الرئيسية » الآداب » الطريق إلى الكرامة

الطريق إلى الكرامة

رأى أهل قرية “كفر عبده” شرذمة من الجنود الصهاينة يسوقون أمامهم (سيد مصطفى أبو خليل) عمدة القرية، وهم يضربونه بأعقاب البنادق و يرفسونه بأحذيتهم العسكرية الثقيلة، تطلع إليه معارفه الذين تجمعوا في أطراف القرية، وقالوا بأن الرجل قد انتهى. نظر هو أيضا ً نحوهم بأسى فرآهم مطوقين بعدد هائل من الجند، على مسافة غير بعيدة لمح بعضهم يضربون زوجته بقسوة ووحشية، أغمض عينيه، مضى في طريقه يترنح، الضربات تنهال عليه من كل جهة.. اصمَّ أذنيه دوي انفجار مرعب، التفت إلى الوراء، رأى سحابة من الدخان الأسود تتصاعد من وسط القرية، عندئذ أيقن أن المجرمين قد نسفوا منزله. طفرت من عينيه دمعة، تذكر في غمرة المأساة ابنه الصغير حسن: أليس من المحتمل أن يكون الآن جثة مسجاة في العراء، على رمال الصحراء الملتهبة، نهبا ً لجوارح الطير؟ لكن من الجائز أيضا ً أن يكون الآن حيا ً ما يزال يقاتل المحتلين بشجاعة ليثأر لكرامة وطنه المهدورة..! صور عديدة تتزاحم في ذهنه، الابن ..الزوجة.. المنزل المنسوف ..الضابط الإسرائيلي.. حوادث مؤسية من الماضي البعيد والقريب، كلها تتزاحم في ذهنه، كل شيء من حواليه يثير الرثاء، لكنه برغم كل ذلك يشعر براحة نفسية عجيبة، فقد ظل منذ زمن طويل ينتظر بلهفة حلول مثل هذا اليوم السعيد.

***

استسلم العمدة العجوز لضربات الجلادين، ومضى في طريقه ساهما ًوهبَّت في أعماقه ذكريات ربع قرن من الزمان:

” شذاذ الآفاق..!

يا شعب الله الضال. أرضنا الخضراء اجتذبتكم مثلما يجتذب الزرع اليانع أسراب الجراد. أما قصة الميعاد فإنها مجرد وهم لا تؤمنون به حتى انتم أنفسكم..! الأرض، وماذا يبقى لنا من مقومات الوجود لو انتزعتم الأرض منا؟؟ لا شيء.. وأنتم تعرفون ذلك جيدا ً.

من يفقد أرضه يفقد حريته، ومن يفقد حريته يفقد كرامته. الأرض؟! لقد بصقتم على كل القيم الإنسانية في سبيل انتزاعها منا.. قتلتم شبابنا، وشردتم شيوخنا وأطفالنا، وانتهكتم حرماتنا، ومن بقي منا متمسكا ًبأرضه، فقد أصبح غريبا ً في وطنه. لقد فرضتم عليه أن يعمل أجيراً في أرضه.. لكن الأرض ستعود لأصحابها، وكل ليل يعقبه نهار..”

***

.. ضربه جندي إسرائيلي بأخمص البندقية فشجَّ رأسه، ترنح الشيخ العجوز باسطا ًذراعيه إلى الأمام في محاولة يائسة ليقبض على شيء ما. غامت عيناه، بدا له- على نحو غامض- كل شيء مغلف بالضباب.. تناهى إلى أسماعه صوت احدهم يصرخ بغضب:

ـ أنت تهذي أيها العجوز المأفون.

أعقبه صراخ جندي آخر كأنه عواء ذئب:

ـ عن أي أرض كنت تتحدث أيها العجوز؟

تحسس العمدة جرحه بلا وعي، وتمتم:

ـ شالوم!

قهقه الجنود بوقاحة، وهم يدفعونه لكنه استطرد يقول:

ـ شالوم قال لي: أيها العجوز، تلعب لعبة قذرة. فأجبته بأن الشيوخ لا يلعبون!

قال جندي نحيف أشقر:

ـ إنه يهذي.

أخلد العمدة( سيد مصطفى أبو خليل) إلى الصمت. كانت جراحه تؤلمه كثيرا ً، عادت الذكريات تتلاحق في ذهنه:

***



“الضياع..!

منذ ربع قرن وثالوث الجريمة، الإقطاع والرجعية والاستعمار، يخطط لإضاعة شعبه بأجمعه. لكن الشعب أقوى من أن يقهر.. غدا ًستشرق الشمس وتدحر فلول الظلام إلى الأبد. جنكيزخان.. نيرون.. هتلر.. أسماء كان يرددها الشبان على مسمعه ارتبطت في ذهنه بأسماء أخرى: وايزمان.. دايان ..مائير. الشبان تفرقوا الآن في أطراف الأرض من اجل القضية. منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. ابنه عادل اغتاله الجلادون في سجن الخليل. جليل يكافح الآن مع الفدائيين . حسن الصغير تركه قبل ساعات على أرض المعركة.. أخوه خالد رحل مع عائلته إلى العراق. يونس ..فاطمة ..سعد ..احمد ..مها .. لؤي، أين هم الآن ؟ إنه لم يعد يعرف عنهم شيئا ً مطلقا ً.. آلاف آخرون يعيشون الآن في الخيام، غيرهم احترقوا بقنابل النابالم. أو استشهدوا تحت الأنقاض أو بين زناجير الدبابات. يخيل إليه أن كل هؤلاء شخص واحد.

كانوا آنذاك قد ابتعدوا وإياه عن قرية” كفر عبده” امتلأ الجو بأزيز تشكيلة من طائرات العدو. ثم اهتزت الأرض بأصوات إنفجارات متلاحقة آتية من جهة الشرق.. لكزهُ جندي طويل وهو يقول ساخراً:

ـ قل لنا أيها العجوز: ما الذي يأمله العرب بعد حرب حزيران؟

أطرق العمدة قليلاً، ثم تمعن في يديه المخضبتين بالدم. حملق باحتقار في وجوه الجنود الإسرائيليين وبصق على الأرض، بصق دما ً.. كان ذلك جوابه على سؤال الوغد الإسرائيلي الجبان:

ثم غرق مرة أخرى في أحلامه:

النكسة..!

هؤلاء الجنود يتحدثون بشماتة عن نكسة حزيران. آخ .. ستبقى ذكراها جرحاً غائرا ًفي صدره. إنه يتذكر الآن بوضوح كيف ظل خمسة أيام ملتصقا ًبالراديو يصغي إليه بشغاف قلبه.. كان أن تحولت آماله إلى رماد، هكذا خيل إليه في ساعة القنوط. ثم طوى همومه في صدره، بقي ذاهلا ً عن نفسه فترة من الزمن، لا يكاد يكلم أحدا ً.. كان يخرج إلى الحقول برفقة ابنه الصغير ليطلق لهمومه العنان، كره نفسه، كره الكوخ، كره الناس، كره كل شيء. قالوا عنه ربما يكون قد فقد عقله. شرع يهذي، بدأت السلطات الإسرائيلية تضيق الخناق عليه، اتهموه بالتعاون مع الفدائيين. عاد يتهجم على العرب ويمتدح إسرائيل، احتار الناس في أمره: أتراه يموه العدو أم انه جاد في تصرفاته؟!. ذات يوم التقى به جاره ناحوم- يهودي معدم من نيبال- قال له مازحا ً: ” ما بك يا أبا خليل؟ إن اليهودي الغني لا يفهم لغة اليهودي الفقير، كيف تريده أن يفهم لغة فقراء العرب؟”. فكر كثيرا ً في كلام جاره، أيقن أن المظلومين في العالم يتفاهمون فيما بينهم بلغة في حين يتفاهم الظالمون مع بعضهم بلغة أخرى، ولا سبيل لأن يتفاهم الطرفان إلا بلغة أخرى هي لغة الرصاص..! لكن برغم اقتناعه بهذه الحكمة فإنه ظلّ على اتصال بالعدو..”.

***



لحق بهم رتل عسكري، استقل الجنود إحدى الشاحنات، تكوم العمدة على نفسه في وسط السيارة وهو في اشد حالات الإعياء. كانت جراحه تؤلمه، رغم اهتزاز السيارة في الطريق الترابي الوعر:

تذكر ابنه الصغير مرة أخرى:

***

” الفدائيون..!

أخيرا ًانطلق المارد الجبار من القمقم الذي ظل في داخله، بدا الناس يتكلمون مع ثالوث الجريمة بلغة الرصاص. ها هو الشعب ينفض عن كاهله غبار الماضي المحزن. الرصاص ينهمر من كل جهة على الدخلاء المغتصبين وراودته آمال عظيمة. سيحين حتما ً ذلك اليوم الذي يمحي فيه الفدائيون عار الهزيمة. تمنى من أعماق قلبه أن ينضم إلى صفوف هؤلاء الأبطال، لكن العدو كان يعرف أنه بدا يسير في اتجاه مضاد للفدائيين، قرر أن يستمر حتى النهاية، برغم أن ابنه جليل فدائي، لقد أصبح شيخا ً طاعنا ً في السن، هدمته أعوام قاسية في ظل الاستبداد، العدو يقظ، لا يتورع عن البطش مطلقا ً. الحذر! ليس من الحكمة أن يضحي بحياته سدى. ليقل الناس عنه ما يشاءون. جاسوس؟ لا يهم..! باع دينه ووطنه لقاء درهم؟ لا يهم..! يلعب على حبلين: أبنه مع الفدائيين وهو يتعامل مع العدو؟ لا يهم..! الناس يعرضون عنه ويسمعونه كلاما ً جارحا ً؟ لا يهم..! سيارة ضابط الاستخبارات الإسرائيلي شالوم تقف كل يوم بباب كوخه؟ لا يهم..! يقبض ثمن الخيانة.. لا يهم..! إنه يقبض فعلا ًمبالغ طائلة من الإسرائيليين لقاء خدمات بسيطة جدا ً يقدمها لهم في بعض الأحيان.. يتذكر الآن في وضوح كيف جاءه أهل القرية قبل يومين فقط محاولين أن يثنوه عن المضي في طريق الخيانة، لكنه رفض طردهم شر طردة، قالوا عنه أنه قد جن حتما ً، يتذكر أيضا ً كيف جاءه الضابط الإسرائيلي شالوم بعد ذلك أي قبل يوم واحد فقط، واخبره أن الحكومة جد قلقة بسبب أعمال (المخربين) واعتداءاتهم المتكررة على السكان الآمنين، ويتذكر كيف ناوشه الضابط رزمة من الأوراق النقدية وهو يقول باستهانة بأنه يفيدهم كدليل في دك معاقل (المخربين) في الكرامة. لكنه رفض في بادئ الأمر. ثم وافق بعد أن ناوشه الضابط رزمة أخرى، ويتذكر كيف انصرف الضابط بعد أن زوده بتفاصيل أولية عن العملية العسكرية المرتقبة. تمَّ الاتفاق على أن تكون ساعة التحرك في منتصف الليل، ثم توالت الأحداث سريعة متلاحقة بعد ذلك. تذكر ابنه الصغير حسن حمل رسالة صغيرة إلى الفدائيين، مشى وحده إلى الكرامة غير آبه بالظلام والعدو والوحوش.. ثم جاءت سيارة عسكرية حملته في الموعد المحدد، تقدمت قافلة عسكرية كبيرة باتجاه الكرامة. كان الفجر يزحف كان يبدو في غاية الانشراح وهو يجلس بجانب الضابط الإسرائيلي شالوم. أشرقت الشمس فراح الضابط يرقب بقلق ظاهر جانبي الطريق، كانت ثمة تحصينات قد أقيمت في الليل. فجأة أصدر الضابط أمره بالتوقف والتأهب للقتال، ظل كل شيء هادئا ً ساكنا ً لكنه ينذر بانفجار مرتقب.. ثم لاح على ربوة إلى يسار الطريق شبح صبي صغير، تمعن الضابط في الصبي ثم شهر مسدسه وزعق بغضب:

ـ ابنك حسن؟!

أجابه ببرود:

ـ نعم.

ـ ماذا يفعل هناك؟

ـ جاء يخبر الفدائيين بقدومكم.

ـ أنت أيها العجوز، كنت إذن تلعب معنا لعبة قذرة!

ـ إنّ الشيوخ لا يلعبون.

هذا ما قاله للضابط. انتصب متشامخا ًمرفوع الرأس، وقد علت وجهه ابتسامة. نظر باحتقار في وجه الضابط الإسرائيلي. ثم سحب من بين طيات ملابسه رزماً من الأوراق النقدية ـ هي كل ما قبضه من العدوـ قذف بها في الهواء عاليا ً، فتطايرت. وكانت تلك هي الإشارة لمعركة الكرامة.

وانهمر الرصاص من كل جهة. واعتقلوه فقال لهم:

ـ هناك لغة واحدة يمكن أن نتفاهم بها معكم هي لغة الرصاص!!

جمعة كنجي

سنجار3/6/1970