرب والتركمان الآشوريين والسريان والكلدان.

اختفت امي.. واختفى اشقائي شامل وأميل وخيري واختفت عائلة عمي عاصف ومناضل وجمعة وبسيم ولينا ووالدتهم غالية ومعهم عمتي وجدتي مع العشرات من العوائل التي كانت في مراني…

اختفت عائلة ابوسربست.. اختفت الطفلة سندس الجميلة و إختفى الشاب سربست ومعهم أمهم آسيا.. يا رب الكون من منكم لا يعرف آسيا .. لن يعرف حنان الأم والزوجة وطيبة النساء من عهد حواء لليوم..

اختفت أم فارس(تفاحة خضر) وبنتها ميديا وأبو فارس.. ومعهم ابو سلام وابنه طيبان وليلى وزخاروف وفيدل وسورياس ونصير ونصيرة وأم خسرو وأم فؤاد وأم ماجد وجوليت ونمشة خدر وماشو درويش ومنيف غانم وتحسين عيسى وشاكر وخورشيد ومام عبدال وداي شيرين ومام الياس وأبو خدر وداي بهار والعشرات، لا بل المئات والآلاف من الناس العزل…

هل احدثكم عن عباس صوصيا؟ والعشرات من ابناء القرى الكردية…

لا اعتقد ان أحداً منهم قد حمل بندقية ذات يوم…

ولا اصدق ان أحدهم قد اطلق عيارة نارية أو استخدم سلاحاً ولو للصيد البري….

جميع هؤلاء قتلوا… اختفوا… قتلهم علي حسن المجيد ومن معه من رموز النظام….

قتلهم البعثيون العنصريون الهمج…

اليوم… اليوم…

بتاريخ24/1/2010 تناقلت الأخبار نبأ اعدام علي حسن المجيد…

تناقلت الفضائيات خبر اعدام الكيمياوي…

هاهي العدالة تنتصر للحق..

هاهو القضاء يقول كلمته…

هاهم المجرمون لأول مرة في التاريخ يحاكمون ويقتصُ منهم…

لقد انتصر الحق…

انتصرت حلبجة

انتصر الأبرياء

في هذا اليوم عادت للضحايا حقوقهم المغتصبة..

في هذا اليوم أعيد الأعتبار للمئات من العوائل..

ستقام الأفراح في حلبجة.. والمئات من المدن العراقية والكردية

سيرفع نخب انتصار الحق…

سيرفع نخب مكافحة الاجرام

التاريخ تغير

انهضي يا أمي

الطغاةُ يُعدمونَ

المجرمونَ يُعدمونَ

علي حسن المجيد قدْ أعدمَ

الكيمياوي أعدمَ!!

ولنا من اليوم… تاريخ جديد

وتحية لكل من نصر الحق وانتصر للمظلومين والكادحين والضحايا الأبرياء…

تحية لكل من يسعى لعراق لا تتكرر فيه أخطاء التاريخ والعنصرية والطغاة

تحية لعراق المستقبل والأمل… الذي حَوَّلَ بلعبةِ باصٍ رياضية الكيمياوي بدلا ً من الكرة للشيطان… أيّها الشيطان ها نحنُ نحوله لكَ بأسم العراق الجديد فتلقفهُ يا شيطانَ الكون، ولا تكن بخيلاً بحقهِ، أذقهُ مما تراهُ مناسباً من عندك بلا ترددٍ.. اسكنهُ حيزاً يقاسُ بالمكرو متر.. بقعة من جحيمكَ المستعرْ.. واخسفهُ بأعماقها بلا قعرْ.. الى أبد الدهرْ ليكون عبرة لمن يعتبرْ.. واجعله سالوفة العصرْ .. يتناقلها الناس بيسرْ .. من غير جسرْ.. من بغداد الى مصر.. وكل بقعة يخضر فيها الشجر.. أو يطأها ضوء القمر.. وينبت فيها الثمر..حيث لا مكان فيها للظلم والقهر.. والحكام من امثال الكيمياوي في هذا العصر.. ممن ستستقبلهم بالأسبيشلْ من الجمر الى أبد الدهر…

صباح كنجي

24/1/2010