الرئيسية » الآداب » الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة

قيل له أن كل شيء يباع في (باب الطوب) بأسعار زهيدة مغرية. لذلك توجه إلى هناك- في أول سفرة له إلى الموصل- كي يشتري بعض الحاجيات لعائلته.. لفت انتباهه دُكان فاكهة، قرر أن يشتري قليلا ً من التفاح لأطفاله. تقدم من البائع استفسر بلغة عربية ركيكة:

ـ بكم تبيع كيلو التفاح؟

حدجه البائع بنظرة متفحصة قبل أن يجيب:

ـ ربع دينار.

ـ درهمان.

ـ أربعة دراهم.

ـ لكنهم يبيعون الكيلو بأقل من مائة فلس.

برقت عينا البائع، وزعق:

ـ كل واحد يبيع حسب رغبته!

ـ ألا تبيع بدرهمين؟؟

انفجر البائع يصرخ، والرذاذ يتطاير من بين أسنانه الصدئة:

ـ أنا حر. أبيع كما يحلو لي.

ـ لِمَ لا تبيع كسائر الناس؟

صرخ البائع ثانية بنفاذ صبر:

ـ أغرب عن وجهي!

قال الفلاح ببرود محاولا ً تهدئته:

ـ لا تغضب ماذا قلت لك؟

تزايد غضب البائع وهو يصرخ:

ـ فلاح يزيدي نجس!

أجابه الفلاح وقد امتقع وجهه:

ـ ليس هناك مبرر للغضب.

عندئذ ارتفعت يد البائع في الهواء، وهوت بعنف على وجه الفلاح في صفعة قوية. تطلعت العيون من الحوانيت المجاورة إلى مصدر الجلبة، إلا ّ أن الفلاح مضى في طريقه متعثرا ً يسحقه الذل والهوان. تناهى إليه صوت البائع يسب في حنق:

ـ فلاح تعِس. اللعنة على إبليس!

التفت إليه الفلاح بوجه جامد ممتقع وكيانه يرتعد من الغضب والخوف والشعور بالخزي.. ثارت في أعماقه النعرة الأصلية، نعرة الإنسان البدائي عندما تُهان مقدساته، وصاح بالبائع بصوت متهدج:

ـ أنت كلب سافل. أنت نذل.

استشاط البائع غضبا ً حتى كاد يفقد صوابه، فقذفه بفردة حذاء وعلبة كارتون فارغة. غادر دكانه ليلحق به، عندئذ اعترض طريقه بقال آخر سمين كالدب وهو يقهقه من الأعماق كأنه يشاهد مسرحية هزلية. انتابته نوبة سعال فاحتقن وجهه، امسك بكتف زميله، لوّح باليد الأخرى نحو الفلاح باستهانة، واستفسر بصوت متقطع:

ـ ما القضية يا أحمد؟

أجاب الآخر ببرود مصطنع:

ـ الوغد يشتم…

ـ يشتم ماذا؟؟

ـ الدين..

ـ الدين؟!

ـ اضطرمي يا نيران جهنم..

تلفت الفلاح حواليه مرتبكا ً. الذعر يهزه هزا ً كأنه حيوان مطارد سدت في وجهه جميع المنافذ. صاح بأعلى صوته:

ـ أنا لم اشتم.

نظر حواليه مرة أخرى باضطراب شديد.. الخنزير ما يزال يقترب منه. سيمزق لحمه. عشرات الأعين تحدق فيه بغضب. الأيدي ترتفع في الهواء منذرة متوعدة حتى المارة وقفوا يتفحصونه متعجبين. ضاعت صيحته. ضاع كل شيء.. الخنزير سيمزق لحمه. تمتم مع نفسه: ليس من سبيل إلى الهرب.

حاول عبثا ً أن يصد الضربات التي شرع يكيلها له البائع بقسوة ووحشية. تطلع إلى أصحاب الحوانيت المحيطة به مستنجدا ً مستغيثا ً، لكنهم جميعا ًينظرون إليه بازدراء وشماتة. ذئاب بشرية. أيفرحكم منظر الدماء؟ يا للعجب! إذن، لا تنسوا أن الإنسان خير له أن يموت شجاعا ً من أن يموت جبانا ًطالما سيموت.. استمد من يأسه شجاعة. أخذ يصرخ في وجوههم:

ـ لا تضربوني! أيها الأنذال، أيها الجبناء. إني لم أشتم.

دفعه رجل نحيف له هيأة ثعلب وهو يقول بقحة:

ـ مت كما يموت الكلب!!

انفجر البركان. انهالت عليه اللعنات من كل جانب. اتته الضربات من جميع الجهات. قشر رقي ينطلق نحوه في الهواء كالصاروخ. فردة حذاء أخرى. كيلو حديد. علب كارتون. طماطم وفواكه مختلفة. هذا عقابك. خذ. خذ. . السماء تمطره بأغرب مطر صادفه في حياته. حاول أن يتجنب كل شيء بخفة ومهارة، لكن الذئاب بدأت تحيط به من كل جانب غامت عيناه، ترنح، لكنه تمالك نفسه، نظر إلى نهاية الحلقة البشرية المحيطة به صرخ رجل مجنون وهو يشق طريقه وسط الزحام:

ـ أضربوه

تعالت أصوات أخرى:

ـ الموت للكافرين؟

ـ لا تدعوه يفلت.

ـ المجرم!

ـ ابن العاهرة.

ـ غريب صلف يعتدي علينا بين ظهرانينا.

ـ وما ظلمناهم.

ـ أفسحوا لي الطريق لأؤدبه.

ـ أين هو؟

ارتفع صوت شاب يقول في حزم:

ـ ليس من العدل أن تعاملوه هذه المعاملة الوحشية…

لكن سرعان ما ضاع صوت الشاب في خضم الضجة المجنونة.. سحبه حمال اعور من يده إلى وسط الدوامة وهو يعوي:

ـ التاجر يقول أنه شتم الدين. التاجر لا يكذب.. أتراك تدافع عن الباطل؟ في كثير من الغموض تناهى إلى أسماع الفلاح صوت الشاب وهو يقول:

ـ تاجرك يا هذا ضيق العقل، ووجوده قائم على الكذب والغش والخديعة. هو على استعداد لأن يقتل إنسانا ً في سبيل فلس واحد.

وعلا صراخ. إنهم لا بدّ يضربون الشاب أيضا ً بدون رحمة. في وضوح تام رأى الفلاح حلقة بشرية ثانية تتكون على مقربة منه.. ربما أنهم يطوقون الشاب. وبدأت تتكون حلقات فرعية. الدوامة البشرية تكبر وتكبر. من الشوارع الفرعية أخذت تصب في أطراف الدوامة جداول آدمية يدفعها الفضول من كل مكان: من سوق العطارين وباب السراي والجسر القديم وسوق اللحم ومحلة الجوبة. كبرت الدوامة إلى أقصى حد وازدادت سعة وجنونا ً حتى ملأت ساحة ( باب الطوب) بأجمعها.

وصل رجل كهل قصير القامة، وقف في طرف الحشد. ثم سأل رجلا ً آخر بقلق وهو يقف على أصابع قدميه:

ـ ماذا يجري؟ مظاهرة؟

أجابه الآخر باقتضاب:

ـ عراك.

تدافع الناس في موجة قوية صاخبة أبعدت الفلاح عن بائع الفاكهة والآخرين الذين يضربونه.

ثم ضاع الفلاح بين الجماهير.

في وسط الدوامة صاح رجل مسن في مقدمة فمه سن وحيدة- فقد السيطرة على أعصابه- صاح برجل آخر يلتصق به:

ـ لا تدفعني.

ـ اخرس! من الذي يدفعك؟

تلاطم الرجلان.. صرخ آخر بذعر:

ـ محفظتي! محفظتي!

الحشد يتضخم. الضجة ترتفع حتى عنان السماء. لم يعد في إمكان احد أن يفلت من الدوامة إلا ّ بشق النفس.

سقطت عجوز تحت الأقدام، راحت تعوي عواء رهيبا ً متواصلا ً حتى انتشلها شاب قوي البنية.

كان الفلاح يشق طريقه بعناء نحو نهاية الدوامة.

( الحاجة فطومة) بائعة الدولما شرعت تتفرس وجوه الناس بعد أن داست الأقدام قدرها وطوحت به إلى ركن قصي من الساحة. فقد احد الأفندية فردة حذائه. ظل حمال سمين يسب الحشود البشرية. انقلبت عربة لحم تحت ضغط موجة بشرية، سحقتها الأقدام مثلما تسحق علبة كبريت، فقد القصاب صوابه راح يكيل الضربات لمن حوله. وكال له الناس ضربات مماثلة.

اندفع عدد من اللصوص والانتهازيين إلى احد الحوانيت فنهبوه. اقفل معظم التجار حوانيتهم.

بلغ الفلاح نهاية الطوق. سأله احدهم:

ـ ماذا هناك؟

أجابه الفلاح متلعثما ً:

ـ لاشيء.

قهقه الرجل ، ثم التفت إلى جهة أخرى سأل صبيا ً :

ـ ماذا هناك؟

أجابه الصبي:

ـ لا ادري!

***

بلغ الفلاح نهاية الطوق. اتجه نحو الشارع العام، اعترضت طريقه مفرزة شرطة مسلحة بالهراوات الغليظة. أوقفه شرطي مستفسراً وهو يداعب هراوته المصقولة:

ـ أنت قادم من باب الطوب. ماذا هناك؟

أجابه الفلاح على الفور:

ـ لا ادري.

ومضى في طريقه لا يلوي على شيء.

جمعة كنجي

سنجار15/11/ 1969