الرئيسية » الآداب » ذلك المسافر!

ذلك المسافر!

أخيرا ًبعد انتظار ممل، صدرت إلينا الأوامر بالصعود إلى السيارة، كنا قرابة أربعين راكبا ً في طريقنا من الموصل إلى بغداد، كانت السيارة كبيرة ً من طراز فالفو.

أخطأ عدد من الركاب في معرفة المقاعد المخصصة لهم، حاول آخرون الاستئثار بالمقاعد القريبة من الشبابيك. كان معاون السائق منهمكا ً في مسح زجاج السيارة الأمامي وجهه ساذج عيناه غبيتان شأنه شأن جميع أترابه. تبقت دقائق قليلة على موعد تحرك السيارة دون أن تنتهي المشكلة بين الركاب، وتطورت الأمور إلى مشادة كلامية بين أفندي مغرور وعسكري طائش، عندئذ قفز السائق إلى الباب بحركة بهلوانية رشيقة وأنهى الأزمة ببضع كلمات نابية قاسية إلى درجة الضحك.

في المقاعد الخلفية كانت تجلس ثلاثة نسوة محجبات، برفقتهن صبي وامرأة.

أدار السائق محرك السيارة. هدأت الضجة تماماً في الداخل، توقعنا أن تنطلق ( لونا ) في رحلتها الميمونة!

لكن السائق قفز فجأة، دون أن يعيرنا أي اهتمام على الإطلاق، سرت همهمة بين الركاب…

مقعدي في الصف الذي يلي السائق مباشرة. الشخص الذي يجلس إلى يساري شابا ً في مقتبل العمر. بدا لي غارقا ً- على نحو غريب- في قراءة بحث نظري في مجلة لبنانية، يصطحب معه مجموعة من مختلف المجلات العلمية والكتب النظرية والجرائد، كأنه في طريقه إلى الجامعة لا في رحلة مزعجة طويلة، لم يثر انتباهه نزاع الركاب، ولا نزول السائق من السيارة فجأة قبل الموعد المقرر لتحركنا، ولا الحر الشديد الخانق إلى درجة الغثيان. لقد أعجبتني كتبه وجرائده ومجلاته لأنها تلائم ذوقي وميولي الفكرية تماما ً، لكن أزعجني صمته المطبق، وانهماكه في القراءة إلى حد الذهول. حتى عندما تململ معظم الركاب في مقاعدهم ونظروا إلى مؤخرة السيارة رفعت إحدى النسوة حجابها بشكل داعر مسفرة عن جمال فاجر أثار هياج الركاب… حتى في تلك اللحظة لم يرفع صاحبي رأسه عن المجلة!.

كانت البلاد يوم ذاك تمر بأزمة حادة، فقدرت أن كتب صاحبي قد تجر عليه المتاعب في نقاط التفتيش.

زودوا السيارة بالثلج، صعد السائق إلى كرسي القيادة نفخ في بوق مزعج يصم الآذان، انطلقت السيارة تنهب شوارع المدينة. عندئذ فقط كفَّ صاحبي عن القراءة. استرقت إليه النظر، رأيت وجهه يبدو متعبا ً بشكل يثير العطف، عندما مرقت السيارة بالقرب من سجن المدينة اضطرب صاحبي في مقعده، امتقع لونه مما لفت انتباه شخص آخر له وجه ثعلب.

خارج المدينة، بعد أن اجتزنا معسكر الغزلاني، انكب صاحبي على القراءة من جديد.

في اللحظات التي تعقب الفراق، يميل الإنسان إلى الصمت، لذلك كان الصمت وحده يتكلم داخل السيارة الكبيرة. على أن صاحبي لم يعبأ بصمت الركاب، مثلما لم يعبأ سابقاً بلغطهم. بمودة طلب مني سيكارة ثم انكب على السطر وهو يشكرني بحرارة لا تتفق وقيمة سيكارة، مؤكدا ً أنه سيبتاع علبة في أول محطة للسيارات. طفر إلى ذهني خاطر مفاجئ: إنني إزاء شخص غريب الأطوار إنْ لمْ يكن مجنونا ً بحق. لقد قدمَ لي سيكارة قبل لحظات ثم أعاد العلبة إلى جيبه. أتراه نسي ذلك؟ كيف أستطيع أن أنبهه إلى ذلك دون أن اجرح شعوره؟. رحت اقلب هذه الأفكار في ذهني وأنا أصغي إلى صرير العجلات الضخمة على الشارع الإسفلتي الأنيق الذي يبدو لا نهاية له.

كانت الشمس تدخل السيارة عند المنعطفات، لتجنب أشعتها المحرقة أسدلنا الستائر الزرقاء على النوافذ..

توغلت السيارة كثيرا ً باتجاه الجنوب، اجتزنا محطتي تفتيش دون أن يتعرض احد لكتب صاحبي. بدأت طبيعة الأرض من حولنا تستحيل إلى سهول صحراوية منبسطة قاحلة. لم ينقطع جاري عن القراءة لحظة. وفشل الرجل الذي إلى اليمين في جري إلى الحديث كنت أنظر إلى قفا السائق الحليق وملابسه النظيفة عندما استفسر أحد الركاب بلهجة سورية:

ـ خيو ما في نهر هون قريب من هل صحراء؟!

أجابه آخر:

ـ نهر دجلة لا يبعد أكثر من كيلومترين!!

عبق جو السيارة برائحة الليمون. كان الصبي الذي يرافق النسوة يتلهى بامتصاص عصير ليمونة. اعترضتنا سيارة كمارك. امتقع لون صاحبي مرة أخرى، وراح الشخص الذي إلى اليمين يراقبه بخبث. طلب سيكارة أخرى، ثم ألقى المجلة بين رجليه فوق الجرائد، كأنما قد تعب من القراءة، نظر حواليه. امتعض من رؤية الرجل الذي إلى اليمين.

في المقاعد الخلفية أفلح أحد الشبان في كسب مودة المرأة ذات الجمال الصارخ.

فجأة قال الشاب الذي يجلس إلى يساري بخجل:

ـ أعذرني!

قلت له باستغراب:

ـ لماذا؟؟

قال بارتباك وقد تورد وجهه:

ـ أظن إني طلبت منك سيكارتين، وقد نسيت بأني احمل في جيبي علبة سيكاير!!

بعد لحظة صمت قال بأسف :

ـ أنا كثير النسيان.

حاول جارنا من جهة اليمين، الرجل الذي له هيئة ثعلب، أن يتدخل في الحديث، ألجمته بنظرة حادة غامضة ومضى الشاب يقول:

ـ في كل مرة أراجع الطبيب يقول لي سوف أشفى من هذه الحالة التي أعاني منها لكن حالتي تزداد سوءا ً.

سألته:

ـ منذ متى تعاني من هذا المرض؟

شرد ذهنه. سكت ولم يجبني. اختلجت عضلات وجهه المتعب، تصبب وجهه عرقا ً، وهمس أخيرا ً:

ـ هه؟ ماذا قلت؟

ـ قلت.. متى شعرت بأعراض هذا المرض؟

ـ منذ سنوات.

ثم ضحك بعصبية وهو يقول:

ـ أطباء الأمراض العصبية كلهم مجانين..! تصور؟ لقد نصحني الطبيب بعدم قراءة الكتب العلمية!

ـ لأنك متعب..

فالتفت نحوي قائلا ً بحدة:

ـ كلا..! كلا..! أنت واهم. لماذا يمنعني الطبيب من قراءة الكتب التي تعجبني؟ أليس لأنه يتعاون معهم؟؟

سألته بحذر:

ـ مع من؟!

ـ مع أولئك الذين سببوا لي هذا المرض..

كنا آنذاك نمر في خط يوازي هضبة حمرين حيث ينساب وراء الهضبة نهر دجلة في هدوء أبدي نحو الجنوب. إلى اليمين كانت تمتد حتى الأفق سهول صحراوية جرداء- طفر إلى ذهني سؤال الرجل السوري، تذكرت صرخة الجواهري:(دجلة الخير). لكن صاحبي انتزعني من خواطري وهو يقول بانفعال:

ـ الوحوش.!!

زمَّ شفتيه بانفعال على نحو غريب، ثم استدار نحوي، مضى يقول بحركة كأنه يحدث صديق:

ـ الوحوش. هم الذين سببوا لي هذا المرض، ظلوا يضربونني بدون رحمة فترة طويلة، كانوا يفعلون ذلك بسرور عجيب. لا أستطيع الآن أن اصف لك ما حدث أثناء تلك المحنة السوداء، كان شيئا ً رهيبا ً لا يصدقه العقل. ربما أنني لم أعان من العذاب أكثر مما عاناه كثيرون ممن ألقى بهم سوء الطالع في هاتيك الغياهب المظلمة، لكن ما عانيته كان يفوق احتمالي، حتى أنني تمنيت الموت لعلني ارتاح من عذابي. لقد كانوا في غاية الشراسة؟ علقوني في الهواء ثم انهالوا عليَّ ضربا ً حتى نهشوا لحمي وحطموا عظامي لماذا؟ اجل.. لماذا فعلوا ذلك؟ أليس لأنهم كانوا يريدون أن يحجبوا الحقيقة عنا؟! أمال وجهه نحوي، ظل يحملق في وجهي مصغيا ًبإذن واحدة بانتظار كلمة مني. عندئذ قلت له:

ـ جوهر الحقيقة لا يتغير وإن تغير مفهوم الناس عنها. ولم تتوقف الأجرام السماوية عن الدوران عندما كان يعتقد الناس أنها لا تدور.

ـ هذا هو رأي أيضا ً.

انكب يقرأ مرة أخرى. ورحت أتشاغل بالتطلع إلى الأرض الصحراوية المترامية الأطراف. بعد فترة قصيرة طلب مني أن أصرف وقتي بتصفح إحدى المجلات، اعتذرت له بأدب لأن القراءة في وسائط النقل لا تستهويني. سمعتُ احد الركاب يناقش السوري حول دور القوة الجوية في نكسة حزيران. في مؤخرة السيارة شرعت المرأة العجوز تتقيأ!..

ألقى المجلة بين رجليه وسألني بغتة:

ـ هل سبق لك وأن اعتقلت؟

أجبته باستغراب:

ـ كلا!

امتقع لونه. بدا ذاهلا ً مرة أخرى. كان جارنا في جهة اليمين يحدق في وجهه بوقاحة.. قلت له:

ـ ما بك؟؟

ـ هه؟!

أعدت عليه سؤالي فقال بحزن:

ـ ذهني يشرد إلى حد الشعور بالتلاشي، عندما أفيق أحس كأنني لم أكن موجودا ً.

ـ أنت مريض.. لماذا لا تراجع طبيبا ً؟

ـ اجل. اعرف إني مريض. ففي بعض الأحيان يصور لي خيالي الجامح أشياء غريبة بعيدة عن دنيا الواقع!.

عادت مظاهر الانخذال ترتسم على صفحة وجهه. تناول كتاباً شرع يقرأ. استأذنت منه في تصفح مواضيع إحدى المجلات.

أتاني صوته يستفسر باستنكار:

ـ وأنت.. أليس لك علاقة معهم؟

ظننت أنه يرتاب في أمري سألته باستغراب:

ـ مع من؟؟

فأجابني بشرود:

ـ لم أقل شيئا ً.

كان وجهه يبدو متعبا ً آنذاك أكثر من أي وقت مضى حتى خيل إلي أنه لا يفقه حرفا ً مما يقرأ. ألقى الكتاب بين قدميه ثم استدار نحوي قائلا ً:

ـ ذات يوم جميل، قبل أعوام قليلة، هدمنا جدارا ً قديما ً، لكننا لم نفكر كثيرا ًبطرح الأنقاض خارج المدينة، عاد آخرون بنوا ذلك الجدار مرة أخرى بنوه في غفلة منا!.

تحسر وهو يكرر قوله:

ـ نعم بنوه في غفلة منا!

أومأت له برأسي موافقا ً. أتراه يهذي أم انه يشير إلى فاجعة تاريخية معينة؟ لم أستطيع أن أحدس ما كان يدور في ذهنه المريض، شرع يضحك في وجهي بهستيريا وهو يقول:

ـ نعم! بنوه من جديد. هل تسمع؟! بنوه من جديد.. الآن يقصده سكارى المدينة- عندما تتقيأهم الحانات في الليل- ليناموا تحته بطمأنينة لكننا سوف نهدمه فوق رؤوسهم مرة أخرى..

واخلد إلى الصمت. اختلجت عضلات وجهه بعنف. زاغت عيناه بشكل رهيب ثم جمدت في محجريهما كقطعتي زجاج ثم ارتعد جسده كله مرات متوالية، تصبب العرق. عبثا ً حاولت أن اكلمه، كان يعاني من حالة ذهول مطلق. عندما استرد وعيه كنا قد اقتربنا من الفتحة.

قال بصوت واهن:

ـ يخيل لي أني سأرحل رحلة بعيدة!

ـ كلا.. أنت ما زلت في عز الشباب، من الأفضل أن تستمر على مراجعة الأطباء إلى أن يتم شفاؤك.

ـ الأطباء؟!.

ضحك ذات الضحكة الهستيرية، ثم مضى يقول:

ـ لا يهمني الموت مطلقاً بقدر ما يهمني تحقيق مشاريع كثيرة طالما فكرت فيها ليل نهار..

ـ أي مشاريع؟

ـ هوه؟ مشاريع غريبة بعيدة المنال. لكنّ اعتقد بان الآخرين سوف يعملون على تحقيقها حتى إذا متُّ.

تناول إحدى المجلات انكبّ يقرأ. كنا آنذاك قد وصلنا بيجي أخذنا نتأهب للاستراحة.

بعد يومين قرأت في الصحف خبرين: الأول شبه بلاغ مقتضب عن اعتقال شخص بتهمة سياسية، الثاني إعلان عن فقدان شاب مجنون. كانت الأوصاف تنطبق تماما ً على صاحبي الذي افتقدته في منتصف الطريق.