الرئيسية » مقالات » وعي المواطن!؟

وعي المواطن!؟

في خطاب لرئيس الوزراء نوري المالكي أمس قال فيه:( إن الإجراءات التي تقوم بها هيئة المساءلة والعدالة ليست كافية وإنما وعي المواطنين من خطر البعثيين هو الأهم) وأضاف ( إن منع صعود هؤلاء تكون بالإرادة الحقيقية للمواطنين ).
لقد أعتبر السيد رئيس الوزراء أن وعي المواطن أولا، وثانيا إرادته، هما ما يمنعان خطر البعثيين!؟ ومثل هذه الوصفة لحماية الشعب من خطر صعود وعودة البعثيين وصفة فاشلة لا تمت للواقع بشيء.
أي وعي نتحدث عنه في عراق عانى شعبه لعقود من دكتاتورية همجية ومن حصار ظالم، حرمت الشعب من كل ثقافة لا تتفق ونهج البعث الصدامي. ولم تسمح لأي نشاط سياسي معارض أو حتى مختلف ولو شكليا عن نهج البعث. ونشرت ثقافة التقارير السرية، لإهانة المواطن وإذلاله، وجعلت من كل مواطن شرطيا ورقيبا على أقرب الناس إليه وهي عائلته، ومن يخالف ذلك يتعرض هو وعائلته للسجن والتعذيب والتصفية الجسدية. هذا إضافة إلى ما تركته الحروب من آثار نفسية مدمرة.
ثم جاءت حكومات المحاصصة الطائفية، وآخرها وأكثرها حظوظا في أن تحل الكثير من مشاكل الشعب، كانت حكومة المالكي لطول فترتها. ولكن لاحظنا وللأسف أنها فشلت في الكثير (وهذا لا يعني أنها لم تنجح في بعض وجزء من المجالات) . وبقت لا حول لها ولا قوة في معالجة المشاكل والخراب الذي يدمر أسس الدولة الحضارية (أو كما يحلو للبعض تسميتها بدولة القانون).
أي وعي للمواطن أنتجته حكومات ما بعد السقوط!؟ وهو يعاني من مشكلة الماء، والكهرباء، والنفط ومشتقاته، والخدمات البلدية والصحية، وخدمات الدوائر كالجنسية والجوازات والهجرة والتقاعد وجميع دوائر الدولة. شعب تفشل حكومته رغم الأموال الطائلة التي تدرها عليه الثروة النفطية من التقدم في معالجة أهم المشاكل الحياتية، وهو يرى ويسمع يوميا كيف أن الحكومة تخصص لقياداتها ومسؤوليها الامتيازات الخيالية، بينما الشعب يعاني حتى من الحصول على حقوقه المشروعة والأساسية (مثلا البعض لا يستلم راتبه البسيط في الوقت المحدد وربما لأشهر!) لا يمكن أن يكون وعيه كما يتمنى رئيس وزرائه.
من يساهم في خلق الوعي؟ لا أريد أن أتطرق إلى تفاصيل هذا الجانب وأتركه للمختصين. ولكن سأتحدث وحسب اعتقادي المتواضع إلى أحد الأسس المهمة في تنمية الوعي، وهي المدارس. كتب الكثيرون عن كارثة المدارس في وطن يطفو على بحيرة من النفط. المدارس لا تجد فيها الكهرباء وأن توفر فحالها حال المنطقة الموجودة فيها، لا يتوفر فيها خط تلفوني يسهل عمل الإدارة والعلاقات بينها وبين الأسرة التعليمية والطلبة ودوائر الدولة، المرافق الصحية ودورات المياه مقرفة، الأثاث سيء وغير صالح، وإدامته شبه معدومة، صيانة الأبنية المدرسية صفر تقريبا. أما إذا خرجت إلى الريف فالأبنية المدرسية لا تصلح أن تكون حظيرة حيوانات. والمدارس تكون أحيانا بعيدة عن بعض القرى والمواصلات معدومة تقريبا. أما ما توفره التربية من مستلزمات، الكتب والقرطاسية، فهي مسألة مضحكة مبكية. الكثير من التلاميذ لا يستلمون الكتب إلا في نهاية السنة والمعلمين يحاسبونهم على التحضير (هذا ما لاحظته في مدارس حي الجامعة في النجف) وكذلك القرطاسية فهي شحيحة ولا يستلمونها في بداية السنة!
بعد كل هذه المقدمة عن المدارس باعتبارها مصدر من مصادر الوعي، يخرج علينا وزير التربية بقرار (فصل البنات عن الأولاد) يؤكد مدى التخلف التربوي، وكأنما التربية بالفصل. يا سيادة وزير الــتـــــــــــربــــيــــــــــــة، التربية ليست بالتحريم والفصل، أي يجب أن يفهم الطفل في كل المراحل التعليمية، كيف يحترم الجنس الآخر، وكيف يسيطر على رغباته، وكيف يتنافس، وأن يتعلم ذوق الحوار وأصوله. ليس الحكمة أن تخفي الحلويات في البيت عن أبنك المصاب بالسكر، فأن أخفيتها بالبيت لا تضمن أن لا يتناولها بأول فرصة خارج البيت، ولا تكفي شدة المراقبة فبالتأكيد انه قادر من أن يفلت من هذه المراقبة ويتناول الحلوى بطريقة خاطئة، وإنما الحكمة في أن يعرف مدى الضرر الذي يسببه له تناول الحلويات وأن تخلق في نفسه الحصانة في رفض تناولها والحفاظ على صحته. بينما قرار الفصل هو قرار بعيد عن التربية العلمية الصحيحة. ثم ماذا قدمت لحل المشاكل التي ذكرتها آنفا عن حال المدارس؟ للأسف كان حوارك مع أحدى الفضائيات (قبل أيام) غريب ولا يخلو من كيل المديح لذاتك (وهو دليل على الشعور بالنقص وحب الذات) عندما عددت وبتكرار ممج أنا قدمت، أنا ساعدت، أنا قررت، أنا فعلت …. وما أكره هذه الأنا عندما يستعملها مسؤول تكثر الملاحظات عن إدارته السيئة والفاشلة. والآن أوجه السؤال للسيد رئيس الوزراء، أي وعي تخلقه عند أبناء المدارس التي ذكرتها آنفا، هل بهذا الوعي يريد رئيس الوزراء أن يمنع خطر البعثيين؟
الحكومة نجحت نجاحا جيدا في حماية وتسيير المواكب المليونية. ولكنها فشلت وأهملت صحة المواطن، الذي لم يعد يفكر بصحته وبالعلاج لأنه يرى في شعائره الدينية الحل والمنقذ بعد أن يأس من الحكومة. نجحت الحكومة وبفضل ما يبثه معظم وعاظ الجوامع والمنابر من مشعوذين، والتي أصبحت أحدى وسائل الأعلام المنتشرة في الوطن وخاصة الوسط والجنوب. فوزير الصحة لا يبالي من خطورة انتشار الأمراض المعدية بسبب عملية التطبير المقززة، أو التزاحم في المواكب والمسيرات وما قد تسببه من عدوى في أمراض قاتلة، أو ما تسببه أماكن الطبخ في الشوارع من دخان ونيران تحرق وتدمر إسفلت الطرق إضافة لما تسببه من تلوث في البيئة، أو انتشار مكبرات الصوت وهي تتبارى بضجيجها وهرجها دون مراعاة لحالات المرضى ومن يطلب الراحة وكأنه مجبر على سماع هذا الصخب. ولا أريد أن أتحدث عن وضع المستشفيات وما يجري في داخلها أحيانا من ابتزاز للمواطنين وفساد في مذاخرها! وأتساءل، هل بذل السيد وزير الصحة ومؤسسته ولو جهدا بسيطا في توعية المواطن من المخاطر التي ذكرتها؟ فبأي وعي يريد رئيس الوزراء أن يمنع خطر البعثيين؟ إذا كانت وزارة الصحة بعيدة عن الوعي الصحي لا بل هي تشجع هذا التخلف الصحي بهدف الأجر والثواب! المواطنون يا سادتي يتظاهرون في المسيرات المليونية لأنهم وصلوا إلى قناعة، إن المسؤولين لا يقدموا لهم شيء فلجؤوا إلى أئمتهم عسى أن يستجيبوا لمطالبهم، والأهازيج الحسينية في عاشوراء تؤكد ذلك.
والفساد الإداري المستشري في معظم دوائر الدولة كثر الحديث عنه، وهيئة النزاهة كشفت الكثير من الفساد، بدءاً من الوزراء الفاسدين والفاشلين حتى لأصغر الموظفين. المصيبة أن الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي أجراء بحق بعض المفسدين خاصة كبار المسؤولين ومن لهم كتلة متنفذة (خذوا مثلا وزير التجارة الله أعلم أين وكيف توارى، وزير الكهرباء أيهم السامرائي، وزير الدفاع الشعلان وغيرهم كثيرون، ذكرهم يسبب لك الغثيان). في كثير من الدوائر يوجد تسيب وعدم التزام في الدوام الرسمي، بيروقراطية مدمرة، استخفاف وإذلال للمواطن. والمواطن المسكين يدور بين الدوائر لأيام وربما لأسابيع من أجل معاملة بسيطة يمكن إنجازها في ساعات. فهل تنجح دولة القانون بهذا الفساد الإداري من خلق وعي يمنع خطر البعثيين!؟
وأخيرا، تدل الإحصائيات على أن 23% من المواطنين هم تحت خط الفقر وأعتقد حتى أكثر من هذه النسبة، يسكنون المقابر والمزابل ولكنهم مؤمنين بأئمة أهل البيت في حل مشاكلهم، فهل هؤلاء الفقراء بوعيهم سيمنعون البعثيين؟ ثم أية إرادة لهؤلاء الفقراء وهم يبحثون عن قوت يومهم وملبسهم بين النفايات والحكومة والبرلمان يمنحون الامتيازات الخيالية فيما بينهم دون وازع أخلاقي وحرص وطني!؟ أنا أرى أن من منح البعثيين الحظ الأكبر في أن يتحركوا ويرفعوا أصواتهم بالدافاع والتغاخر عن جرائم البعث الصدامي، هو سوء إدارة العملية السياسية من قبل القوى المسيطرة على شؤون الدولة وسوء إدارتها خلال سنوات ما بعد السقوط.

محمد علي الشبيبي
السويد
‏‏السبت‏، 23‏ كانون الثاني‏، 2010