الرئيسية » مقالات » هكذا يموت المعلمون الأدباء واقفين كالأشجار

هكذا يموت المعلمون الأدباء واقفين كالأشجار

هكذا يموت المعلمون الأدباء واقفين كالأشجار

رحل الأستاذ جعفر سعدون لفته المربي الفاضل والأنسان .. رحل أبن الكوت العزيزة الحزينة التعبى .. رحل توأم الروح دون أن يودعني بكلمة واحدة .. رحل أبو علي الشاعر والأديب والأنسان الذي شارف على السبعين و قضى نصف عمره الشريف في تربية الأجيال .. رحل ذلك العفيف الطاهر الذي أحبه أصدقاءه وزملاءه وتلاميذه حبا ليس له حدود بعد أن نهلوا من خلقه ونبله وأدبه وثقافته الكثير الكثير والذي أحبته مدينته واحتضنته شاعرا كبيرا وباحثا متميزا وقارئا نهما للعلم والثقافة والتراث .. كان جعفر سعدون لفته بطبيعته السمحة المتواضعة وبروحه الشفافة الطاهرة لايحب الأضواء ولا المقابلات لكنه كان يكتب بعمق في مختلف شؤون الحياة .. رحل أبو علي قرير العين نقي الضمير وترك في قلوب أبنائه وزوجته وأحبائه ألما ووجعا كبيرين لايمحوهما مرور السنين ..لقد سخر أبو علي أدبه وثقافته لفقراء أمته ولم يمدح دكتاتورا ولم يخرج في مظاهرة تأييدا للحاكم الفلاني والشخص الفلاني طوال عمره .. كان عدوا لدودا للطائفية والعنصرية والدكتاتورية والظلم وترك خلفه مخطوطات قيمة عسى أن تمتد أليها يد حانية طاهرة تقدر الأدب والثقافة وتخرجها ألى النور ليستفيد منها كل أنسان متعطش للمعرفة والثقافة .. كان فقيرا وظل فقيرا لايملك ألا راتبه التقاعدي البسيط يطعم به عائلته الكبيرة وبالرغم من شظف العيش الذي عاناه في حياته كان يخصص قسما من ذلك الراتب لشراء الكتب في أقسى الظروف التي عايشناها سوية وأقساها سني الحصار الظالم . لم يخرج من بيته لسنين طويلة لمرضه لكنه كان يكتب بنهم ويرسل قصائده عن طريق صديقه الأستاذ محمد موزان ألى بغداد لتنشرها صحيفة أتحاد الشعب في أماكن بارزة من صفحاتها الثقافية . لقد كان الشاعر والأديب جعفر سعدون لفته يقرأ التراث ويكتب البحوث والدراسات الأدبية والعرفانية والفلسفية و يقرأ لمحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وأبي العلاء المعري والمتنبي والحلاج وأبن سينا والجاحظ . وقرأ لدوستوفسكي وبوشكين وتولستوي وكافكا وغوته وأليوت وغيرهم الكثير وقد كانت مكتبته تضم العشرات من أمهات الكتب الأدبية والتأريخية والرواية والشعر لكنه اضطر ألى بيعها بأبخس الأثمان في زمن الحصار. وكنت أتداول معه و بعض الأصدقاء في مختلف شؤون الحياة وكان بيته البسيط في منطقة الهوره يشهد لقاءات مستمرة بيننا . وقد توطدت بيني وبينه علاقات أنسانية حميمة مذ كنا شابين يافعين ننتقل في حارات مدينة الكوت وعلى ضفاف نهر دجله ونزرع بأيدينا غراس النخيل ونمدها بأسباب الحياة وكان يقول لي دائما (البركة في النخلة التي كرمها الله.) كان رحمه الله متمكنا من كتابة الشعر بشكله العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر وقد أصدر مع مجموعة من المعلمين مجلة الثقافة في الستينات وأتذكر أحدى قصائده التي نشرها فيها وعنوانها ( الرؤيا ).
لقد قضينا أكثر من ربع قرن كجارين متحابين متعاونين في مختلف شؤون الحياة ومن أصدقائه الأستاذ عبد صبري طخاخ الذي كتب عدة مجموعات قصصيه والأستاذ محمد موزان الذي يكتب مقالات متنوعة منذ زمن طويل ويوم قررت الرحيل عام 1995كان الشخص الوحيد الذي يعلم بذلك وحين ودعني طالبني بأن أستمر في الكتابة ولا أتوقف مهما كانت الصعوبات والعراقيل لأنه كان يقول لي دائما (أن الكتابة غذاء للروح والعقل .) وطيلة سني الغربة كنا على اتصال دائم و قدبعث لي عدة مقطوعات شعرية كنت أرد عليه بنفس الوزن والقافيه وكلما كنت أتصل به يسألني ماذا كتبت وماذا تعمل في الغربه ؟ وقد ألتقيته قبل أكثر من ثلاث سنين واطلعت على كتاباته ومخطوطاته وقصائده التي جمعها في دولاب بسيط من الخشب أرجو من الله العلي القدير أن لاتضيع بعد رحيله وقد شجعني على كتابة رواية عن تجربتي الشخصية وعن الحروب والكوارث التي مر بها العراق وقال عنها أنها مجال رحب للكتابه فكانت( حرب وسجن ورحيل ). وقد شجعني على دراسة اللغة السويدية وقال أتمنى أن أراك تترجم قصائد من السويدية ألى العربية لتثري تجربتك الأبداعية وقد اتصلت به قبل أكثر من شهر فسألته عن أحواله وأكد لي أن صحته جيدة لكني كنت أشعر أن المرض قد ثقل عليه من خلال تهدج صوته وسألني ماذا تعمل في غربتك ؟ أجبته أن لي هوايتين هنا أولها هواية الكتابة وثانيها هواية المشي الطويل فأجابني( أنت تمارس رياضة العقل والجسم معا وهما من أفضل الهوايات .) ووفاء لروحه الطاهرة فأنني أحتفظ له ببعض المقطوعات الشعرية التي كتبها لي واحتفظت بها أنشر واحدة منها اليوم على موقعكم الكريم أكراما لروحه الطاهرة . وفي نهايتها قصيدة رثاء بحقه كتبتها على عجل فألى روحك الطاهرة ياأبا علي الرحمة وأسكنك الله فسيح جناته وألهم أهلك وذويك وأصدقائك الصبر والسلوان وأنا لله وأنا أليه راجعون .
قصيدة للراحل جعفر سعدون لفته:
(ماء مهين )-من وحي قصيدة الشيخ الرئيس(الروح )
شعر جعفر سعدون لفته
ماء تخلق في أريض المربع- وغذاه في رفق مكين المهجع
وحنت عليه من الثلاث سحائب- تسعى أليه وغيثها لم يقلع
حتى أذا قرب الأوان رأيته – يستقبل الدنيا بصوت مفجع
يبكي وقد هجر المنازل مكرها- وأرته دنياه شقاء المطلع
أنساه حب الفانيات معاده- فشرى خلودا بالخراب البلقع
ومضى يغيث معرة برذيلة –والعهد يخلفه ببخس المطمع
علقت به حمى هواه وساقه –ذل الشحيح مع السوام الرتع
وغدا يسحر بالطعام مفارقا –ماكان يألف من فطانة أروع
شرك ثقيل عاقه وتبلدت – منه الطوية لايغاظ بزعزع
فلأي شيئ أهبطته غواية – من شامخ عال ألى مستنقع!!
حليت بعينيه مفاتنه التي –صدأت بتكرار ( الرياح الأربع)
أن كان أحبطه الغرور بخدعة – خفيت عليه (فخرقه لم يرفع)
وهو الذي سن الأله طريقه – وله الملائك أركعت لم تفزع
سجدت بأمر الله حين تبينت –(ماليس يدرك بالعيون الهجع)
والطين يشمخ باللذائذ سادرا –ويعاف منزله الأباة الخشع
فكأنما ذاك الحمى وعهوده- برق تحجب وانطوى لم يلمع
أشاره
مابين الأقواس مأخوذ من قصيدة الشيخ الرئيس (أبن سينا )
الغرور: هو أبليس
ومتذوق الشعر الذي يمتلك ثقافة وألماما بالمعاني الشعرية يدرك أنه أمام قصيدة عميقة في مضمونها الفلسفي وهي تتناول عملية خلق الأنسان ومستوحاة من آيات في القرآن الكريم في معانيها وأشارتها الفلسفية وتحتاج ألى سطور عديدة من الكتابة لأعطائها حقها .
قصيدة رثاء بحق أخي الغالي الراحل جعفر سعدون لفته
(هذا الغياب فجيعة في أضلعي)
شعر : جعفر المهاجر
ضج الفؤاد بغصة وسقام – وتمزقت في لحظة أحلامي
أطلقت دمعي ناحبا متوجعا- وعلى لساني شارة استفهام
صدري تأوه حشرجات مرة –جالت وصالت دون أي لجام
وتخطف الموت الجموح مبجلا –سكن القلوب على مدى الأعوام
هذا الغياب فجيعة في أضلعي – واليوم ليس كسائر الأيام
رحل الكريم ابن الكريم مجالدا- وأنا هنا في لجة الآلام هذاالفراق عميقة أشجانه – وبرى الجوى أنشودتي وكلامي
هذا الفراق ثقيلة ساعاته – غول رهيب يبتغي أعدامي
ياجعفر العهد النبيل ومااشتكى- في النائبات ولجة الأظلام
ياجعفر البذل السخي على المدى- تسقي الزهور وأنت دوما ظامي
جيل تعلم من جلالك شاهد-والمستنير بعقلك الفهام
ياقدوة في فكره وسلوكه – قد خصك الرحمن بالأكرام
جمعت من خير الخصال معينها –وجدا تذوب بدوحة الألهام
فكأنك الغيث الوهوب لصحبه –فارقد قرير العين في الأنعام
ياطاهر النفس الأبية والنهى –أين الندى من ثغرك البسام ؟
أرثيك من قلبي الحزين بحرقة –أبكيك ياعلما من الأعلام
ستظل روحي من صفاتك ترتوي-سيظل شخصك ماثلا قدامي
نفسي اكتوت والقلب في غمراته-متوجعا متأججا كضرام
لله درك كم تحملت الأذي –متجملا بالصبر والأقدام؟
الموت للأحرار تشريف لهم – يبقى على هاماتهم كوسام
وافاه الأجل فجر يوم الأثنين المصادف 14/12/2009
بسم الله الرحمن الرحيم: ( يأيتها النفس المطمئنة ارجعي ألى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي )

فألى جنات الخلود أيها الحبيب الغالي وأنا لله وأنا أليه راجعون.
المفجوع جعفر المهاجر