الرئيسية » مقالات » محاولة للتماس مع وقت الشاعرمحمد البغدادي

محاولة للتماس مع وقت الشاعرمحمد البغدادي

لايدعي احد منا انه قادر على سبر كل ما ينشر من صنوف الادب ! بل ولا حتى صنف واحد ! فالمواهب تولد وتتوالد والناس نهمون للجمال الابداعي اكثر من اي عصر مرت به البشرية ! وجاء الحدث العظيم بكل ابهته ! جاء معجز الانترنت ليفصل لنا الاختيارات ويبوب الطلبات والمحظوظ فينا من استوعب عشر ما ينشر على صفحات الانترنت ! محمد البغدادي صوت جاءني من اليوتوب دون صورة وقبل ان اوافق على المجيء او لا اوافق وجدتني محموما بسماع نص شعري كان بامكانه ان يكون علامة مميزة على جادات الشعر الاربع ! شكل النص كلاسي تقليدي يترنح تحت ضربات متفاعلن متخذا حرف الغنة مزلاجا لقافيته المكسورة عن طواعية ! وينسق النص ادواته داخل البيت الواحد موكدا وحدة البيت او وحدة المعنى في البيت الواحد كدأب الشعراء الكلاسيين ! اما اذا سالتني عن المعنى المحدد بموضوع متجدد فلسوف احتاج الى وقت كثير وجهد كبير وخرائط ومشجرات لكي اوصل لك قراءتي للمعنى ! وحتى لايدفعني السياق الى مجراه فانني احترز واقول ان نص الوقت حقق فوزا كبيرا حين شق نهرا من المعنى داخل المعنى ! ثمة دائما تعويذة ميتافيزقية وتعويذة فيزيقية ! واذا ساعدنا الجاحظ ت 255 هـ كي نتخلص من وهم الالهام الشعري والشياطين والعرائس حين نص في كتابه الخالد – الحيوان – ( الشعر صناعة وضرب من الصياغة وجنس من التصوير . ) نحن اذن نتحدث عن التعويذة الفيزيقية التي يحتاجها المغني لكي يتجوهر صوته والسياسي حتى يتبلور خطابه والتشكيلي كي تنفتح فرشاته على الالوان وتداعي الايقاعات ! تعويذة الشاعر قد تكون كلمة او عبارة وهذه التعويذة قد ترفع النص الى عليين او تهبط به الى سافلين !

ملحمة جلجامش بدأت بتعويذة ( هو الذي رأى ) والحارث بن عباد بدأ بتعويذة ( قربا مربط النعامة مني ) ولعل الشعر الحديث ورث هذا المنجز عن جدارة حين طوره وسكب روح العصر فيه قارن مثلا سياسة الشعر لادونيس ! تعويذة محمد البغدادي ( الوقت لايكفي ) وإذا كان الوقت لايكفي حقا فكان لزاما عليه ان يختزل محنته مع الوقت بابيات قليلة وينصرف الى مشاغله الأخرى ! ولكن هذه التعويذة الحاذقة تعويذة توليدية خلَّقت عشرات الصور الفنية المزيجة من الحسي والمجرد ! ومنتج النص – محمد البغدادي – ادرك ان كنزه الذي اكتشفه ثمين جدا فلم يشأ ان يطل عليه ثم يقفل عليه الباب ! تشكيلات وتهويمات وحيوات وشخوص تتقاتل وعواصف وغزل متلف ! كل هذه المخلوقات الشعرية ثمرتها ( الوقت لايكفي ) ومع انني انجزت في الزمن كتابين مشهورين سوى البحوث الاكاديمية الا انني وجدت في صياغة النص البغدادي للوقت ما يغري بالقول انه شكل زمنا من رميم وبث فيه الحياة ! الوقت حياة موت عشق مقت حرية عبودية ! الوقت فلسفي نفسي ادبي فلكي ! هذا التخليق احوج النص الى ان يؤنسن الوقت من خلال ميكانزم ملتمسا الى ذلك عمليتين صوفنيتين الاولى Personificationالتجسيد

نقل الزمن من صورته المجردة الى صورة حسية طارئة عليه !! والثانية نقل الزمن من صورته الحسية غير العاقلة الى صورة حسية عاقلة طارئة ! وهو جهد يقع في المنطقة الواصلة بين المتخيل والواقعي !! ولم يكن تصريع البيت الافتتاحي مقحما لدواع نغمية بل ان التصريع كان ضرورة فنية لعقد مقارنة بين رهان الشاعر وخيط الدخان !! واذا اطمأن النص الى موسيقاه الخارجية ( التفعيلات والقافية ) واطمأن الى موضوعه واقتنص معنى المعنى من خلال تردد ( اسم + اداة نفي + فعل مضارع ) وهو ما تواضعنا على انه تعويذة فيزيقية ! التفت النص الى قدرات نغمية شاسعة اكتنزت بها الحروف وهو ما يسمى الموسيقا الداخلية فحرك مكنات الجناس والسجع وتردد الحروف في بانوراما ايقاعية جديرة بمثل هذا النص الفذ ! قارن
لأشرحَ أو لأجــرحَ أو لأفتحَ !! ثم قارن لأرسمَ أو لأحلــمَ أو لأفهم ! اين الاقحام ؟ ليس ثمة اقحام بل هي قواف داخلية قبست من فن التوشيح احلى ما فيه ! ونظرة عجلى الى تقنية التدوير التي استثمرها النص تكفي للدلالة على حالة ( التسلطن ) التي تعتري المبدع فيضيف ما يشاء ويحذف مايشاء

فحين ينتهي الصدر ولم ينته البناء النغمي تستشعر ظمأ فادحا للآتي فضلا عن ان النص استعمل التدوير احيانا لالتقاط الانفاس قارن :

الوقتلا + يكفيلأبـ + دأ أو لأنـ النون الساكنة التي ختمت الصدر منحت التوتر سانحة الاسترخاء قبل مغادرتها نحو كأ أو لأقـ + رأ مددعا + فنجاني

الوقتُ لا يكفي لأبدأَ أو لأنـ
ـكأَ أو لأقرأَ ما ادَّعى فِنجاني

وجريا على تقنيات تحليل النص كون الحصيلة :

القصيدة نجحت في استثمار صعقات وحدة البيت دلاليا وايقاعيا بيد انها شدت ابياتها الى بعضها مشكلة وحدة موضوع مبهرة.

شعرية النص مزاج شعريات قوامها النغم والتطريب والصور الفنية الساكنة والمتحركة

الوجه الثاني غير المرئي من الوقت لايكفي هو ( الوقت يكفي ) وآية ذلك عبارات الشرط والتعلل والتداعي وما يقال عن الوجه الثاني لقرار الوقت لايكفي يمكن ان يقال في المسكوت عنه ! فالشاعر المفلق يُبْكي ولا يّبْكي ويُخيفُ ولا يَخاف ! فثمة نص اطول مما نراه وهو النص المسكوت عنه

اخيرا

لو خرجت قليلا عن المنهج الوصفي البنيوي وخطوت نحو المنهج المعياري قلت لك انطباعاتي ان هذا النص جديد وفيه ابتكارات

اجمل بيت فيه هو

جَسَدي المدى.. وَيدِي هِيَ الجسرُ المعلَّــقُ بينَ وَهْمِ الخبزِ وَالحِرمانِ ولو قلت لي اي بيت استثقلت دمه وتمنيت لو ان الشاعر حذفه من النص ؟ لقلت لك دون تردد :

مَن قالَ: إنَّ الوقتَ مثلُ السيفِ؟إنَّ الوقتَ مَوتٌ طعمُهُ بِلِساني!! انتظر نصوصا للشاعر بمستوى هذا الجمال المشاكس


نص محمد البغدادي

الوقتُ لا يكفِي لِعَقدِ رِهانِ

بَيني وَبَينَ الموتِ خَيطُ دُخانِ

الوقتُ لا يكفي لأشرحَ أو لأجـ
ـرحَ أو لأفتحَ مُقلتي وَأراني
الوقتُ لا يكفي لأعشقَ أو لأقــ


ـلقَ أو لأسرقَ منه بعضَ ثوانِ



الوقتُ لا يكفي لأرسمَ أو لأحلـ


ـمَ أو لأفهمَ لَهجةَ الهَذَيانِ




الوقتُ لا يكفي لأبدأَ أو لأنـ


ـكأَ أو لأقرأَ ما ادَّعى فِنجاني



الوقتُ لا يكفي لأزرعَ نخلةً
يَسقي ظما أعذاقِها نَهرانِ..!!




الوقتُ لا يكفي لِتَقشيرِ القَوا


في وَالحروفِ بِمِديَةِ الأوزانِ



حَربٌ عليَّ الوقتُ.. يَنقُلني على

رِجلَيَّ من قَبر لِقَبر ثانِ..!!







وَلِيَ الهزيمةُ.. جُثَّتي مَسلُوبَةٌ

يَقتاتُ دودُ الوقتِ من شِرياني..!!





الوقتُ مَنفى العمر.. أوشِكُ أنْ أرى

وَطَناً .. فَيقسِمَهُ إلى أوطانِ..!!





جَسَدي المدى.. وَيدِي هِيَ الجسرُ المعلَّـ


ـقُ بينَ وَهْمِ الخبزِ وَالحِرمانِ




أمتَدُّ .. وَالوقتُ اللئيمُ يَشدُّني

نَحوي وَينسج – هازئاً – أكفاني..!!





الوقتُ سجَّاني.. وكلُّ العُمرِ لا

يكفي لأهربَ من يَدَي سجَّاني..!!





الوقتُ كابوسٌ.. تَصادَفَ مَرَّةً

أنِّي غَفَوتُ فَصارَ بَعضَ كِياني..!!





الوقتُ لا يكفي لِمَحوِ خَطيئتي

لو كانَ يَكفِي مَيِّتاً لَكفَاني..!!





مَن قالَ: إنَّ الوقتَ مثلُ السيفِ؟

إنَّ الوقتَ مَوتٌ طعمُهُ بِلِساني!!



تحليل عبد لاله الصائغ

مشيغن المحروسة



السادس والعشرون من جنوري 2010