الرئيسية » مقالات » ثورة لإنقاذ فتات الإنسانية

ثورة لإنقاذ فتات الإنسانية

موسيقى شجية ترفعني عالياً مع أنغامها الرّوحانية، تحملني بين كفّتيها، سابحةٌ في سكون الليل وصمته الغامض، أبحر في أمور حياتنا وسط برد الليل، أتدفىء بفنجان قهوتي، ألتحفه وموسيقاي الهادئة تسربل ضياعي في عتمة السكون الذي تسكنه حكايات مروّعة وأخرى رائعة، تغمرني روح الموسيقا بدفء حنون أرتعش له إستسلاماً وطرباً، أغوص في دواخلي التي تهتزّ مع أوتار آلاتها فتوقظ أشجاناً غفت وباتت في طيّ النسيان، فنحن نعاني فقداناً لكلّ شيء يرتبط بالعواطف والوجدان، وجوعاً مخيفاً للموسيقا لتعيدنا لإرتعاشاتنا الإنسانية، كجوعٍ يذوّب أحشاء قاراتٍ كاملة في ظلّ المرض والجهل المتفاقمان، لأنها جاءت على أرضٍ لا تمتلك ثروات ليطمع فيها المبشرون والمعمرون والمنجمون، فنزلت عليهم لعنات السماء المتمثلة بالحكومات، ليموتوا في إنتظار إمدادات غذائية متذبذبة، رغم إن الكثير من البشر يشعلون أنفسهم شموعاً لتنير أبصارنا المغمضة عن وقائع كوكبنا المفخخ بالمآسي، يحاولون عبثاً أن يوقظوا الضمير الإنساني الذي يشخر في نومٍ طال كثيراً، وبغيابه فقدت حتى مجالس الموت رهبتها المبجّلة، لكثر ما أُعدمت الإنسانية في حروبٍ نووية، خلّفت بشراً مشوّهين وأشعلت الأرض ككرة من اللهب ودفنت ملايين الجثث في أنظمة تتبّعِ الموت وأداً بمقابرٍ جماعية، حتى صار الموت مشهداً لحظياً، يبتلع أناساً يُقتلون تسمماً بالرصاص والزرنيخ لبناء معاملٍ تجارية، وربط رزم الأموال في حسابات حيتان السوق الإقتصادية المتصاعدة بقفزات صاروخية لحدّ القرف دون أن يشبعوا، وبيع منتجات ملوثة من قبل شركات عالمية تعبث بحياة أطفال الرّضع أيضاً!! فحتى الرّضع لم ينجوا من خطط الربح، وباتوا أسماكاً بريئة في مصيدات مهووسي الثروة المنصوبة على البشرية، في بلدانٍ تعاني من أزماتٍ سكانية، وأخرى تسعى لربط بحارٍ ببعضها قد يزرعوا فيها جزراً ومصايف جديدة لهؤلاء المعظّمين، المثقلين بالعملات ودفاتر الشيكات، فينثروها لبناء فنادق طائرة!! فعالمهم مقبلٌ على ثورة بناء فاحشة يدعمها ويستغلها رجال الأعمال المسلّطة عليهم أضواء الكاميرات مع زوجاتهم الحسناوات المتبرجات، في معارض التكنولوجيات الإلكترونية، التي صارت موضة مستحدثة في عامنا الطفل المبتدىء لتوّه، حيث يتوعد عملاق ثروة وإعلان معاً، فالثروة تجلب لك ما تريد وما لاتريده وما لا يخطر في دائرة إرادتك، يتوعد السيد بأبتلاع عملاقاً آخراً في صراعاتٍ محتدمة تشبه حلبات مصارعة الثيران المكسيكية، عندما يتنافس راعيان عبر ثوريهما الثائرين، وهنا يتنافسون بهواتف ذكية وفنادق وأبراج أنتزعت خيرات الأرض ونجوم السماء..
يا للأشمئزاز لما آلت إليه حال البشرية، حتى تاريخنا صار ممرّغاً في التراب، يمجّد رجالاً تافهين، لقذفهم أحذية في وجه رموزٍ وطنية، رقصت على طبولها وسائل الإعلام شهوراً، تاركين قاراتٍ بطولها وعرضها تحت رحمة الجوع، بعيداً عن سبقهم وسباقهم الإعلامي لأصطياد الحدث، من قذف حذاء وانتشار وباء واختراع سجائر إلكترونية بدل العادية، الكوبية والأمريكية والمحلية، تلك التي تعودناها كالخبز رغم علمنا بأنها مسكونة بسرطانات رئوية، إلّا إن غالبية سكان كوكبتنا المكروبة يسرفون في تدخينها، ليعطوا أنفسهم شعوراً قطعياً بأنّهم ينتمون لمجموعة في خضم هذه الأزمة التي يعاني منها الفرد الإنساني من وحدانية موحشة جنائزية، فيقبل على أيّ شيء ليعطي نفسه أبعادٍ كأبعاد الآخرين وموضوعاتٍ كموضوعاتهم ليهرب من ظلمة الفردية إلى جنة تناقض المجتمع، الذي صار المال والسلطة هموم سكانه وأحلامهم الدائمية..
نعم.. الإنسان بات محتاجاً لثورة كثورة العبيد ضد معتقد سمو البيض، وثورة العمال ضد غطرسة الرأسمال، فربما يتنازل الثنائي الذهبي، الربح والسلطة عن عرش الأولوية لتصعد إليه بقايا وفتات الإنسانية!!