الرئيسية » مقالات » سلاما لوالدي ورفاقه في معتقلات البعث

سلاما لوالدي ورفاقه في معتقلات البعث

منذ أكثر من سنتين ودّعت ذلك الرجل الشامخ في مدينة القامشلي وكانت كلماته الأخيرة ترنّ في أذني :لا تتراجع عن نشاطاتك ودافع عن مبادئك باستمرار، وفي النهاية لابد لنا أن ننتصر على الطغاة .
حين كان الباص يبتعد بي كانت تلك اللحظة لا تشبه أي لون من ألوان الألم ، كانت أصوات تهمس لي أنك قد لا تعود تلمح أباك في دولة لا يشعر المواطن فيها بالأمان، وقد تكون هذه آخر مرة تلمحه وآخر وداع.
في عام 2002 حين قاد والدي مظاهرة في اليوم العالمي لحقوق الانسان أمام البرلمان السوري لم يكن يخشى شيئا، وكان مؤمنا أنه لابد من تطوير آلية العمل النضالي داخل سوريا، وكان مستعدا لأية نتائج ومهما كانت.
حين داهمت دورية من الأمن السياسي بيتنا في القرية كان والدي في دمشق، فقد توصّلت قيادة التصدي والصمود أنه يجب اعتقال والدي ( حسن صالح ) ورفيقه مروان عثمان. تصرخ أمي في وجه الضابط وعناصره( أنتم تسترجلون على الشعب المسكين.. لماذا لا تذهبون إلى الاسرائيليين…)، خنع الضابط منكسرا واعتقلوني كرهينة. وليطلق سراحي في نهاية النهار.
في أول زيارة لي له كان لابد أن أخذ موافقة اللواء علي مملوك لأجل أن ألتقي بوالدي، علي مملوك هذا مجرد من انسانيته وكأنه خلق ليكون جلادا، بعد سيل من الشتائم والإهانات ونقاشنا الحاد استطعت أن أتوجه لعدرا إحدى وجوه سوريا وعلامات النضال السوري في سبيل الديمقراطية وحقوق الانسان، ولو تكلّمت جدرانها لعكست حكايات رياض سيف وعلي العبدالله وأنور البني ومشعل التمو وفداء الحوراني , ومصطفى جمعة ومحمد مصطفى ومعروف ملا أحمد وأنور ناسو وكل مناضلي الحرية السوريين.
يتهافت عناصر الشرطة علينا ، خمسون ليرة سورية تفتح لك أبواب الجنّة داخل السجن، يقول لي أبو آشتي ( عبد الباقي يوسف): لقد كنت هنا معتقلا ، لدي ذكريات هنا، ولكنالحرية ثمنها كبير ولابد لنا من التضحية في سبيل حرياتنا وكرامتنا.
ألمح سجناء كثيرون، يقف والدي أمامي يريد التحدث بأشياء كثيرة، ويسألني عن الوضع في الخارج ، يريدنا الضابط أن نتحدث بالعربية دون الكردية، نرفض ، يصرّ الضابط ولكن أبي في النهاية يهدده بقطع الزيارة أوالتحدث بحرية دون رقابات.
كان يقول أنه في السجن كانت هناك حمامة بنت لنفسها عشا على تلك الكوة الصغيرة التي كانت تربطنا بالعالم الخارجي، لقد كانت حمامة تمنحنا الأمل بأننا سننتصر يوما وننال حقوقنا في وطن يكون الجميع في خدمته، ودولة ديمقراطية يكون الانسان فيها مقدسا وليس عبدا.
حين خرج من السجن بعد العام والنصف استقبلته الجماهير بالورد والشجاعة ليثبت لهم بعد تلك الفترة أنه لا ينكسر أبدا أمام رياح الاستبداد.. لقد كان هذا الرجل دائما في المقدمة في كل اعتصام ومظاهرة في دمشق والقامشلي، ولم يفكر يوما أن يكون مساوما أومتهاونا، أو يرسم لنفسه خطوطا حمراء كما يفعل البعض حاليا.
خمسة وعشرون عاما قضاها في مهنة التدريس ، رغم أن البداية كانت نفيه من قبل السلطات إلى نوى في محافظة درعا بسبب نشاطه السياسي ومواقفه الجريئة، وخدم في صفوف الجيش السوري كضابط مدفعية مرتين وعلى الخط الأمامي من الجبهة السورية الخامدة، ورغم كل هذا هو خائن ومتآمر ومتطرف ولا وطني في نظريات السلطة ومن يسير خلف ظلالها؟
كان يرفض مغادرة سوريا ويؤمن أن التغيير الديمقراطي السلمي يكون من الداخل ولابد للقيادات السورية الوطنية أن تكون في المقدمة لتوعية الشعب بالمطالبة بحقوقه ووطنه وكرامته في حياة متساوية وعادلة.
لقد كرّس حياته لخدمة سوريا وديمقراطيتها، وما زال حتى اللحظة متمسكا بعدالة القضية الوطنية في اقامة دولة القانون والمؤسسات وحل القضية الكردية الوطنية بشكل ديمقراطي وفق دستور سوري يعترف بالشعب الكردي وحقوقه وخصوصيته كغيره من ألوان الشعب السوري المتنوع.
وحين طرح مشروع الحكم الذاتي لأكراد سوريا، ظنّ الجهلة ومن يلبسون قناع الديمقراطية أنه مشروع انفصالي، وتناسوا قصدا أن الحكم الذاتي هو أحد نظم الحكم الديمقراطية كما الفدرالية والنظام اللامركزي. وسيكون من ضمن مشروع سوريا المستقبلية وبصناعة وطنية سورية.
قلّة من النشطاء السوريين وضعوا أيديهم على الجرح الكردي ومحاولات النظام تشويه الحقيقة الكردية وتجريدها من وطنيتها وفصل الصوت الوطني السوري إلى وجهين (كردي – عربي) واليوم مؤلم أن نشهد صمتا خجولا من الكتّاب والمثقفين والنشطاء السوريين عربا وكردا على الاعتقالات المفتوحة، ولا أجد أي قلم أو ضمير يفكر أن يخطّ سطرا للدفاع عن سجناء الرأي السوريين وعلى الخصوص الأكراد منهم، وبذلك يشرعنون وجها للانقسام الوطني ، وهنا أتذكر جواب كاتبة سورية تلبس أثواب حقوق الانسان والدفاع عن الحريات 🙁 على الأكراد في سوريا أن يدافعوا عن أنفسهم) . هذه الثقافة التي تغيّم على السوريين عموما ،ويغذيها النظام لتقسيم الآنا السورية مشتتة..منقسمة، فنجد شرخا انسانيا ينتهي بالجمود واللافعل.
من يركب البحر لا يخشى من الغرق، ونحن كسوريين علينا أن نتعظ من شجاعة سجناء الرأي الذين دائما هم في المقدمة ويفتخرون بأهدافهم ومبادئهم في تغيير سوريا من دولة شرّ واستبداد ومهانة وفساد، إلى سوريا الانسان والحقوق والتعددية والتكافل الاجتماعي ، وطن مؤسساتي علماني، يكون المواطن فيه هدفا ونتيجة تحت سقف القانون والدستور،دون تمييز ورقابات وظلم.
آن لنا التحرر من ضوابطنا الذاتية وحواجز الخوف التي نسدّ بها شجاعتنا، آن لنا أن ننظر إلى كل الحراك الانساني والسياسي والحقوقي في سوريا كصورة واحدة وغير مجزئة، علينا أن نصرخ في وجه ثقافة القمع والعبودية معا، ونستنكر ونعمل يدا واحدة ضد انتهاكات حقوق الانسان بحق الكردي والعربي والآشوري والشركسي ، كانتهاكات ضد الشعب السوري كله دون تجزئات.
كلنا نعمل لأجل الديمقراطية والحقوق الوطنية، لأننا نعيش على أرض واحدة ، ولنا مصير مشترك ووطن واحد يحضننا رغم ألواننا الجميلة.