الرئيسية » مقالات » شكرا للعريفي فقد أسدى جميلا

شكرا للعريفي فقد أسدى جميلا

لأن هذا الرد ليس موجها للشيخ محمد العريفي ، وإنما هو لكل عاقل ومتوازن في هذا العالم . فقد رأيت التريث في تناول الموضوع حتى تهدأ الزوبعة التي أثيرت و ليتسنى مخاطبة النفوس بهدوء وروية . ولكي أوضح المراد من العنوان حتى لا يساء الفهم أقول بأن أحد المولعين بالجدال أتصل بي وقال أرأيت كيف عمل العريفي بالسيستاني ؟، فقلت له أنما عمل العريفي على شاكلته ، ولكنه أسدى جميلا للعقلاء من بني جلدته كي لا يقدموا على ما أقدم عليه ، و يعتبروا بما لحق به ، ومن جهة أخرى فقد أسدى جميلا للسيد السيستاني الذي يمن الله عليه بين فترة وأخرى من ينشر فضائله كما في قول الشاعر :-
إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
أقول أسدى جميلا لأني تذكرت حادثة إدخال السبايا على الأمير عبيد الله بن زياد ، وقوله لزينب الحوراء : أرأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ، فقالت : ما رأيت إلا جميلا ، فقال لها : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين .
فأي غرابة إذن أن ينعت العريفي السيد السيستاني بـ ( …. ) وهو أقل فضلا ومرتبة وعلما من ابن زياد الذي نعت الحسين ( وهو أعلى مرتبة وفضلا من حفيده السيد السيستاني) بالطاغية .
أنه التاريخ يعيد نفسه لا غير !! . ولعمري لقد قذف العريفي قديسا واتهم سيدا مباركا وأساء الى رأس الصالحين ، وان كان هذا شفاؤه فقد اشتفى كما اشتفى ابن مرجانة من ابن فاطمة ، ولكي لا نتعجب كثيرا من قذف العريفي أقول بان التاريخ يزخر بحوادث القذف الباطل، وقد حدث مع الإمام زين العابدين أن سبّه احدهم وشتمه ، فاعرض عنه بل ودعا له بالمغفرة، وقد قيل عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله انه مجنون ، قالها مشركو قريش وهم ادني درجة من العريفي فيما اتهم من هم أعلى درجة منه أعني الخوارج وفيهم الحفاظ اتهموا عليا (وهو من هو) بالكفر .
إذن فمسالة الطعن بالصديقين ليست من المسائل المستحدثة ، فهي نتاج سلوك نفسي متعثر وغير مستقر قد يكون وراءه حسد وتنافس وأمور أخرى غير واضحة المعالم، ولكن الذي يُقدم على هكذا عمل لاشك وانه يتحلى بجرأة مبينة ، وتقول الروايات بان عددا من رجالات العرب تقدموا الى الحسين بعد أن أثخن بالجراح ليريحوه بحز رأسه فارتعدت فرائصهم ولكن شخصا جبارا منزوع الرحمة تجرأ وقام بهذا العمل وهو شمر بن ذي الجوشن، وان كان الرجل قد طعن السيد السيستاني باللسان فان شمرا طعن جد السيستاني بالرمح وجلس على صدره واحتزرأسه، وان خصوم السيستاني لترتعد فرائصهم من مهاجمته ولكن العريفي تولى هذه المهمة عنهم وفعل ما لم يفعله الآخرون ، ولكن لماذا فعل ذلك ؟! هل كان ذلك تطوعا منه ، أم كان مدفوعا الى ذلك ومجبرا عليه ونحن نعلم بان العريفي عالم ، وإن كان من الطبقة الثالثة أو الرابعة كما وصفه البعض والرجل بعمله إن كان يريد الشهرة من خلال التعرض لصاحب أكبر قضية في العالم ، أعني قضية (حقن دماء المسلمين وغير المسلمين في العراق )، فهو والحق يقال حقق الكثير من الشهرة من خلال مناظراته التليفزيونية وظهوره على الفضائيات ،فلماذا أستخدم منبرا شريفا مثل منبر الجمعة الذي يفترض استخدامه للإصلاح وليس للإفساد للنيل من السيد السيستاني الذي لا علاقة له بما يحدث على أرض اليمن البتة ، وان دعي لذلك فلن يدعو إلا لحقن الدماء ووقف الاقتتال بين الإخوة ، ومن حقه أن يبحث عن الشهرة ، فهو شاب في مقتبل العمر وأمامه مستقبل واعد ، ولكن ليس على حساب السيد السيستاني الذي تبحث عنه الشهرة مع عزوفه عن الظهور في الصحافة والإعلام .
وما فعله العريفي لم يكن حرية تعبير الذي هو حق إنساني مقدس لان هذه الحرية لها ضوابط لا تخفى عليه كما انه ليس دعوة الى الله لان الدعوة تفتقر الى الحكمة والموعظة وهما شرطان كما في الاية الكريمة:( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )، كما لم يكن طرحه يعبر عن موقف سياسي إذ ليس معروفا عنه البتة اشتغاله بالسياسة. إذن فالعريفي إنما فعل ذلك مع السيستاني لغل في صدره قديم ولو دعي لفعل ذلك مع غيره ما فعل، ولو دعي لاستخدام كلمة (فاجر) ضد البابا أو ضد أحد حاخامات اليهود ما فعل .


العريفي مسلم ويجب عليه أن يلقن مريديه في المسجد ، كيف يسلم الناس من يد المسلم ولسانه ، كما أنه ليس لأحد التذرع بحرية الرد باستخدام ألفظ نابية وجارحة إذ لا يجوز المثلة وإن كان الرجل قد جلب على نفسه نتائج عدم صون اللسان ، مع أن ردة الفعل كانت متوقعة ، لأن ( بني عمه فيهم رماح ) غير ان العريفي لم يتعجب من ردة فعل الشيعة ، ولكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة من عدم مساندة رجال الدين السنة له ، وقد كنت أتمنى أن لا يرد عليه شيعي أبد ا ، والاكتفاء بردود المنصفين من أخواننا أهل السنة والجماعة ، لكي يشهد شاهد من أهلها ويثبت أن العريفي لم يكن على شيء لا سيما أنه لم يعتبر من جهوده التي راحت سدى في قناة المستقلة ، وقد يكون العريفي قد تعرض لكلمات حادة وقاسية ، لأنه هو الذي بدا ، والبادي في الفتنة أظلم ، غير أني أجد نفسي مرغما على التزام الأدب الكامل تجاهه لأن السيستاني لا يسمح بأي حال من الأحوال لأتباعه بالتجاوز على المسيئين ، وهذا تخريج يشبه فعل الإمام علي عليه السلام ، وهو جده ، عندما منع من الإساءة إلى قاتله بل وأوصى به كما في الأخبار . والسيستاني شأنه شأن المراجع الآخرين أكتسب برياضاته وزهده وتقواه عصمة ثانوية تمنعه من الدخول في المهاترات التي يراد منها شغله عن العبادة و خدمة الناس ، ثم لو أن الشيعة استفتوا السيستاني في الرد على العريفي لمنعهم من الرد ، وكنت أتمنى لو أكون في النجف ، وأطلب الأذن على سماحته ، لكي أستفتيه وأساله عن رأيه بالعريفي وبما فعل العريفي ، وأكاد أجزم بأن قوله لن يتعدى عبارة واحدة وهي : غفر الله له ، أتركوه في شأنه ويتمثل بقوله تعالى : ( أدفع بالتي هي أحسن وكأن الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) .
إن العالم بأسره إلا شرذمة قليلة يعرف ويعترف بأن السيد السيستاني يمثل السلام ، وأعداءه يمثلون الحرب ، وهو يمثل المحبة وخصومه يمثلون الحقد والكراهية ، ولن يضيره أن يقف من هو مثل العريفي مقابله ، كما أنه لم يضر موسى وقوف فرعون قباله ، ولم يضر إبراهيم معارضة نمرود له ، ولم ينفع يزيد عداؤه للحسين .
ولا ادري متى ستعرف هذه الشرذمة القليلة قدر هذا الإنسان المقدس، هذا الرجل العالمي الذي لم يعد شيعيا ولا سنيا ولا رمزا عراقيا صرفا وإنما شخصية عالمية معتبرة لامعة قوية حتى رشحته بعض الجهات لنيل جائزة نوبل للسلام. وقد أثبتت الأيام بان الناس يلتفون حول السيد السيستاني أكثر بعد كل إساءة تصدر من أحدهم ضده ويتعاطفون معه كرجل سلام ..هذا الرجل الذي حافظ على دماء الناس كل الناس ، شيعة وسنة وصابئة ومسيحيين.
الآن وبعد أن انجلت الغبرة وهدأت النفوس ، أحسب إن العريفي وهو الراشد العاقل قد راجع حساباته و ندم على فعلته ، بعد أن أكتشف خطأ ما ذهب إليه ، وكان يتوقع بأن الناس سيتقبلون كلامه بقبول حسن غير انه أسقط في يده . ولكن هل سيعتذر العريفي أمام الملأ أم إن العزة تمنعه من الاعتذار ، مع العلم أن الاعتذار ثقافة راقية ، وتحتاج الى شجاعة من صاحبها ، فهل يملك العريفي تلك الشجاعة ؟ . فلنعتبر ما حدث سقطة أو زلة ، قد يقع فيها أي إنسان وإلا ما قيمة قول ظاهر البطلان يطلق في حالة غضب أو فورة أو تملق ، لا سيما وأن نبرة الحماس في خطابه كانت مفتعلة، لأنه معروف بروح النكتة وخلط الطرح بالمرح .
لقد حرصت كما أسلفت أن لا يكون هذا الرد مصحوبا بتجريح وانتقاص ، لأن الرد ليس للعريفي وإن كان هو المحرض ، كما أن هذا الرد ليس دفاعا عن السيستاني ، بقدر ما هو دفاع عن الكلمة وعن الحق والإنسانية . وفي الختام أذكر الشيخ العريفي بقول الله سبحانه وتعالى : ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ، ثم يرم به بريئا فقد أحتمل بهتانا وإثما عظيما )وقوله تعالى ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) . وألفت عناية السيد السيستاني إلى قوله تعالى : ( فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون )
وأقول لكم : رب ضارة نافعة .