الرئيسية » مقالات » عندما تكون المواطنة ضربا من الترف السياسي

عندما تكون المواطنة ضربا من الترف السياسي

أن يكون العراق استثناءا من دول العالم الثالث التي تشهد صراعا انتخابيا، لتتسم الأسابيع السابقة ليوم السابع من شهر آذار القادم، بممارسة انتخابية نزيهة، وتلتزم خلالها الأطراف المتنافسة بالضوابط القانونية والممارسات الدعائية المتحضرة وتكون مفردات برنامجها الانتخابية معبرة عن متطلبات المواطنين و بالتالي مدعاة للتفاضل والتميز ومن ثم كسب المصوتين لها.. أن يكون استثناء، فهذا ضرب من الأماني البعيدة في بلد لا يزال تنوء غالبية بنات وأبناء شعبه من تبعات نظام شمولي فرض على الجميع الولاء لفرد لا احد سواه، ويكابد وبعد سبع سنوات على زوال ذلك النظام، من وطء فوضى سياسية يعمقها احتراب لم ينقطع بين الكتل الطائفية والقومية على مقاليد السلطة، ولكنه تنامى في هذه الأسابيع الحاسمة، واتخذ السجال الطائفي، في جانب منه، مناحي واسعة تؤججه قنوات فضائية ممولة بسخاء، تحاور نفسها، وتلاعن بعضها البعض، وتوغل في خطابها الطائفي، وتأخذ على عاتقها أيا كانت نوايا ضيوفها مهمة إشغال المواطن المبتلي بتدبير حاجات عائلته اليومية، عن تنمية وعيه السياسي وتأصيل حسه الوطني ليساعده في حسن وحسم اختياره لممثليه في مجلس النواب العراقي الجديد. ومع هذا الصخب الطائفي المتأجج تتعالى صيحات الشتيمة وتتبادل الكتل السياسية تهم الانتقاص والفشل والتخوين، و ليلسع شواظها ممثلي الكتل والأحزاب الأخرى، بعد أن تم إتباع ذات أساليب الاحتراب داخل الكتل نفسها.

لقد صار التذكير أو الإهابة بضرورة إعلاء الحس الوطني على أي حس أو انتماء فرعي آخر، ضربا من ضروب الترف السياسي، بعد أن ذاق المتنفذون حلاوة السلطة وامتيازاتها والتي نالوها عبر إذكاء الهاجسين الطائفي و القومي. كما أن التحذير من أن العزف على أوتار الصراع المذهبي والعرقي والديني ، يعني العودة إلى أهوال حروب مدنية، وجرائم منظمة لا زالت آثارها شاخصة وجراحها نازفة ما بين مفقود ومهجر داخل البلد وخارجه من بينها جرائم ابتزاز وقتل المسيحيين العراقيين. هذا التحذير يبقى راهنا وجدي الخطر على حاضر ومستقبل العملية السياسية.

إن كل هذه الظواهر التي نشهدها الآن مؤشرات على ميكافيلية المتصارعين، ولذلك فان هدف الهيمنة على مقاعد مجلس النواب القادم يبرر لديهم اللجوء إلى اشد المحرمات المسيئة للممارسة الديمقراطية السليمة و بوسائل سبق وان مورست في التجارب الانتخابية السابقة كإطلاق الوعود غبر القابلة للتحقيق أو الرشوة أو استغلال أسماء المراجع الدينية وتسخير المال العام وشراء الأصوات الموالية بالجملة عبر كسب الولاء الجمعي بوازع مذهبي أو مناطقي أو عشائري، وفوق كل ذلك اللجوء إلى ممارسات التزوير الصعبة الرصد أو التحقق. كما أن هذا الاحتراب الانتخابي الحالي الذي تجاوز الأساليب الحضارية في المنافسة، يؤشر على شهادة البلد لأسابيع حاسمة، لا يتورع فيها الغرماء الكبار من وضع البلد على كف عفريت فوق ما فيه من أزمات أمنية ومعيشية واجتماعية عميقة.

لقد أصابت التجارب الانتخابية السابقة التي انبثق عنها مجلس النواب الحالي أو أعضاء مجالس المحافظات المواطن العراقي بالإحباط، بعد أن كان ينتظر من ممثليه أن يطبقوا برامج كتلهم أو أحزابها التي حفلت بوعود طموحة، ولكنها ظلت وعودا، و صارت عضوية مجلس النواب والمجالس المحلية مكاسب للإثراء الشخصي والمحسوبية وتفننا في أساليب الإفساد والفساد السياسي والإداري في البلد الغني بالثروات والكوادر الوطنية النزيهة و الكفوءة والذي يعيش (23%) أي أكثر من خمس مواطنيه عند مستوى الفقر.