الرئيسية » مقالات » حتى لا نترحم على حاضرنا!

حتى لا نترحم على حاضرنا!

لا نعدو الحقيقة كون النسيان آفة العلم، وهو بشكل عام المصداق السلبي لكل حالة أو قاعدة إيجابية، فالعلم قيمة ايجابية يحط النسيان منها، على أن النسيان ليس القاعدة الثابتة في قبال القاعدة المثبتة، فربما كان النسيان نعمة في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون نقمة، وربما كان حالة طبيعية يعيشها الإنسان ضمن مراحل حياته كالنسيان في الكبر الخاضع أساسا لعوامل طبيعية وفسيولوجية.
ولكن أسوأ النسيان هو نسيان الماضي بسيئاته وعدم الإتعاض منه في حاضر الإنسان ومستقبله، فالمرء السوي ينسى ويتناسى الماضي السيئ فيما لو اتخذ منه مطية للوصول إلى حالة أفضل والإنتقال من أسوأ إلى سيء أو من سيء إلى حسن ومن حسن إلى أحسن، وحينئذ يكون قد أفرز من واقعه المرير واقعا صحيا إيجابيا، وإذا ما تذكر الماضي فإنما من باب الذكرى والتذكر بما هو فيه لا للتباكي عليه أو الوقوع تحت عجلة تأثيراته السلبية فيكون حبيس الماضي، على أنه لابد من التذاكر مع الأجيال الجديدة بالماضي الأسود حتى لا تقع هي الأخرى في شباك الماضي وأسره.
فالطغيان نقمة والاستبداد ظلام، فإذا ما تخلص المرء من بلاء الظلم ونعم ببحبوحة الحرية، فلا ينسيه واقعه الجديد من تذكر وتذاكر الإستبداد، بل لا ينبغي النظر إلى معطيات الحالة الجديدة مع غمض العين عن الحالة السابقة، بخاصة المعطيات السلبية التي تصاحب كل تجربة جديدة، لأن نسيان القديم وتحميل الوضع الجديد كل سيئات الماضي هو آفة التجارب، فهو نسيان قاتل يمحق كل نعمة حديثة، وربما يصح القول بأن نسيان دخان الاستبداد السابق آفة رحيق الحرية اللاحق، فنسيان الخير آفة النعمة، ولذلك لا يتوانى القرآن الكريم عن التذكير بقصص الأمم الماضية، ولاسيما قصة بني إسرائيل وظلم فرعون، حيث خرج قوم موسى (ع) من وضع سيء للغاية يوم كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، لكن البعض وهم ليسوا بقليل كانوا يبدون امتعاضهم ويحمّلون نبيهم تبعات الماضي وسيئاته حين يبتلون في حياتهم اليومية، ناسين قيود الذل والاستعباد التي أرسفهم فيها فرعون وملأه، فالنسيان في مثل هذه الحالة أسوأ من آفة بل إنها النقمة الماحقة بعينها.
فالأمثال التي يضربها القرآن الكريم عن هذه الأمة التي تنسى ماضيها أو تلك إنما هي نماذج حية متجددة، حيث لا تختلف عنها الأمم الأخرى من حيث المؤدى إن هي مارست سياسة النسيان نفسه، فالحياة مسرح كبير والشخوص يتكررون في كل زمان ومكان، والمجتمع العراقي واحد من هذه الأمم الحية التي خرجت وهي على أبواب الألفية الميلادية الثالثة من أعتى نظام مستبد أرهقها في العقود الأربعة الأخيرة من الألفية الثانية، ولم تنحصر نيران أذاه على جسد الشعب العراقي، فقد امتدت النيران إلى أذيال الجيران، ففي الوقت الذي وزع الموت في السجون المظلمة، نثره بلا حساب على الحدود مع إيران، وأرسل قوافل الجثامين إلى مصر بالعشرات في كل رحلة للخطوط الجوية المصرية والعراقية، حيث ارتفعت حركتها بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988 م)، ونشر الموت في الكويت ثم عاد ووزعه على المحافظات العراقية المنتفضة بعد انتهاء حرب الخليج في شباط عام 1991 م.
هذه صور من الموت الذي ركب موجته نظام صدام حسين وطاف به على المدن العراقية وانتقل عبرها إلى الجيران، فهي قائمة في ضمير العراق وحية في وجدان المجتمعات المتضررة من النظام البائد، ولذلك فإن توثيقها بيراع منصف بعيداً عن المغالات أو المحابات هي الحاجة الملحة في وقتنا الحاضر بعدما راحت فئات من الناس تتحدث عبر الأثير أو المجالس العامة والخاصة وهي لا تجد غضاضة من التأفف من الوضع العراقي الجديد وإظهار قلة الصبر على مكاره الحياة وتبعات الماضي، بل وانعدامه عند البعض الآخر مما يشعرك وكأن الوضع السابق كان على ما يرام وأن الشعب العراقي خرج من وسعة العيش إلى ضنكه!
وربما أسوأ القول هو استخدام صيغة (الكلية) وتعميمها في نفي الخير عن النظام الجديد وتبعيضه عند الإتيان بذكر الماضي، مما ينبيك أن هذا البعض من الناس غابت عنه العقود الأربعة العجاف والتيه الذي دخل في نفقه الشعب العراقي، صحيح أن عدداً غير قليل من العدسات الناطقة باللغة العربية من الفضائيات العارقة منها والمستعرقة، والعاربة منها والمستعربة، تبذل جهدا استثنائيا من أجل إجراء غسيل دماغ للعقلية العراقية لمحو الذاكرة وتعميتها عن سواد الماضي، لكن البعض ممن يتحدث أو يكتب ويضع نفسه في خانة المتضررين من النظام السابق، يطلق العنان للسانه أو قلمه لقول كل شيء والتمادي في النقد والطعن مستفيدا من الحريات المتاحة إلى حد الفوضى الهدامة، فمثل هذا إنما ينسى الماضي القريب والقريب جدا، وهذه أم الآفات.
من الثابت أن العراق لم يتعاف من أمراض الماضي، مع ظهور أمراض اجتماعية إلى العلن كالرشوة والفساد الإداري والمالي حيث كانت في العهد الماضي مقننة ومحصورة برجالات النظام البائد وبخاصة الدوائر الحزبية القريبة من القصر الجمهوري، ولكن من الثابت أيضاً أن الأمراض الإجتماعية والإدارية والسياسية لا تشفى معضلاتها بكرامات عيسى (ع) ولا تحل عقدها بعصا موسى (ع)، ولا ترتفع أثقالها ببساط سليمان (ع) ولا يضاء ظلامها بدعكة من فانوس علاء الدين.
صحيح أن الفقر ضارب بأوتاده في القرية العراقية ومدنها لكن تعمير الجيب العراقي لا يأتي بدعوات الصالحين بين ليلة وضحاها، ولاسيما وأن عائدات النفط ما باتت حكرا على العائلة الحاكمة، ولذلك فإن من نكران النعم الزعم بأن الوضع الإقتصادي أسوأ من الماضي، فهذا النسيان بعينه.
كل عراقي يشكو من الفساد الإداري والمالي وأنا منهم وأنت، ولكن يبقى السؤال العريض المستعرض: من هم شخوص هذا الوباء الإجتماعي والأخلاقي، ومن هو المتضرر ومن هو المستفيد؟
كل عراقي يشكو من الرشوة وظاهرة الإرتشاء المستشرية في المؤسسات الحكومية والأهلية وأنا منهم وأنت، ولكن يبقى السؤال قائما: من يرتشي ومن يرشو، ومن يلعن الشيطان ويتعاطى الرشوة تحت مسمى التهادي؟
كل عراقي يشكو من الفساد السياسي الذي ينخر في عظام الكيانات السياسية التي ترنو ببصرها خارج الحدود شرقا وغربا شمالاً وجنوباً، وأنا منهم وأنت، ولكن يظل السؤال في محله: من هو الوطني ومن هو المتحامل على الوطن ولسان حاله: أنا ومن بعدي الطوفان؟
هذه أسئلة وغيرها حاضرة في الواقع العراقي، ولكن من القطع أن الإجابة مغيّبة بين تلافيف الأمنيات الوردية وكل واحد يرمي التبعات على الآخر ويتنصل من تحمل المسؤولية، ومن القطع أيضا أن كل واحد مسؤول من قريب أو بعيد عن الواقع الجديد، بحلوه ومرّه بعسله وحنظله: (بل الإنسان على نفسه ولو ألقى معاذيره) سورة القيامة: 14- 15.
وعليه فمن الخطأ الكبير استخدام الكليات في نفي الخيرات، وتعميم السلب في دفع الإيجاب، وعلى تعبير العراقي (هيچي ماكو) أي لا يوجد شيء يذكر! فهذه العبارة وأخواتها التي تتراقص على ألسنة البعض في مناسبة وغير مناسبة إنما تقع على أبواب النعم موقع الحجر على الزجاج فتهشمها، على أن القاعدة الفطرية التي يلمسها الإنسان لمس اليد أن النعم تزداد ويعم خيرها الوفير بالشكر والصبر على البلاء، ولكن هذا لا يحجر النقد البناء ولا يحظره، لأن النقد مصباح في طريق العاملين، ولكن حينما تصبح إضاءة المصباح اكبر من طاقة تحمل بؤبؤة العين، يصبح وبالا وعمىً.
من هنا فان التمادي في نفي الخير وإن كان قليلاً والتبجح بذلك عبر عدسة الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة، علامة من علامات نسيان الواقع المزري القريب الذي كان فيه كل عراقي نموذجاً للنبي موسى (ع) يمشي في المدينة خائفا يترقب، فلا أحد يزعم تكامل الأمور في العراق، ولكن من الظلم الفاحش نكران نعمة الحرية وتجاهل النعم التي يحاول الفاسدون القدامى والجدد نهبها، فالنسيان في موقع يفترض فيه عدم النسيان، نقمة ما بعدها نقمة، والتعامي عن كل آلام الماضي وأتراحه يحمل معه نذر شؤم ووبال على النعم وربما زوالها، ولا نعمة أكبر من الحريات، وتعميم السلبيات وإطلاقها منقصة لهذه الحريات، وعلامة من علامات الجحود، ولا أحد ينجو من تبعات الجحود إذا عمّ وساد، والتأفف من كل شيء في مناسبة أو غير مناسبة يشجع المتربص بالعراق سوءاً الضحك على ذقون المتأففين والناقمين ليعيد العراق إلى سابق عهده، ويعيد معه مآسٍ ظالمة ويسوق العسكر إلى حروب خاسرة وينشر الرعب في أوصال شعوب آمنة، وحينئذ ما على العراقي إلا أن ينتظر عقوداً ربما قروناً حتى يتنفس صعداء الحرية من جديد!
ومن أجل أن لا نترحم على حاضرنا ولا نبكي حالنا ولا نجلد أنفسنا بسياط التقريع والتأنيب، دعونا نؤرخ لماضينا ونتذاكره، ونعض على ألسنتنا ونعقلها ولا نطلق لها عنان التعميم المجحف، وإذا انتقدنا حالة سلبية لا نعممها لأخريات، وإذا وجدنا خلّة إيجابية بشّرنا بها وبأخواتها، فكما وهبنا الله اللسان لقول ما يجلب لنا المنفعة ويدرأ عنا المهلكة، وهبنا الحرية لإصلاح ما فسد من الأمور، فلا نكونن كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فتضيع نعمة الحرية تحت سنابك خير مادي عاجل.
الرأي الآخر للدراسات- لندن