الرئيسية » مقالات » عُنف العلاقات الدولية و(النظام العالمي الجديد)

عُنف العلاقات الدولية و(النظام العالمي الجديد)

” يُمكن خفض القوات (المسلحة) والتخلص منها فقط عندما يَكفّ البَشر عَن تَصديق الحكومات و يبدأون البحث ، بأنفسهم، عن الخلاص من الويلات التي تُعذبّهم ، وَأن يبحثوا عَن هَذَا الخلاص لَيس في تدابير الدبلوماسيين المُعَقَّدة و المُتَأنِّقَة ، وَإنَّمَا فِي تنفيذ القانون المُلزم لكل الناس والمكتوب.. في قلب كل إنسان والقائل: لا تَفعل بالآخرين ما لا تريدهم أن يفعلوا بك وخاصة قتل قريبك”
ليف تولستوي1

إن النموذج الحالي لبنية العلاقات الدولية القائمة يدفع إلى العنف في شتى أنحاء كوكبنا الأرضي بل ويغذي وقوده بشكل مستمر متذرِّعًا بشعارات “فاضلة ” مُمَارسًا أبشع الضغوط على شعوب الأرض ، كونه يرتكز على مفاهيم تختزل جميع الأبعاد والعلاقات بالمصلحة المادية البحتة؛ وبعد ان مارس المجتمع الدولي دورا انسانيًّا ايجابيًّا عقب الحرب العالمية الثانية ساهم في رفع المعاناة عن كثير من الشعوب ؛ فإن القيم الانسانية لم تعد طرفًا في اي معادلة دولية الآن إلا بالمقدار التي توظف فيه لصالح الدول المتنفذة والتي لا همَّ لها سوى مزيد من السيطرة والربح ، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن جدية الدبلوماسية الدولية وحقيقة طروحات السلام ، وهل يمكن اعتبار الحرب وسيلة مقبولة للعلاقات الخارجية.

لقد أعرب رؤساء الكنائس المسيحية الاوروبية 2عن قلقهم إبان الحرب على العراق: “إننا نرفض ان تعتبر دول العالم القوية الحرب أداةً مقبولة للسياسة الخارجية، من جديد . إن هذا يخلق جوًّا عالميًّا من الخوف والتهديد وعدم الامان”.

وأتَساءل دوما عن جدوى انعقاد ما يُسمى “زورًا” بمؤتمرات السلام ، وهل يُعقل أن تقوم “الحكومات ” بإحلال السلام وادعاءات ضبط السلاح المدمر وخفض أعداد الجيوش مرهون بها ؟؟

وهل من المعقول أن ترعى “الدول ” نزع سلاح تقوم هي بتصنيعه وبيعه ؟؟ وهل يمكن لِمَن يؤيد “الحروب ” أن يُبجلّ مناهضة “التعسكر” والتسلط بكل مستوياته بدءا من السلاح العادي وصولا الى السلاح النووي و البيولوجي مرورا بالاستنساخ وتسخير علم الوراثة في التدمير ؟؟


فعن اي “نظام عالَمِي” يتكلمون ؟

ان المحور المفصلي الذي اعتمده البعض لتأريخ مرحلة “ما بعد الحرب الباردة” ، تجلّى بإعلان بوش الأب عن “تأسيس نظام عالمي جديد” تزامن مع تحالف موسَّع مفوض من قبل الأمم المتحدة لتأديب العراق عقب غزوه للكويت حيث قال :” أن الامر ليس قاصِرًا على مجرد دولة صغيرة تعرضت للعدوان، وإنَّما هو أكبر من ذلك، انه نظام عالمي جديد تلتقي من خلاله مختلف دول العالم حول قضية مشتركة تتمثل في السعي الى تحقيق تطلعات البشرية الى السلام .3

غير أن المناداة بضرورة “تأسيس نظام عالمي جديد ” لم تنطلق في حقيقة الامر مع اعلان بوش الأب، كما انّها ليست في أساسها مطلبًا أميركيًّا وان كانت الولايات المتحدة من جيّر المصطلح لنفسه ، كما انها ليست صناعة “صهيونية” للسيطرة، كما يحلو للبعض ان يصنفها؛ فهناك تقريرمُميز و على قدر كبير من الأهمية لم يلتفت اليه أحد ، ولم يلق أي عناية او تسليطًا للضوء عليه ، وهو تقرير ” تحدي نحو الجنوب “4 ، الذي أعدته لجنة غير حكومية ، عُرفت باسم “لجنة الجنوب” ، وتضم شخصيات بارزة علمية واكاديمية وسياسية وثقافية من ابناء “دول العالم الثالث “.

وقد تضمن التقرير دعوة الى ضرورة تأسيس وإقامة “نظام عالمي جديد”، يستجيب لتطلعات دول الجنوب نحو تحقيق “العدل” على مستوى المجتمع الدولي، وكانت اللجنة قد أعربت عن قلقها البالغ إزاء سياسات الدول “المتقدمة” المستأثرة بالقرارات الدولية المهيمنة على الاقتصاد في الدول النامية.

اذن عملية المطالبة “بنظام عالمي جديد ” ولدت من قلب معاناة الدول الفقيرة التي شاءت أن تحقق لنفسها فرصة داخل السياسية الدولية ، غير ان ذلك لم يلق أذُنا صاغية و لم يسلط الضوء عليه، إلا على يد الولايات المتحدة الاميركية من خلال اعلان بوش الذي استخدمه كمستند “أخلاقي” اساسي، وجواز مرور للتدخل الغير المشروط في دول الخليج.

وبعد ان كان تأسيس “نظام عالمي جديد ” مطلبًا أساسًّيا لتطلعات دول الجنوب من أجل تحقيق مزيد من العدالة، وقدر اكبر من المساواة، وتوفير اجواءٍ اكبر من الديموقراطية، بهدف تحقيق نسبة أعلى من الشراكة، أصبح شعارًا ومظلة دولية للتحرك من جانب واحد .

لسنا هنا بصدد تحليل أنمَاط السلوك الاميركي ودوره في إرساء قواعد نظام دولي حقيقي له مشروعية دولية ، فالدول تتحرك وُفق مصالحها وليست الولايات المتحدة الاميركية ولا غيرها من الدول، مركزا للدفاع عن حقوق الانسان والسلام او جمعيَّة خيرية مهمتها “الدفاع عن القضايا العادلة ” في العالم، وليست جهة كهنوتية “تمنح الغفران” او تدافع عن لاهوت الشعوب وتحمي عقائدهم .


النظام العالمي و مفهوم القطبية ومنهج التحرك الأحاديّ الجانب

إن المراقب المتتبع لمقالات ودراسات المحللين و السياسين ، يجد أن الكثيرين منهم، يؤرخون مرحلة مابعد “الحرب الباردة” بولادة “النظام العالمي الجديد”، رابطين بإحكام مبرم بين المنهج الامريكي الاحادي الجانب و عملية بروز الأحادية القطبية في السياسة الدولية .

هذا الربط يشكل في حقيقته تحريفًا للسجل الفعلي للعلاقات الدولية خصوصًا في مرحلة بداية التسعينيات، إذ ان القطبية كمفهوم خاص يتعلق بِمستوى النظام يرتبط بتوزيع مراكز القِوى من جهة والقوّة من جهة اخرى، اما المنهج الاحادي الجانب فهو متعلق بالسياسات التي تتبناها الدول ضمن نظام دولي أعد سلفًا .

وفي مقالة كتبها جون فان أودينارين نشرت في مجلة “بوليسي ريفيو “5 أشار الى الجدل الحاصل بين صناع القرار والاكاديميين على جانب الاطلنطي حول ما إذا كان وجود عالم أكثر تعددية قطبية مفيد ا أو مرغوبًا فيه، استنتج أن هذا الجدل لم يحقق سوى القليل في سبيل تأسيس توافق حول ما أخذ كلا الجانبين في تسمييته “منهج فعّال متعدد الاطراف ” .

إن الراصد لخطابات الساسة الاوروبيين يجد انّهم تحدثوا بشكل لا يخلو من التشويش حول الحاجة الى بناء نظام متعدد “الأطراف” او “الاقطاب” مستخدمين المصطلحين بشكل مترادف، علمًا ان “الطرف” كمدلول مغاير عن “القطبية” .

إن الاشكالية إذن، تتمحور حول محاور ثلاث:
· محور مفاهيمي ومصطلحي حيث ان منطوق المبنى مغاير لمضمون المعنى.
· محور السياسات الخارجية ومسار ديبلوماسيتها ما بعد الحرب الباردة .
· ومحور غياب الرؤية الانسانية في العلاقات الدولية
وعليه فإن تصنيف الروابط بين “مفهوم القطبية وعلاقتها بالسياسات الخارجية” تكون على الشكل التالي :
منهج أحادي الجانب في نسق 6 دولي أحادي القطب.
منهج متعدد الاطراف في نسق دولي أحادي القطب.
منهج أحادي الجانب في نسق دولي متعدد الأقطاب.
منهج متعدد الأطراف في نسق دولي متعدد الأقطاب.

وبِغض النَّظر عن عدالة أصل طرح مفهوم “النظام العالمي الجديد” أو عدمه وبغض النظر عن الانساق “القطبية ” في العلاقات الدولية فإن الممارسات الواضحة وسلوك الحكومات أجمعين يوحي بقدر لا يرقى للشك بأن إدارة الهيمنة وتوزيع أدوار “العنف” فيما بين الحكومات هو المسيطر على الدبلوماسية بين الدول وبالتالي فإن دعوات “السلام” المزعومة لا تعدو عن فصل في مسرحية توزيع “السيطرة” واعادة اقتسام الكعكة من جديد !

إننا كبشر يجب علينا عدم التوهم بأن “الدول ” ببنيتها الحالية صانعة سلام !
وربما السلام يكون عندما يقر الانسان بشيئ واحد فقط بوضوح وببساطة : أن الانسان لا يجوز له قتل الانسان، وبالتالي من حق الانسان أن يرفض المشاركة في أي حلقة من حلقات العنف بما فيها الانخراط في “الجيوش النظامية ” وما يسمى أحيانا ب”الخدمة العسكرية” او المشاركة في اي نوع من ابحاث تطوير الاسلحة الفتاكة او غيره وذلك عبر آلية “اعتراض الضمير “من خلال رفض المشاركة او اطاعة قانون جائر بدافع ضميريٍّ بحت القائم على الاحترام غير المشروط للحياة الانسانية .

وفي هذا السياق يقول هرتسن: “لو اكتفى الانسان بإنقاذ نَفسه بدلا مِن انقاذ العالم ، وتحرير نفسه بدلا من تحرير البشرية ، فكم سيكون هائلا ما سيفعله من أجل إنقاذ العالم وتحرير البشرية !”

مَقالات ذات صلة في اللاعنف للكاتبة :
اللاعنف و تفكيك مفهوم السلطة


المفاعيل اللاعنفية لتعددية الحقيقة ونسبية المعايير


الحقيقَة من منظور اللاعنف


http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com /

——————————————————————————–
[1] ليف تولستوي : مختارات من كتاباته الفكرية والفلسفية – في كلامه بمناسبة المؤتمر حول السلام في استوكهولم 1899 – ترجمة هَفال يوسف – معابر للنشر– دمشق 2009 – ص : 99 .

[2] البيان الصادر عن اجتماع رؤساء الكنائس المسيحية الاوروبية – في 5 شباط فبراير 2003 الذي عقد في برلين بدعوة من مجلس الكنائس العالمي والمجلس الوطني لكنائس المسيح في اميركا .. إبان الحرب على العراق

[3]L. freedman & E. Karsh , The gulf Conflict 1990 – 1991 – London : Faber &Faber , 1993 page 24
ثامر كامل محمد : الأخلاقيات السياسية للنظام العالمي الجديد ومعضلة النظام العربي – مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – أبوظبي – 2008

[4] Challenge to the South – Report of the South Commission , Oxford 1990

[5]John Van Ordeñaren , Unipolar Versus Unilateral, Policy Review, No. 124, April 2004-
[6] افضلّ استخدام مصطلح نسق وليس نظام ، والسبب ان ما نشاهده هو ادارة صراع قوى في منظومة لا مكان للقيم فيها وليس نظاما لان النظام يتضمن بالضرورة بعدا انسانيا .