الرئيسية » الآداب » لغزُ الهدف..!

لغزُ الهدف..!

الى الفنان فؤاد سالم… الذي كان نصيراً مشاركاً ومرافقا ً للأنصار في كفاحهم البطولي المسلح ضد الدكتاتورية بفنه وأغانيه الثورية الخالدة..

حينما وصلنا إلى محطة الاستراحة في الساعات الأخيرة من خيوط الفجر، طلب منا آمر مفرزتنا الأنصارية الانتشار بين الأشجار وعدم إشعال النيران حتى نتأكد من سلامة الوضع في تلك الأيام التي كان الجيش يستهدفنا من خلال تقدمه المفاجئ ليلا ً لتطويقنا،عبر محور مجموعة قرى كانت تلجأ إليها مفرزتنا بشكل عشوائي بين الحين والآخر.

بعد أن أعلن الحراس في القمة المواجهة لنا من خلال الإشارة المتفق عليها إنّ الوضع سليم… طلب منا آمر المفرزة إشعال أقل عدد ممكن من النيران لتهيئة وجبة الفطور للمجاميع المنتشرة على طول الوادي بين أشجار البلوط الضخمة التي نتخذها ساتراً يحمينا من غارات الطائرات التي تستهدفنا هي الأخرى وقد تسببت لنا في خسارة مجاميع عديدة من الأنصار في مختلف مناطق كردستان..

بعد الفطور أجتمع أمراء الفصائل لمدة قصيرة، لم تتجاوز العشرة دقائق، قبل أن يتفرقوا إلى أماكنهم أوصوا الجميع بالخلود للنوم والراحة وعدم إضاعة ساعات النهار ..لأننا سنتوجه الليلة إلى موقع مهم لقوات السلطة.. وأكدوا أننا على موعد لتنفيذ عملية مهمة ستكون حديث الناس وقادة المعارضة لفترة طويلة من الزمن..

كعادة الأنصار وتوقعاتهم أخذوا يستنطقون من يعتقدون أن لديه معرفة بطبيعة الهدف، خاصة من المجموعة التي كانت تستطلعُ الأهداف قبل ضربها.. وهنا يبدأ فصل جديد من الهمسات لاستدراج المعنيين من أجل البوح عن طبيعة الهدف ونوع العملية المقصودة، وقد اكتسب البعض من الأنصار خبرة لا بأس بها لمعرفة طبيعة الأهداف التي من المؤمل استهدافها، دون الحاجة للاستفسار بحكم تراكم معرفتهم بطبيعة الأشخاص الذين يتم زجهم في مجاميع الاستطلاع، كما أن لوجهةِ المجموعة ونوع السلاح الذي تصطحبهُ في عملية الاستطلاع من المؤشرات التي تدل على طبيعة الهدف ومدى قدرة الأنصار في معرفته وتحديده مسبقاً الأمر الذي بات يتفاخر به البعض منهم… هكذا عندما كان يُزج النصير نبيل الألقوشي في قوام مجموعة الاستطلاع كان يعرف الغالبية أن الهدف القادم هو ربيئة أو موقع عسكري للسلطة محاط بالألغام… أما إذا زُجَّ حازم دوغاتي فأن الهدف هو العمق في أطراف الموصل ويتطلب الكتمان والسرية والحذر..وإن رافقهم كفاح كنجي سيكون الهدف المعني كبيراً وستستخدم المدفعية…

لكن هذه المرة تغيرت المعادلة.. منذ عشرة أيام لم ينفذ أي استطلاع، حركة المفرزة بكامل قوامها روتينية بين مجموعة قرى على طول سلسلة جبل كاره، في ذات الوقت لم يسجل أي لقاء مع مجموعة أخرى لتجميع القوى والتنسيق من أجل عمل كبير… وقد عجز الأنصار عن معرفة أي شيء عن طبيعة الهدف المقرر لهذه الليلة ..بالتالي شعروا لأول مرة “بالمهانة” هاهم متشوقون لمعرفة أي شيء عن الهدف اللاحق، لكنهم عجزوا عن معرفته وبقيت استنتاجاتهم تتضاربُ ذات اليمين وذات الشمال دون الوصول لغايتهم في معرفة الهدف!!…

في الطرف الآخر من المعادلة.. كان ثمة مواقع للربايا العائدة للجيش والجيش اللاشعبي وتشكيلات الجحوش التي ترابضُ على طول الشارع بين العمادية وسرسنك يتوسطها مقر اللواء العاشر العائد للفرقة الأولى مع مطار عسكري تتواجد فيه عدة طائرات هيلكوبتر مع طاقم كتيبة راجمات صواريخ بعيدة المدى..

في إحدى المواقع وقبيل أن يحل المساء قال الضابط لمجموعة الجنود..

ـ انتبهوا نحنُ اليوم في حالة إنذار جيم.. هذا ما وصلنا من قيادة السرية والمطلوب الانتشار في أطراف الربيئة والحذر لِمَا بعد منتصف الليل.. قالَ العريف حمزة:

ـ رغم قناعتي بعدم وجود شيء، لكنني سأكون جاهزا ً يا سيدي، وسوف أتبرع بساعة حراسة إضافية..

أثنى عليه الضابط:

ـ بارك الله فيك ياحمزة.. أنت كدها وكدود والواحد يكدر يعتمد عليك.. وبعد هنيئة قال:

ـ تستحق إجازة مساعدة ..أعدك بأسبوع..

ـ الله يخليك إلنا سيدي والله يحفظ لنا القائد أبو عداي سيدي… سيدي ذولة جبناء ما اعتقد يكدرون يوصلون إلنا… كل يوم ندخل إنذار وما نسمع الهم طاري.. خلي يجون ويشوفون الزلم.. والله أتمنى أيجربون حظهم ويانة لأخلي المحروسة تهلهل بصدورهم ورفع بندقيته الكلاشنكوف للأعلى…

كان عدد الجنود في الموقع ليلتها لا يتعدى الثمانية.. عدا الضابط عربيد والعريف حمزة كان من يُكنى بالرفيق أبوعروبة هذه الشخصية الجلفة وزميل له يرافقه ويوافقه على كل شيء يتفوه به رغم عدم إجادته اللغة العربية يدعى مَلوْ..

والبقية جنود مجندين من خريجي الجامعات بينهم من الفقير شرف السنجاري والمهندس ميكائيل البغدادي وعادل البصرواي وسعيد من الناصرية.. هذا هو قوام التشكيلة العسكرية لذلك الموقع الذي عُمِمَت عليه حالة الإنذار جيم، في تلك الليلة التي تباهى فيها العريف حمزة وتناغم مع توجيهات الضابط الآمر الذي طلبَ منهم أن ينتشروا في أطراف الربيئة كل اثنين معا ً ليكونوا يقظين لما بعد انتصاف الليل..

هذا هو الوقت الخطر المسجل لديهم في الجيش الذي يستغله الأنصار الشيوعيون وقوات البيشمركة في مهاجمة المواقع العسكرية.. بعد منتصف الليل لم تسجل أية عملية مهمة إلاّ نادراً، فقوات الأنصار والبيشمركة يتحسبون لملاحقة الجيش والطيران لهم بعد كل عملية، لذلك يمنحون انسحابهم فرصة من ساعات الليل في كل عملية يخططون لها.. ليس من المعقول أن يبادروا لشن هجومهم في ساعات الفجر.. الخطورة .. الخطورة الجدية تبدأ من ساعات المساء حتى منتصف الليل، أو ما بعده بساعة وساعتين، حينها يتنفسُ الضباط والجنود الصعداء، عكس الحال في صفوف الأنصار إذ يبدأ الخطر الفعلي عليهم في النهار، مع حلول الليل تتضاعف حركتهم، تتفجر طاقاتهم، تبرز إمكانياتهم، كأنهم يستمدون من الظلام قدراتهم.. كأن للظلام قدرة لا محدودة يمدهم بها عبر خيوط مخفية لا ترى ولا يتحَسَسُها إلا الأنصار في هذا الكون الشاسع..

المساء يقتربُ.. يستعدُ الأنصار لتناول وجبة العشاء قبل أن يحزموا أمتعتهم للتوجه نحو الهدف.. ما زال الغموض يكتنفهم.. آمر المفرزة زادهم حيرة وهو يقول:

ـ اعرف أنكم منذ الصباح تحاولون معرفة شيء عن العملية القادمة..هذا من حقكم.. لكنّ هذه المرة اعذروني.. حتى أمراء الفصائل الذين تتملقونهم منذ الصباح لا يعرفون تفاصيل العمل اللاحق… لن اكشف لكم السر إلا على بعد أمتار من الهدف.. لكن أطمئنوا كل شيء تمام قد لا نطلقُ أية أطلاقة.. وقد نواجه حالة صعبة!!.. قبل التنفيذ بدقائق ستعرفون.. الجميع عليه أن يلتزم بالتوجيهات.. أيُّ خطأ قد يسبب لنا كارثة.. المطلوب الدقة.. الدقة فقط وحسن الانضباط والتصرف سيضمن لنا النجاح في مهمة في غاية الأهمية وستكون العملية نوعية في كافة المقاييس…

ازداد اللغط بين الأنصار.. هناك من حاول أن يعزي نفسه بالصمت موحيا ً كأنه فهمَ المقصود.. لكنّ الغالبية ازدادت حيرتهم اخذوا يتذرعون بالساعات القليلة الباقية لمعرفة الغاز هذه العملية .. أنهم مطمأنين من قدرة آمرهم وحسن اختياره للأهداف… أبو جاسم كعادته مازح أبو كريم:

ـ ها ولك.. أشوف اليوم ساكت… شنو خايف؟ اشو ما تحجي! ..استغلها أبو كريم كعادته.. ولك خايب هذي مو عملية بسيطة… هذه مقدمة وتمرين لاقتحام القصر الجمهوري!!.. أنت ما قريت بيان اللجنة المركزية الأخير الليكول وضع النظام أيل للسقوط…. هذا أبو رْسْتم.. ما راح يْوْكفنا.. إلا باب القصر الجمهوري… وراحَ يُنشد:…

ـ طبْيْتْ للقصر الجمهوري.. الكيْتْ عِزتْ الدوري.. خشمة يشبه القوري… لابس درع فرفوري.. راح انزيحا وانخلي ابمجانة عموري..

تداخلت أقدام الأنصار في الغابة.. كان الرتل يتقدم نحو موقع قريب من الشارع العام.. الجميع تشوش.. اعتقدوا أنهم سينصبون كميناً على الشارع أو أنهم سيتوجهون نحو العمادية ليس إلا ّ.. لكنّ الدليل انحرف بهم نحو التلال المحيطة بالشارع، حيث تنتشرُ مجموعة ربايا للجيش في عدة مواقع تحيط باللواء، هي قوام سرية… يا الهي قال البعض لقد اقتربنا من إحدى الربايا..

ـ من الآن الصمت مطلوب.. أية حركة أو حديث، ما عدا الهمس سيجلب لنا الفشل.. نطق الأمر أولى الكلمات قبيل منتصف الليل لكنه لم يفصح عن شيء فازداد توجس البعض وأخذ يردد مع نفسه متسائلا ً:

ـ حقاً ماذا يحدثُ لنا؟ ما هي المهمة التي تنتظرنا؟!!… لقد جُنّ أبو رستم ومن مَعهُ هاهو يقودنا نحو أسفل ربية مُسَيطرة علينا في موقع مكشوف خال ٍ من الأشجار. أيُّ خطأ سيجلب علينا الويلات ويوقعنا في كارثة.. يا لهُ من مغامر يقودنا للموت بصمتٍ، دون أن يكون لنا الحق في مساءلته إلى أين نحن ذاهبون؟!..

قبيل منتصف الليل بدقائق معدودات… نطقَ الآمر بما كان قد خبأهُ من لغز حيّر الجميع.. أخذ يتحدث بهدوء كعادته:

ـ عملية اليوم تتطلبُ منا أن نبقى هنا في أماكننا لغاية الواحدة والنصف بعد منتصف الليل…الخطة لا تتطلب منا أن نطلق النار… لن نهاجم أية موقع بما فيه هذا الموقع الذي يعلونا ولا يبعد عنا سوى أمتار قليلة… لا تخافوا لو نفذت خطتنا ونجحنا في تطبيقها لنْ يعرف أحد بالعملية حتى السلطة نفسها إلى ما بعد منتصف النهار.. لذلك لا تخشوا من الأنتضار هنا إلى ما بعد منتصف الليل سيكون لنا وقتاً كافيا ً للانسحاب.. كادت كلماته أن تعكر مزاج الأنصار… تململ قسم منهم.. إلى حد فكر في استيضاح الموقف.. مردداً مع نفسه نحن بشر .. لسنا خراف كي تقودنا إلى المقصلة دون أن نفهم لماذا؟…

هو الآخر قد قدر دقة الموقف وحراجة لحظات الصمت المتعبة لِمَنْ يندفعُ لتنفيذ مهمة غامضة… أخذ يفك شفرة التساؤلات الدفينة في صدورهم… باختصار.. نحنُ اليوم سنستقبل مجموعة من الأبطال بعد منتصف الليل… ومهمة اليوم لا تحتاج إلى استطلاع ولا تتطلب اشتراكنا كأنصار إلا بهذا القدر المطلوب من الصمت والهدوء.. من داخل الربيئة سَيتمُ حَسم كل شيء… اليوم ستنفذ مجموعة من الجنود الأبطال مهمة السيطرة على الربيئة واقتياد ضابطها والعريف السيء مع مسئول التوجيه السياسي وشخص انتهازي بعد منتصف الليل.. عند الإشارة المتفق عليها سنتحرك للدخول إلى الموقع ونقل الأشياء المهمة فيه، في المقدمة منها الضابط والعريف وأعوانهم… يكلف أبو كريم وأبو جاسم مع ستة أنصار آخرين بهذه المهمة، سيكون معكم أحد المتعاونين معنا من مجموعة التنظيم السري.. مهمتكم التوجه السريع نحوى وادي زيوا بلا توقف.. بينما تكون مهمة سركوت وعابد والأنصار الستة الآخرين نقل السلاح والقذائف وجهاز اللاسلكي إلى حيث تركنا مجموعة أمين والدكتور عادل مع البغال في خط الانسحاب… أمّا البقية فيكلفون بمهمة التفتيش والتدقيق عن الأشياء المهمة وتغطية الانسحاب، وأقصى مدة لبقائهم بعد إنسحاب مجموعة السلاح هي عشرين دقيقة فقط..

نريد أن تتحكموا في بنادقكم وان لا تطلق طلقة طائشة تنبه المتواجدين في الربيئة وتكشفها لهم.. الصمت والهدوء والانضباط أساس نجاحنا اليوم.. اليوم البطولة لمجموعة التنظيم السري وعليكم أن تفرحوا…

طفر الدم في عروق الجميع رغم شدة البرد… الكل اخذ يتحسبُ الدقائق، اللحظات، وبات مشغول الفكر إزاء من سينفذ هذه العملية الجريئة..

في الربيئة أشرف العريف حمزة على توزيع المهام بشكل روتيني بوضع كل اثنين في طرف من أطراف الموقع.. كعادته أخذ يدعو منتسبي الربيئة إلى ضرورة الانتباه وفتح العيون والآذان ..كونوا يقظين.. بَسْ لا تخافوا من خفافيش الليل الجبناء.. وينهم الخونة والعملاء خلي يتقدمون والله لراويهم نجوم الظهر.. تفو على كل المعارضة والعملاء الكرد..

لحد هذه اللحظات لا يوجد شيء غير عادي.. يُحيط بالموقع صمت وهدوء.. الليلُ يفرضُ سكينتهُ.. ضياء النجوم يخترق طبقات الغيوم المتحركة، بين الحين والآخر يبرز الهلال كمؤشر يوحي بحركة الكون.. الدقائق تمر.. الضابط خلد للنوم.. بين الحين والآخر يتطلعُ الفقير شرف إلى ساعتهِ.. يتمتمُ مع نفسه.. لم يحن الوقت بعد.. لكنه متحفزٌ ويغلي كالبركان.. إنه اليوم يواجه مهمة في غاية الخطورة، تعهدَ لخليل الكادر الأنصاري حينما التقى به سراً في إجازته قبل أسبوعين أنه سينفذ خطته في السيطرة على الموقع بالتنسيق مع ثلاثة من الجنود الذين أبدوا استعدادهم للسيطرة على الموقع وأسر الضابط والعناصر المرتبطة بالنظام، يرغبون في الهروب من الجيش والتخلص من أعباء وويلات الحرب، والالتحاق بصفوف الأنصار. الدقائق المتبقية لتنفيذ الخطة تدفعهُ للتفكير والتركيز على اللحظة المتفق عليها للشروع في البدء بتجريد من لا يؤتمن من السلاح..

لقد اختارَ العريف حمزة بنفسه اليوم حينما قرر توزيع المهام أن يكون شرف معهُ… هاهو متمدد بجانبه، السيطرة عليه واعتقاله لا تكلف إلاّ أنْ يدفعَ يدهُ لبندقيته وتهديده بإطلاق النار في حالة عدم امتثاله له .. سيكون من السهل على البقية السيطرة على الآخرين.. أما الضابط الأثول فسيكون نائماً كعادته داخل الموقع لن يحتاج إلاّ للركل كي يفاجأ بأنه مُعتقل .. لكن هذا لم يمنع قلقه الشديد النابع من حرصه على نجاح الخطة..

مع نفسه كان قد صمَمَ وعزمَ في حالة حدوث أية مقاومة أو ممانعة من هؤلاء المرتبطين بالنظام.. لن أتردد في الخلاص منهم.. الأمر لا يقبل الخطأ وأي تهاون سيؤدي به ومن معه إلى الموت.. الحزم مطلوب ..عدم التردد مطلوب… الباقي تقرره اللحظة ومفاجأتها.. هكذا كان قد حسم قناعته..

لا يدركُ شرف لماذا تراوى له العريف حمزة على شكل خنزير في تلك اللحظة التي قرر فيها انتزاع البندقية منهُ ليعقبها صراخه بالتهديد:

ـ لا تتحرك وإلا قتلتك يا خنزير!!..

صَعقَ العريف حمزة.. حاول ان يرفع يدهُ ليمدها نحو بندقية شرف لكن ضربة أخمص فاجأته فقأت عينهِ اليمنى.. أنذهل من انقلاب الموقف.. لم يتصور بغروره المعهود أن شرف جاد في مطلبه.. لحين ما سمعه من أصوات متداخلة من جهة الشرق.. البصرواي وهو يطلب من مَلو التوقف بلا حركة.. ومن الغرب إذ بمكائيل يصرخ بأبي عروبة.. وبحركة من عادل وهو يقفزُ نحوَ باب الربيئة للسيطرة على الملازم حَسمَت الموقف بشكل تام…

هاهُم كالخرافِ مُجردين من أسلحتهم..

إياكم من إبداء أية مقاومة أو رفض.. عليكم أن تمتثلوا لأرادتنا، وتنصاعوا لأمرنا في مغادرة الموقع.. المكان مطوق بالأنصار الشيوعيين.. من موقعه أعطى إشارة التحرك بالصفير المكرر مع كلمة السر المتفق عليها ونادى:

ـ فؤاد..

من الجهة الأخرى جاءه الجواب:

ـ سالم..

كانت هذه هي كلمة السر المتفق عليها… وتحركت المجموعة الأولى بإشراف آمر المفرزة بصحبة خليل لتنطلقَ دون توقفٍ مع الأسرى.. أراد مَلو أن يتحدث بلغتهِ فنهاه شرف اسكت جحش..

في اليوم التالي مساءً انطلقت المفرزة مع الملتحقين الجدد والأسرى نحو القرى المحاذية لسلسلة جبل كاره في طريق توجهها لموقعها في مقر مراني..

في ذات الوقت واصل تلفزيون بغداد عَرضه الإخباري لنشاطات الدكتاتور وتغطيةِ احتفالاتِ منح ِأنواط الشجاعة المزيفة لمقاتليه.. واصفاً إياهم بالصناديد!..

صباح كنجي
_____________

مقتطف من كتاب يعده الكاتب بعنوان حكايا الأنصار والجبل