الرئيسية » الآداب » حكاية شقيقين تناثرت أشلاؤهم

حكاية شقيقين تناثرت أشلاؤهم

لا استطيع ان أمحو من ذاكرتي تفاصيل ذلك اليوم الربيعي فالحدث مازالَ يؤرقني كلما تذكرتهُ رغم جمال ذلك الصباح واشراقة شمس آذار من عام1982.. عندما نبهنا حَرسُ الدوشكا بوجود طائرة (هوكر هنتر) تحوم في سماء القرى المحيطة لمقر مراني .. أسرعت لفتح جهاز الراديو الصغير على موجة (إفْ.. إمْ) كي التقط المحادثة بين الطيار وآمره، بعد أن تعودنا على هذه التحليقات التي كانت تحدث بين الحين والآخر لمتدربين جُدد سُمحَ لهم بقصف اهداف حقيقية من كردستان، أي انها تدريبات عملية يسمح بها للطيار بقصف أيّ هدف ثابت أو متحرك يرتأيه في القرى والجبال التي أعتبرت أهدافاً للمدفعية وطيران الجيش يستبيحونها متى شاؤوا..

سمعتُ من الراديو الصغير الطيار يُحدِث آمرهِ في قاعدته يقول:

ـ من مصطفى إلى خالد.. سيدي أشاهدُ هدفاً متحركا ً…

ويأتيه الجواب الفوري بالسؤال:

ـ هل انت مستعد؟..

ـ نعم سيدي

ومن ثم يعقبه..

ـ نفذ..

وبعد لحظات…

ـ سيدي تمتْ اصابة الهدف…

ـ بارك الله فيك صَوْرْ..

نعم أذكر ذلك الصوت المدوي عندما انطلق الصاروخ، وما زال صوت الأنفجار يرنُ في أذنيّ كأنه يحدثُ الآن.. أذكر ايضاً أنّ الهدفَ المتحرك الذي أصابه صاروخ الطيار المذكور لم يكن إلا ّ شقيقين يافعين في مقتبل العمر من قرية سواري هما (محمد) ذي ال (17) ربيعاً و(مصطفى) الأصغر منه بسنةٍ.

ذهبا لتقليم أشجار التفاح في منتصف المسافة بين مراني وقرية سواري عند مدخل آفوكي، لقد أصابهم الصاروخ ومزقَ أجسادهم الطرية، فتناثرت اشلاؤهم بين الأشجار القريبة المحيطة بالبستان الذي كانوا متواجدين فيه.

وفي الحال هرع المزارعون بمساعدة من الأنصار الشيوعيين لتجميع أوصالهم وقطع اللحم المتناثرة مع بقايا عضام يصعب تحديد معالمها وعائديتها، ونقلت إلى المقبرة في طرف القرية وسط موجة من الحزن والأسى تطلبت الإسراع في دفنهم في قبرين متجاورين، بعد أن اختلطت بقاياهم ولم يعد من الممكن التفريق بينهما..

في اليوم التالي عند منتصف النهار عادت الطائرات من جديد لتمارس قصفها وتطلق صواريخها، وعاد النداء الآمر من خالد الى الطيار الآخر:

ـ اضرب..

ودوى الصوت من جديد فأصاب الصاروخ الأهوج الشقيقين في المقبرة وإختار قبريهما ليخرج منها تلك القطع البشرية المدفونة ويقذفها ثانية لينشرها في أطراف المقبرة ويحولها إلى قطع اصغر وأصغر…. قد لا تكون هذه الحادثة التي جرت وقائعها المؤلمة في قرية سواري الوحيدة في قرى ومدن كردستان..

لكن أنا واثق أنها لمْ ولنْ تتكرر في مكان آخر من هذا العالم الشاسع.. وحدنا نحن العراقيون من عانى من الرعب والموت لهذه الدرجة وبتلك التفاصيل التي لا يستوعبها العقل ولا يتقبلها الضمير.. ولا يمكن أن تنطبق عليها قوانين الصدفة إلاّ في الزمن الذي إستحكم فيه البعثيون على البلاد.. وأدى بالناس في قرية سواري للعودة والبحث عن بقايا.. بقايا الجسدين المتناثرين ليعيدوا دفنها من جديد..

صباح كنجي

ـــــــــــــ

مقتطف من كتاب يعده الكاتب بعنوان حكايا الأنصار والجبل