الرئيسية » الآداب » أم جمعة

أم جمعة

أم جمعة امرأة كردية من بامرني في حدود الخمسين من العمر، كانت متزوجة في قرية بيشيلي التي نتردد عليها بين الحين والآخر، اختزلت طيبة جميع النساء وحنانهن وعاملتنا كأبنائها.. كانت تعدُ لنا اشهى المأكولات وتتطلب من بنتها وابنها جمعة مساعدتنا بأقصى ما يمكن وتصدر الأوامر لهما بالأسراع في تلبية حاجاتنا من مطبخها وهي تعد لنا الطعام بعجالة:

ـ هيا اشعلوا النار وأجلبوا الصابون كي نستحم تباعا ً، كأنه واجب فرضَ عليها.. كانت تغمرنا بحنانها وهي تقلبُ اسياخ اللحم المشوي لتقدمها لنا واحداً بعد الآخر، وحين نعلن عن شبعنا واكتفاؤنا .. تلحُ علينا لتناول المزيد من الطعام وانْ لمْ تفلح تنهرنا كأننا أطفال صغار لا يقدرونَ خطر الجوع، ومع أحمد بامرني يكون لها تصرفا ً آخر وتختار لهُ كلمات أخرى تقول مازحة:..

ـ هيا.. هيا واصل الأكل بلا تردد .. بطنك كبيرة وتتحمل المزيد.. كل يا بني… هذه اللحمة المشوية ولا تتركها في الصحن تبرد…

ـ ولكن يقولون القطعة الأخيرة هي رأس الحماة .. هل ترغبين أن التهم رأس حماتي؟ ..

ـ كل ولا تهتم بأمثال الفلاحين.. انتم بحاجة للغذاء وقد تبقون أياماً بلا طعام..

هكذا تعودنا على أم جمعة وهي تنادينا وتخاطبنا كأننا أولادها الحقيقيين.. بتنا لا نشعر بالخجل في بيتها ونطلب من جمعة أن يجلب معه من دهوك بعض احتياجاتنا الخاصة عند عودته في كل خميس. إذ كان طالبا ً في الثانوية آنذاك… هكذا كانت في كل مرة نذهب اليهم، لا تتردد في تقديم ما يمكن تقديمه عن طيب خاطر..

لقد كانت منسجمة مع نفسها وهي تقدم لنا الأطعمة من محتويات بيتها عن قناعة.. لا شك انها تشعر بالسعادة، كما كنا نحنُ فرحين باستقبالها المميز لنا…. هذه طبيعتها لا تفتعل التصرف، ولا تتكلف أو تتصنع اداء الدور… لم تغيرها الأيام بقيت تستقبلنا وتودعنا في كل مرة بذات الكلمات الوديعة طالبة منا المزيد من الأنتباه والحذر.. كونوا يقظين.. لا تدعو العدو يظفر بكم.. إياكم أن تناموا في الأماكن الخطرة.. وتتمنى لنا السلامة وتتطلب من رب الكون أن يحمينا … بدورنا كنا نشعر كأننا نودع اماً حقيقية، ونتلهف للعودة الى احضانها باسرع وقت ممكن..

لم يكن هذا هو الوجه الوحيد لأم جمعة.. كانت طيبتها تتحول في بعض الحالات الى قوة تتفجرُ بوجهِ من لا تودهُ ولا ترضى عن تصرفاته وسلوكه بكلمات غاضبة قاسية.. في ليالي السمر يروي اهل القرية عنها قصص وحكايات ومواقف ساخرة، يتباهون بمواقفها وشجاعتها.

من بين تلك الحكايات.. قصتها مع مجموعة رجال من المرتزقة دخلوا القرية مع قوات الجيش، حينما انتهوا من التفتيش تقدموا نحو دارها ليطلبوا منها تهيئة طعام فدعتهم للجلوس.. ودخلت المطبخ مع بنتها لتلبية طلبهم.

كان ضيوفها على عجلة من أمرهم ينتظرون بفارغ الصبر وجبتهم الشهية التي تعدها أم جمعة مع بنتها.. لذلك سمعت بعد دقائق أحدهم يناديها:

ـ خالة نحن مستعجلين.. أين هو الفطور؟.. وعلق زميل له لا تستعجل دع الخالة تعد لنا الطعام بهدوء.. لا تخبصها قدْ يحترق البيض..

وقال آخر:

ـ أهل هذه القرية يشتهرون بالجبن واللبن وقد حدثني أبي عن طرقهم الخاصة باعداد الجبن إذ يتفننون بمزجه بنوع من الخضار الجبلي الذي لا ينبت إلا في هذا الجبل القريب..

ومرّ الوقت… كانت الخالة ام جمعة تسمعُ نداءات متكررة من “الضيوف الأعزاء” فقررت استقبالهم استقبالا ً خاصا ً يليق بهم..

هاهي تعِدُ الصحون واحد .. اثنين .. ثلاثة…… اثنا عشر صحناً بالتمام والكمال على عددهم وسط ذهول ابنتها مما تشاهدهُ فتساءلت:

ـ ماذا تفعلين يا اماه؟! ماهذا الذي تضعينه في الصحون؟!

ـ اسكتي هذا ليس شغلك.. انتِ لا تعرفين نوع الطعام الذي يحبه هؤلاء الضيوف.. ستكبرين وبعدها تدركين طبيعة هؤلاء وولعهم بهذا الطعام الخاص..

تشربك الأمر على الفتاة.. كانت المرة الأولى التي لا تفهمُ ما يجري حولها.. لم تعد تفهم ماذا تفعلُ امها.. بقيت مشدوهة لآخر حركة من يديها..

حينما انتهت من اعداد الصحون حملت الصينية الكبيرة على رأسها لتنقلها الى غرفة المنتظرين.. لكن أحدهم وللمرة الثانية علا صوته:

ـ خاله… اين الفطور؟.. هل تريديننا ان ننسحب ونحن جياع؟…

لم تجبهُ.. تقدمت خطوتين نحو وسط الغرفة.. قبل ان تنحي لتضع الصينية بمحتوياتها امامهم امتدت اعناق البعض منهم لترى ما في الصحون المرصوفة بعناية على شكل حلقة دائرية مملوءة بالشعير اليابس فقط.. فامتقعت وجوههم… وتساءل أحدهم مستنكرا ً:

ـ ماهذا؟ فطورنا شعير يابس؟!

ردت أم جمعة بهدوء يحملُ سخرية لا يسعها الكون:

ـ نعم شعير الستم جحوش؟.. وهذا طعامكم المفضل؟!!.. 

ــــــــــــــــــــ
مقتطف من كتاب يعده الكاتب بعنوان حكايا الأنصار والجبل