رمزي

لم يكن رمزي مختلفا ًعن اقرأنه الشباب من أبناء الريفِ في بداية السبعينات، وجلّ ما فكر به في حينها أن يترك مقاعد الدراسة ويبحث عن عمل.. كانَ شابا ً طموحا ً، يعشقُ الحرية، يميل كغيره من البشر للتفكير بتدبير أمر ِ معيشته، يتطلع إلى الارتباط بفتاة جميلةٍ.. هذا أقصى ما كان يفكر به، لم تتوسع أحلامه ذات يوم لأكثر مما ذكرنا، ولمْ يعرف عنه في عموم المنطقة سوى انه شاب مرح، مؤدب، يهتم بهندامه يُمارسُ هواية صيدِ الحمام والطيور البرية.. هكذا يجدوهُ يتسللُ صباحَ كل يوم من مدخل الجبل.. يعود عصرا ً في يده طيور برية للبيع. استمرَ هكذا يأتي ويذهب في حركةٍ يوميةٍ منذُ سنتين خلت….

لكنّ رمزي كبُرَ مع توالي الزمن.. طلِبَ لتأدية الخدمة الإلزامية.. هاهو يواجهُ موقفا ً جديدا ً، وتعنيفا ً من والدتهِ، لمْ يَعد ينفعُ فيهِ الندم:

ـ لوْ لمْ تتركَ المدرسة لمَا طلبوكَ للعسكريةِ. ماذا ستفعلُ؟ يقولون: الشرطة تسأل عن الذين يتخلفون.. ماذا يريدون؟!!..

ـ لن أذهب إلى العسكريةِ.. ولن أتنازل عن حريتي، لقد تعودتُ على الصيد والجبل ِ..

ـ هل ستبقى تعيش من الصيد؟!.. ألا تفكر بالزواج؟ يقولونَ أن الحكومة تقدم راتباً جيداً.. لماذا لا تذهب وتقضي خدمتك الإلزامية وتخلصنا من وجع الرأس؟.. ابني الحكومة لا ترحمُ أحدا ً..

لكن رمزي لم يعر قولها اهتماما ً.. خرجَ ليتجول ويسأل أقرانه عمّا يعرفونه من تفاصيل عن المشكلة الجديدة.. في المقهى قالَ له المختار:

ـ الجميع سيذهب ماعداكَ.. عليك أن تتدبرَ أمركَ ..لا تتهمني غدا ً بالإبلاغ عنكَ.. الحكومة ستطلبكَ.. الشرطة ستلاحقكَ.. هل أنتَ مستعدٌ لهذا الشيء؟..

ـ وهل ستستغني عن الطيور التي اقتنصها لك قبل الآخرين؟.. من أينَ ستحصل على طيور ٍ لتكون لك طبق مازة مع كأسك في كل يوم؟.. أنتَ أول الخاسرين يا مختار!.. ضحكَ الجميع.. ضحكوا مع رمزي.. وضحكوا مع المختار الذي حاولَ أن يتدارك الموقف.. فقرر النهوض قائلا ً:

ـ لن نحصل منكم غير الجرجرة والبهدلة ووجع الرأس.. تعال مختار.. روح مختار.. وين بيت رمزي؟.. وين بيت علو جلو؟.. ستجعلوننا مسخرة.. المشكلة ليست في مفارز الشرطة التي تأتي من مديرية الناحية في كل شهر مرتين.. المشكلة ستبدأ مع نهاية الشهر إذ اكتملت بناية مركز الشرطة الذي سيفتحُ بعد أيامٍ.. هاهي الحكومة توسِعُ من إجراءاتها وتفتتحُ المزيد من مراكز الشرطة في الأحياءِ والمدن.. لا بل في القرى والقصبات الصغيرة.. لأول مرة ستشهدُ قرانا مراكز للشرطة.. سيكون المواطن في مواجهةٍ يومية مع أجهزة الدولةِ.. قالها واقفاً ومتذمراً وخرجَ..

لمْ يمضي الكثير من الوقت حتى التمسَ الناس طبيعة المتغيرات الخطيرة التي حدثت في حياتهم مع ربيع عام1969.. الأزمات توالت، الكاز، المواد الغذائية، توتر الأوضاع في كردستان، الاغتيالات في المدن، الأعلام الذي يطبل للحرب مع إسرائيل، الفدائيون بملابسهم الخاصة يتباهون بامتيازاتهم وشاراتهم.. كل هذا في جهة ووجود مركز الشرطة في جهة.. لقد قلبَ الموازين وأصبحَ تواجد الشرطة بين الناس حالة واقعة لا مفر منها، المركز المفتتح فوق المرتفع الترابي لا يبعدُ عن المقهى القديم وسط القرية أكثر من مائة متر، بابه يواجه مدخلها الرئيسي، اختيار المكان وتقابل المدخلين لم يأتي صدفة، بل كان امر مخطط له يوفر للشرطة إمكانية المراقبة والتحكم من داخل المركز.. ناهيكَ عن ترددِ العريف عناد الآتي من مدينة تللعفر بشكل يومي وجلوسه بين الناس وتمكنه من خلق علاقة طيبة بجمهور المقهى، كونه مواطنا ً غريبا ً قبل أن يكون شرطياً مكلفا ً بخدمة الدولة.. لذلك كلِفَ بعد حادثة السرقات، من قبل مدير الناحية بتبليغ المختار للبدء بالبحث والتقصي عن المتهمين، بعد تلك الحادثة الطريفة مباشرة، التي ما زال يتناقلها الناس، حينما سرقت دجاجات الخالة فزه، من قبل مجهولين امتهنوا سرقة الدجاج في المنطقة، ليجعلوها مازة لهم، وهي ظاهرة منتشرة ومعروفة، تعود عليها أهل القرية، تجلب الضحك والتعليقات الفلاحية الساخرة، أكثر من استقدامها للتوتر والتذمر، ويتناسونها بحكم طبيعة حياتهم الريفية، التي لا تضخم المشاكل و المُمَاحكات الاجتماعية..

لكن وصول الخبر لمدير الناحية من قبل مَن افتتحوا مقراً للفرقة الحزبية عبر مسئولهم الجديد جعل من الأمر قضية تتطلبُ الملاحقة… استوجبت استدعاء المختار والتفاهم مَعه… إلاّ أنّ جولة مدير الناحية التفتيشية عصر ذلك اليوم ومروره بالمقهى جعلته يقتنصُ الفرصة يحدثُ المختار مباشرة بين الناس، إذ وجدهُ جالسا ً ينهضُ لتحيته ويدعوهُ لاحتساءِ قدح شاي والمجموعة التي معه كعادة أهل الريف أثناء تكريمهم للضيوف والغرباء..

ـ شكراً مختار..سمعتُ بسرقة دجاجات العجوز فزه.. سوف نحقق في الموضوع.. من واجبك أن تساعدنا.. عليك تهيئة أسماء السُراق والمشتبهين وكل السرسرية والعفطية في المنطقة.. كي نبدأ تحقيقاتنا من الغد ونكشف السُراق..

ـ سيدي.. لا يوجد سرسرية وعفطية في المنطقة.. ردَ المختار بعفوية..

ـ كيفَ؟ ومن سرقَ الدجاجات إذن.. يا مختار؟!

ـ سيدي كل الذين تقصدهم وأسميتهم عفطية وسرسرية هم حراسٌ في المنظمةِ..

ـ أية منظمة؟! وأي حزب يا مختار؟!.. ماذا تقول؟!

ـ اقصد منظمة الحزب ومقر الفرقة الحزبية الجديد..

احتار مدير الناحية.. لم يستطيع أن يستوعب ما قاله المختار.. جالَ بنظره بين الناس .. كانت العيون تحدثه عن صدق ما قاله المختار… وخرج عائدا ً ليستدعي العريف عناد ويوكله بمتابعة الملفات والتحقيقات مباشرة تداركا ً منه لعدم تكرار ما سمعه من المختار بتلك العفوية..

من ذلك اليوم أصبح العريف عناد يتحرك كالمكوك بين الناس يبلغ هذا ويستدعي ذاك ويستفسر من آخر وهكذا… كانت مصيبته الكبرى مع رمزي الذي أصبح في نظر السلطة من المطلوبين للقضاء بعد أن أدخل اسمه في عداد المتخلفين من تأدية الخدمة العسكرية وبالتالي أضافتهُ للفارين من الجيش والمطلوب إلقاء القبض عليه الذي يستوجب تبليغه الرسمي من قبل الشرطة بأمر إلقاء القبض الصادر عليه…. هكذا أصبح العريف عناد حائرا ً من أمره.. الزمن يمضي.. السلطة تكرر إجراءاتها وتشددُ في ملاحقة الهاربين.. جميع المشاكل في صفحة ومشكلة رمزي المزمنة في صفحة.. ثلاث سنوات وهو يواصل ذهابه إلى رمزي لتبليغه وعندما يصل تواجهه أم رمزي بالجواب الجاهز على استفساره:

ـ وين رمزي لديَّ تبليغ لهُ؟.

ـ مو بالبيت.. رمزي بالجبل رايح للصيد..

ويعود العريف عناد خائبا ً.. رغم مشاهدته أحيانا ً رمزي ممددا ً في واجهة الباب لكن العجوز تصر على جوابها.. رمزي مو بالبيت .. هكذا رايح جاي بلا نتيجة… الحكومة تصِّر على استدعاء رمزي.. ورمزي يصِّر على رفض الانخراط في صفوف الجيش.. وبين الطرفين ما على العريف عناد إلا أن يواصل تجواله اليومي في المسافة بين مركز الشرطة والدار التي يسكنها رمزي في رحلة لا تنتهي أخذت من عمرة أكثر من ثلاث سنوات…

عادَ عناد متذمراً وقبل أن يتوجه إلى مركز الشرطة.. قادته قدميه نحو المقهى جلسَ.. كانت علامات الضجر بادية على محياه، مما دفع صاحب المقهى للتقرب إليه والاستفسار منه:

ـ خير عريف عناد.. خو مو أكو شي؟.

ـ والله ما أدري يا أبو محمود أنا حائر وما ادري .. أنا القشمر.. لو رمزي قشمر.. لو حكومتنا حكومة قشامر؟!!.. ثلاث سنين رايح جاي لا الحكومة أتجوز من رمزي ولا رمزي يسلم نفسه… وبين الطرفين أنا محتار يوميا ً رايح جاي وما أدري منو فينا القشمر!.. قالها بتأفف وطلب استكان جاي يفك حيرته ويعدل الراس…

صباح كنجي

مقتطف من كتاب يعده الكاتب بعنوان حكايا الأنصار والجبل