الرئيسية » مقالات » البعثيون.. والعرب السنة… في أشكالية تبادل الولاء….؟!

البعثيون.. والعرب السنة… في أشكالية تبادل الولاء….؟!

بتاريخ 12-1- 2010 وعلى موقع “الأخبار” نشر الدكتور عبد الخالق حسين مقالاً مهماً وبعنوان (هل حقاً البعثيون وصالح المطلك يمثلون العرب السنة) وبدرايته المعهودة ألنافذة اوجز الدكتور النابه في استهلال تاريخي مضمون العلاقة بين نشوء حزب البعث ومذاهب من ساهموا في تاسيسه البعيد عن الانتماء السني مع وجود رواد من خلفيات طائفية مختلفة بينهم بوصفه حزباً علمانياً متجاوزاً ضيق الافق الطائفي حينذاك، وهذا صحيح كلياً … المقال ايضاً تناول محوراً جوهرياً يتعلق بمكنون العلاقة بين حزب البعث والعرب السنة في تجسيداتها الراهنة في ضوء ادعاء صالح المطلك والبعثيين بتمثيلهم للعرب السنة …. ألى اخر محتوى المقال المهم.. وهذا برايي يحتاج الى رؤية ومعالجة تستدعي فهماً أخر لمنطوق هذه العلاقة وتطورها واشكالياتها في ضوء ماهو جاري الان من صراع سياسي بين اطراف تستقوي بالجهد الطائفي وادواته من اجل ترسيخ وجودها السياسي المؤثر في مراكز القرار السلطوي ومن هذه الاطراف البعثيون عبر واجهات مختلفة….


ايجاز تاريخي

نظرياً تأسس البعث كحزب قومي يستلهم المبادئ العلمانية وينبذ الطائفية،بيد ان ذلك قد تغير جذرياً بعد استيلاء حزب البعث على السلطة 1963في سوريا والعراق وفي مايخص بلادنا فان حزب البعث الذي جاء الى السلطة في انقلاب شباط الدموي عام 1963 بقيادة كانت في جلها شيعية المذهب لم يمض الى اخر الشوط، بعد تلك التغيرات الحادة التي رافقت ذلك الانعطاف والذي طال تلك القيادة، بعد ان جرى أستبدالها بأخرى جديدة ذات أغلبية سنية بثقل مناطقي وعشائري مرتبط بالمناطق الغربية بقصباتها وقراها، و قد اذن هذا التوجه الجديد لعهد سيلعب فيه نخب تلك الاقاصي الممتدة الدورالريادي عقوداً في رسم مستقبل العراق. وكانت فترة الاخوين عارف 1963 – 1968 أستمراراً لتلك الرؤية باتجاه مواصلة وترسيخ ذلك النهج الذي تداخلت فيه بشكل نموذجي النزعة الطائفية والمناطقية والعشائرية رغم قصرها…


الانعطاف الكبير..؟

بعيد 68 19حدث تطوراً نوعياً سياسياً عندما عاد حزب البعث الى السلطة ،برؤى جديدة و هويعيش مرارة أخفاق تجربة شباط الدموية مما حدى بقيادته المتنفذة الجديدة أنذاك أن تتعامل مع جملة من المفاهيم المحورية فيما يخص ترسيخ اسس النظام وتطوير فعاليتها أستناداً الى قاعدة فكرية امنية سياسية متلازمة جوهرها يستند الى فكرة توزيع المسؤليات التنفيذية بالاعتماد على البعثيين من العرب السنة كمؤثرومرتكز نوعي يستأثر بفعالية المواقع القيادية في النظام وكعمق مضمون في المنعطفات…. فيما العرب الشيعة المنتمين الى حزب البعث قد خصوا بتعامل وقائي وبمعيار انتقائي ضمن خارطة المسؤوليات والمواقع، كمرتكز كمي واداة تنفيذ مرنة في احكام قبضتهم على البلاد، وعلى اساس الرؤية جرى توزيع المراكز الحساسة بطريقة مدروسة وحذرة وبقى الاقتراب من مراكز القرار مكفولاً بضمانة طائفية مقيدة.. ربما يجادل الكثيرون بان نظام البعث صدام لم يكن طائفياً بل نظاماً استبدادياً يوزع ظلمه بالتساوي على الجميع سنة وشيعة واكراد ورد الفعل القاسي ينال السنة العرب كما الشيعة عندما يتعلق ذلك بتهديد ثوابت النظام.. ان هذا الاستنتاج صحيح بعموميته ولكن باية رؤية ومعيار تظهر الخصوصية الطائفيه السياسية وفعلها في هذا الموقف الجواب هو.. عندما ينظرنظام صدام الاستبدادي الى اي تمرد اواعتراض أو تصادم في نطاق الطائفة السنية بأعتباره تمرداً جزئياً منفردَاَ وكنوع من الخلاف السياسي المجرد اوالعشائري اوحتى العائلي ويجري ألتعامل مع جزئيته دون تعميم مفتوح لتداعياته مهما كان عمقه وقد تجلى في اضطهاده وسجنه واعدامه لمجوعة من رجال الدين السنة ، بينما فلسفة الموقف السياسي من دواعي التمرد الجزئي في نطاق الانتماء الشيعي، فيجري فهمه في سياق تمرد كلي دون جزئيته ضمن منظومة احترازية امنية مركبة تستنفرها السلطة ويحس بها الشيعة عموماً كأرتياب وحذر منهم، ناهيك عن الاجراءات المتشددة فيما يتعلق بالطقوس الشيعية المعتادة وتجمعاتهم بعد ان يجري التنكيل بالشيعة المتهمين بالتمرد او الاعتراض بقسوة مفرطة. أن مثل هذه المعايير هي في الحقيقة عقيدة سياسية استباقية في تعاملها مع المكون الشيعي وهذا ماأكدته الوقائع المتتابعة فيما يخص موقف سلطة البعث صدام ونهجها الطائفي وقدتجلت بصور اكثر تجسيداً بعد الثورة الايرانية والحرب العراقية وانتفاضة 1991….

في بلد مثل العراق لايملك اية تقاليد ديمقراطية علمانية ولامؤسسات دستورية ولاتجربة سياسية في اطار التعدد السياسي، ليس غريباً ان تتعامل السلطات الحاكمة المتعاقبة بمعيار طائفي او مناطقي اوشمولي، باستثناء فترة حكم الشهيد عبد الكريم قاسم القصيرة.. وحتى الملكية التي حكمت العراق برؤى علمانية لم يغب عن تفكيرها العامل الطائفي في تثبيت التوازن لصالح لون طائفي حاكم ، من هذه الرؤية يمكن الاجتهاد بالقول أن العلاقة مع السلطة في زمن صدام كانت تتفاعل والعمق السني بصورة نمطية موروثة ولايوجد في الامر غرابة ان تجاوب السنة العرب مع هذا الواقع ليس بوصفهم طائفيين مؤدلجين بل لانهم اعتادوا على الامر كحاصل تحصيل تاريخي عقائدي مسلم به، ضمن (دولة) كانت بالنسبة لهم المجال المفتوح بيسر امام مكانتهم ومسستقبلهم…. لقد بقى الشيعة العرب وهم الكتلة الاكبر في الكيان التنظيمي لحزب البعث وفي مؤسسات النظام مجرد كم عددي مترهل خارج صياغة القرار السياسي النافذ لنظام البعث صدام ولم نشعر بثقلهم الاتابعين لمركز القرار المطلق الذي كان متمثلاً بالدكتاتور صدام حسين والفئة المبايعة له، وكانوا في كل المواقع السياسية والادارية ضمن الخط الثاني والثالث، ان هذه المعادلة هي في الحقيقة جزءأ من الاشكالية التاريخية المعقدة للبناء الاجتماعي والسياسي للمجتمع العراقي…ومبدئياً لايمكن اصلاح هذا الخلل العميق بقرار اوبمرسوم سياسي ولا هو مرتبط بقياد بعثية متوزانة اخرى غير صدام حسين بأستطاعتها تعديل هذا التقليد اوالقاعدة، فالسياق لايتغير من حيث الجوهر لكن من الممكن رتقه في نطاق اصلاحات جزئية قد تحدث هنا وهناك، فهذا، الموضوع العويص لاتصلحه مبادئ حزب البعث القومية العلمانية، ولارغبة انفار مصلحين يتجاوزون الرؤية الطائفية نحو افق الوطنية المفتوح بحس واعي أبداً‘ فمثل هذا التحول الفاصل المطلوب هو ليس مأزق حزب اوكتلة اوتيار مهما كان انتماؤه فالاشكالية في معناها الجوهري العام (هو في مأزق العراق التاريخي).. (دولة مشوهة) ثقافة متناقضة، فكر،وقيم واعتقاد مذهبي ضيق وانعزالي في تفاعله الوطني…؟ أن تصحيح هذا الخلل وتجاوز هذا المأزق المزمن لايتم حله الا في اطار نقلة نوعية تاريخية تجري في خضم بناء الدولة العلمانية الوطنية الحديثة كافتراق مع الذهنية الطائفية ومنطوقها الضيق المعرقل وما يتصل بها من انعزال عشائري ومناطقي، وهذا فقط يتحقق عندما ينجز…فصل الدين عن الدولة… والسير نحوافق الوطنية العراقية بهوية انسانية مفتوحة ، غير ان ..هذا الشرط .. وهذه الامنية العصية، حتى وان اقتنع به العرب السنة والاكراد والشيعة العرب والتركمان والجماعات القومية العراقية، فاغلب الظن سوف يصطدم بمعارضة ورفض المرجعيات الشيعية المؤثرة وقوى اسلامية سنية محتملة رغم أن الحل سيوفرعوامل بناء العدالة والمساواة والمشاركة والاستقرار والتنمية للجميع في اطار دولة مؤسساتية مدنية….

بعد التاسع من نيسان عام 2003 استشعر العرب السنة خطراً مركباً وبعزلة سياسية جراء خسارة المواقع السيادية والمؤثرة في مؤسسات النظام السياسي الذي اسقطته قوى اجنبية كبرى، ترافق مع عنف واسئتصال طائفي متبادل كانوا ضحية فهمه بتقديرات ملتبسة وعناوين متضاربة ساهمت في ظروف انبثاقه، بينما استغلت القاعدة اوالمتطرفين الاسلامويين السنة والبعثيين الموقف وحركته بأتجاه تصادم طائفي مفتوح ، كما ساهم العنف المقابل من المتطرفين الشيعة المنفلت بالتوزاي مع هذه العوامل المذكورة الى خلق حالة طائفية يتعذر التقليل من تاثيرها في صنع معادلات سياسية محسوسة مستقبلاً..

..كل هذه التداعيات المركبة وضعت العرب السنة ومناطقهم في اجندة القوى الارهابية ومايسمى بالمقاومة كبؤر مسلحة ضف الى ذلك الانعزال السياسي عن العملية السياسية الذي فرضته النخب السنية الانعزالية علىيهم في البداية…. غير ان مشاركتهم في العملية السياسة بثقل كبير وكذلك دورهم اللاحق المؤثر والفعال.. كمناطق… وطائفة.. في دحر وطرد عناصر القاعدة وأمثالهم ، كل ذلك ساعد في تشكيل وعي طائفي سياسي قلق كثقافة وقيم وخطاب وسايكلوجية وموقف مع شعور بالحاجة الى استعادة العامل الوطني في توحيد الموقف السياسي العام… من هذه المنطلقات يمكن النظر الى تصريحات المطلك ورهان رؤس البعثيين من أمثال يونس الاحمد وعزة الدوري وغيرهم على العرب السنة وطرح فكرة تمثيلهم في الانتخابات، ليست بعيدة كثيراًعن الواقع ومايجري فيه‘ اذا ماعرفنا ان المناطق ذات الاغلبية السنية كثيراً ماتكون حواضن ومنطلقات واسناد لكل الوان العنف والارهاب والتكتل، يترابط في بعده الخارجي بمؤزارة ذات حث طائفي واضح من اغلبية الدول العربية للسنة العرب بحجة مواجهة الخطر الشيعي الذي يهدد وجودهم مع اسباب اخرى ، مع هذا لايمكن الحكم على عموم العرب السنة بتاييد البعث والرغبة بعودته ، لكن من الملاحظ هنا ان هنالك خطاباً مشتركاً يستحسنه ويؤيده اغلبية العرب السنة ونخبهم ومن غيرهم مثلا من الشيعة العرب ذوي الانتماء البعثي، هو نزعة التمجيد بمؤسسات النظام السابق ورموزه مثلاً الحديث عن عظمة الجيش، الامن، عن انعدام العنف الطائفي عن هيبة العراق وتماسكه/ عن عروبة العراق، عن الطائفية السياسية وغيرها الكثير، وهذا مايستغله البعثيون وانصارهم في المجال التعبوي وكسب المؤيدين له بتوسيع قاعدة العمل الفكري والتنظيمي بواجهات وعناوين متقاربة وهذا مالاحظنا تبنيه وتعميمه ومده من قبل برلمانيين ومسؤولين سياسيين ورؤساء كتل وصحفيين ونخب معرفية مختلفة ولا اظن ان العرب السنة سيفكون ارتباطهم بأمثال صالح المطلك والهاشمي ويونس الاحمد وغيره ماداموا لا يشعرون بوجود بدائل وطنية حقيقية تولي ظهرها لكل مظاهر الطائفية والمناطقية والعنصرية وعندما تنبثق ضمانة سياسية نوعية تستبعد تهميشهم وعزلهم وعندما يتأكدون بان دورهم ومكانتهم وحقهم في وطنهم محفوظ ، في المعيار الاخر سنجد أن موقفهم سوف يتعزز أكثر في المعادلة الوطنية عندما يجري فك الارتباط الفكري والسياسي والعاطفي بتراث دويلة صدام البعث وعهده وعدم ترسيخ الانطباع وكأن سلطة صدام البعث هي دولتهم الخاصة أسقطها اعداء مارقون… في التفكير المتوازن لايضفي هذا الانحيازللنظام السابق اية فائدة لدواعي التشبث بأستلهام قيم وتراث مخزي تحت اية ذريعة كانت، في حين يتطلب الموقف الوطني العادل التعامل مع فترة صدام البعث كمرحلة دامية اساءت والحقت افدح الاضراربالعراق بكل اعراقه واديانه ومذاهبه كصفحة مشينة في تاريخ بلادنا ينبغي تمزيقها وحرقها ، واجزم ان نزعة توقير الدكتاتورية الصدامية وبعثه والتذكير بصروح ومنجزات مبالغ فيها، ولن تتوافق وهدف بناء نظام ديمقراطي تعددي، ومهما كانت الدوافع والغايات وراء هذه الثقافة… ففي المحصلة تكون نسفاً للمرتكز الانساني في تفكير اياً كان فرد اوجماعة واحتقارا ًلاي برنامج وطني يسعى الى لم الشمل وتضميد الجروح ناهيك عن عبثية لاطائل منها….أن الامل والعمل على بناء هذه الانعطافة النوعية يحتاج الى تراكم منجزات وحلول وثبات مواقف عقلانية مسؤولة.. وعليه فأنا مازلت اجد ان الوقت مازال مبكرًا لتلمس مثل هذه التغيرات المنتظرة .. وبالتالي فاني مقتنعاً بأن فك الارتباط برموزالبعث والمرتكزات الطائفية سوف يستغرق وقتاً طويلاً وهو لايتوقف على السنة العرب وحدهم بل بمضمون الاداء الوطني المتوازن والمسؤول الذي سيحققه العرب الشيعة والاكراد وكل العراقيين في عملية البناء السياسي الوطني خارج معيار الطائفة والقومانية في ظل وجود دولة وطنية حيقيقة علمانية اودولة بتجسيدات مدنية عصرية……؟

مع شكري للدكتورالنبيل عبد الخالق حسين الذي حفزني مقاله على تقديم هذه الرؤية…


طلال شاكر

كاتب وسياسي عراقي

البعثيون. والعرب السنة. في أشكالية تبادل الولاء…. 

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=200487