الرئيسية » الآداب » الثلوج قصة قصيرة

الثلوج قصة قصيرة

قبيل الفجر انطلق ميرزا متوجها ً نحو الجبل. وبعدما غادر القرية، اتضح له بأن الوقت ما زال مبكرا ً.

امتطى حماره الضامر، وشرع يوجههُ عِبرَ الوادي العميق الممتد من القريةِ إلى الجبلِ، خاطب نفسه قائلا ً: “عندما تشرق الشمس سأكون قد بلغت قمة الجبل”. أحسَّ بالرهبةِ وسط الظلمة الكثيفة، الظلمة التي تغلّف الكائنات من حواليه بلون رمادي وهو يواصل السير معتمدا ً على خبرة الحمار الفطرية.

وعندما لاحت له في الأفق الشرقي هالة فضية رقيقة، أدرك أن الفجر يقترب.

كان جسده يرتعد في مهب رياح شتوية قاسية. دمعت عيناه من شدة البرد، لكنه واصل سيره وهو يفكر: ” حسناً فعلتُ بخروجي من البيت مبكرا ً، سأعود بحمل الحطب إلى البيت في وقت مبكر أيضا ً”.

ظلّ يصغي إلى وقع حوافر الحمار على الأرض الصخرية القاسية، وقال لنفسه: ” البرد فظيع” وأسرع في مشيه آملا ً أنْ يسري الدفء في جسده. في وسط الوادي لاحت له أشجار الصفصاف غارقة في الظلمة كأشباح أسطورية.

امتلأت خياشيمه بعبير الأوراق المبتلة. أحسَّ بالنشوة وهو يصغي إلى خرير المياه المتدفقة بين الصخور.

توقف الحمار ليبول في وسط جدول. نخسهُ بحنق ٍ، عندئذٍ اندفع الحمار مسرعا ً في سيرهِ.

فوق قمم الجبال البعيدة، كانت الهالة الفضية قد بدأت تكبر. الفجر يزحف، ها هي الطيور تغني بجذل مؤذنة بحلول نهار جديد..

توقف الحمار ليلتهم قبضة من الكلأ ، ضربه ميرزا على مؤخرته حاثا ً إياه على المضي: “جج..جج” وحين تلكأ الحمار، امتطى ميرزا ظهره بقفزة واحدة.

مع شروق الشمس بلغ قمة الجبل. قرفص مستندا ً بظهره إلى جذع شجرة بلوط في مواجهة الشمس البكر.

انتابته قشعريرة مفاجئة، انتفض لها جسمه، فرك يديه بقوة وهو يخاطب نفسه: ” سأتجمد من البردِ إنْ لمْ أباشر بالعمل”. وحين ألقى نظرة على رقعة السهول الممتدة نحو الجنوب، لاحت له عشرات القرى المبعثرة عليها بغير انتظام.. وفي قريته الرابضة تحت الجبل مباشرة، كانت أعمدة الدخان تتصاعد من المدافئ في جميع البيوت، قال لنفسه “الشتاء على الأبواب . قد تسقط ثلوج كثيرة، والعاقل من يستغل الفرصة ليخزن اكبر كمية من الحطب”.

توغل في أعماق الغابة، والفأس في يده، ثم قال: “هذا مكان ملائم لقطع الخشب” رددت الوديان صدى ضرباته:

ـ طاق.. طق..طاق.. طق..

استمر يقطع الخشب بسرعة فائقة، رغم البرد القارص، تصبب جسده عرقا ً..

التقط أنفاسه.. وفي حبور استنشق رائحة الغابة المحببة إلى نفسه، الرائحة التي هي مزيج من عفن الأوراق الخريفية الذابلة وأريج التربة الجبلية المبتلة، بدت له الغابة موحشة، كئيبة، ساكنة في ذلك الفصل من السنة: الأشجار تنتصب في خشوع عارية من الأوراق، والثمار البرية تختفي تحت الأوراق المتكدسة على الأرض. هذا هو موسم الرقاد في الغابة؟

عاد يعمل من جديد وهو يفكر:” لا بدَّ من الحصول على البلوط أو الزعرور من اجل الصغار”.

عندما جلس يتناول طعامه، شرع يتلهى بالنظر إلى السلاسل الجبلية المتعاقبة الممتدة حتى الأناضول. كانت آكامها مكللة بالثلوج، انتبه إلى أن قطعات من الغيوم البيضاء تتراكض في عرض السماء مسرعة.. قال يحدث نفسه ” يجب أن انهي عملي بسرعة”… عندما عاود العمل مرة أخرى، كانت السماء قد تلبدت بالغيوم فقرر أن يرزم الحطب.

صفع وجهه رذاذ بارد:” لقد بدأت تمطر.. عليَّ أن أعود بسرعة إلى القرية”.

انهمك في رزم الأخشاب المقطوعة فوق ظهر الحمار. رذاذ المطر يزداد ابتلت ملابسه. شعر ببرودة جليدية تسري في عظامه. احمرت أنامله حتى كاد الدم يطفر منها. شعر بالجزع:” وحيد في هذا المكان الموحش.. لكن لا يا ميرزا. أنت ابن الجبل، ويجب ألا ّ تخيفك قسوة الطبيعة.. أنت رجل!”.

أظلمت الدنيا. نتف من الثلج تتراقص الآن هائمة فوق رؤوس الأشجار باضطراب شديد.

تهيأ ميرزا للعودة وهو يقول: “الثلج جاء قبل الأوان.. سيذوب ولن يقاوم”.

امتلأ الجو بعدد هائل لا حصر له من نتف الثلج.. كما توقع، إن نتف الثلج كانت تذوب بمجرد وصولها إلى الأرض.. حين بلغ القمة تزايد تساقط الثلج بشكل غريب. إنه الآن يقاوم. الكلأ يكتسي بلون أبيض. شعر بقلق بالغ: “الذئاب تهاجم الإنسان في مثل هذه الحالة..!”. أطبق على الفأس بقوة. حتى الذئاب لن تقهره… الثلج يزداد. مجال الرؤية يضيق من حواليه. ليكن.. لن يضل الطريق. سيهتدي بالأشجار الضخمة، بالصخور، بشكل الأرض.. يعرف المكان جيدا ًوسيصل القرية بسلام.

الجو يكفهر. والرياح تعوي في أرجاء الجبل. الثلوج تتراكم بسرعة مذهلة.

توقف لحظة لينفض الثلوج المتراكمة على ملابسه. قدماه تغوصان في الثلج تتجمدان.

قال لنفسه:

ـ يجب أن استمر. التوقف يعني الموت. سأتجمد من البرد إذا توقفتُ.

العاصفة تزداد غضبا ً. الحمار يترنحُ تحت حمله الثقيل: “ميرزا! إذا سقط الحمار، ستبدأ مشكلتك الحقيقية!” . الرياح تعربد، والرياح تلقي بحملها الثقيل من الثلج في عرض الطريق:”عليك أن تعين الحمار في المنعطفات.. ينبغي أن توصله سالما ً.. ماذا؟ أترضى أن يسخر منك رجال القرية؟.. أترضى أن يقولوا عاد بدون حماره؟! لا … مستحيل . هم يعرفون جيدا ً أي رجل هو ميرزا!”.

زلقت رجل الحمار، ترنحَ باتجاه هاوية سحيقة، لكنه استعاد توازنه ومضى في طريقه..

قال ميرزا لنفسه: “من كان يظن بان الثلوج ستتساقط بهذه الغزارة؟. الثلج يعيقني.. قد أتأخر، لا شك أنهم سيقلقون عليَّ كثيرا ً.آه.. لوْ لمْ أجيء إلى الجبل، لكن لا فائدة من الندم يجب ألاّ أتوقف، وإلا ّ فإنني سأتجمد” . نخس ميرزا الحمار حاثا ً إياه على السير.

في أحد المنعطفات، كبا الحمار، أعانه ميرزا وهو يقول: ” هو أيضا ً يرتعد مثلي من البرد والتعب”.

واصل سيره، فجأة في أحد المنعطفات الحادة زلقت رجل الحمار مرة أخرى.. امسك ميرزا بحمل الحطب، لكن الحمار انهار تماما ً.. ترنحَ لحظة، ثم هوى باتجاه الوادي العميق. ظلّ ميرزا متشبثا ً وهو يتدحرج بجانب الحمار نحو الهاوية. ندت عن الحيوان المسكين نهقة قصيرة متوجعة. ارتطم ميرزا بصخرة. شعر كأن بريقاً احمر يقدح في عينيه، نهض بسرعة ألقى نظرة سريعة نحو الهاوية. كاد أن يفقد صوابه:” الحمار يتدحرج الآن بسرعة نحو الأعماق. لا يعرف كيف أفلت من يده؟!”.

علت وجهه صفرة مريعة، أحس بدفء مفاجئ يسري في قدمه. فهمس لنفسه:” لقد جُرحتُ”.

تناهت إلى أسماعه نهقة أخرى: آه.. الحيوان المسكين يستغيث من شدة الألم!..

استقر الحمار في بطن الوادي. اندفع ميرزا غير آبه. يا للمصيبة!..

الحمار في النزع الأخير. قوائمه تختلجُ بوهن، رأسه مطروح على الأرض باستسلام، أسنانه تنطبق في تكشيرة مرعبة تنذر بحلول الموت. ها هو يتحشرج.. يرفس رفسة أخيرة، ثم يرقد بلا حراك. نظر ميرزا إلى الثلج المختلط بالدم والروث، قال متحسرا ً: لقد مات الحمار، ذهبت جهودك سدى يا ميرزا..!

تحسَسَ موضع الجرح في قدمه. فرك يديه بعنف وقوة، وقال:

ـ يجب أن أحرر الحمار من حمله.

عندما بدأ بتحرير الحمار من حمل الحطب، قدحت في ذهنه على الفور فكرة غريبة..

من خلال الضباب الذي بدأ ينقشع، نظر بعيدا ً باتجاه قريته. تنهد: لمَ لا يحمل الحطب على ظهره إلى البيت؟؟. لوْ عادَ إلى القرية خائبا ً، بلا حمار، بلا حطب، سيهزئون به.. ميرزا ذهب إلى الجبل وعاد بدون حمار! لا..لا… يا هؤلاء، لن اسمح لأحد منكم بالتطاول عليّ أبداً..!

بصق باستياء: (تفو!).

ألقى نظرة وداع على حماره العزيز، ثم قعد مستندا ً بعجيزته على الأرض.

رفع وجهه نحو السماء، قال بصوت ٍ عالٍ:

ـ يا الله.

هتف مستنجدا ً بربه كمن يريد أن يشحذ عزيمته.

استند على الأرض بإحدى يديه، راحَ يسحب حمل الحطب فوق ظهره باليد الأخرى، حين حاول النهوض كاد أن يقصم ظهره تحت حمله الثقيل. أخيرا ً نهض. شرع يصعد السفح وجسمه يتصبب عرقاً . حين رجع إلى الطريق، ألقى نظرة أخيرة على جثة الحمار الراقدة في أعماق الوادي، تطلع بعيدا ً نحو القرية، حمد ربه لأن الثلوج توقفت عن التساقط. سار بضع خطوات مترنحا ً في مهب الرياح الشتوية القاسية، جائع.. منهك.. قدمه تؤلمه: لمَ لا يتخلص من حمل الحطب؟. إذا زلت قدمه، إذا سقط، فلن يكون مصيره بأفضل من مصير الحمار”. توقف لحظة يفكر في المسألة. القرية ما تزال بعيدة، وعبر المسافة الممتدة ما بين الجبل والقرية. لم ير شيئا ً سوى رقعة واسعة من الثلج. لم يلق حمله.. مضى في طريقه، يسير مترنحا ً، مقوس الظهر، وقدماه تغوصان في الثلج.

في صباح اليوم التالي رأى الناس فوق رقعة الثلج خطا ً طويلا ً متعرجا ً يمتد من القرية إلى الجبل.