الرئيسية » مقالات » هل للكلام نظام؟؟

هل للكلام نظام؟؟

عندما يتفوه الإنسان بشقشقات كلامية خارجة عن مألوف القول أو الموضوع المتحادث فيه ترى ندمائه الذين يشاركوه الحديث ينبرون في نصحه وتوجيه بطرق مختلفة كل حسب أسلوبه حيث تتعدى درجة النصح إلى التأنيب لما يقوله المتحدث من كلام يجافي أصول الأسلوب الخطابي العقلائي ,فهنا يأتي التساؤل طارحا نفسه بقوة بإشكال عدة وبصياغات مغايرة والمعنى واحد هو هل لكلام الإنسان نظام ينتظم من خلاله ؟؟؟ أم أن الكلام يطلق بلا قيد أو شرط !!! سؤال بسيط من حيث الصياغة ولكن بعده ألمفاهيمي عميق ولا بد من تقدمة طلالية للعروج على فحوى الجواب لسؤالنا وللتعريف بمعنى الكلام ,فالكلام ميزة فضل الله بها الإنسان عن باقي المخلوقات حيث أعطاه القدرة على التفكير والنطق ,فالكلام يعبر عن مستودعات الضمائر ويخبر عن مكنونات السرائر ,فهو بحق سمى وهبها الله للإنسان وميزه بها ,وهذه السمة الكلامية التي يبديها اللسان منبعها التفكير بحيث يتعانق التعبير اللغوي تماما مع مجرى التفكير دون نقص أو زيادة فنعمة العلم ملاكها نعمة اللسان ونعمة اللسان ملاكها نعمة الكلام فالكلام أذن نعمة وهبة من الله للإنسان ليعرفه بقدر نفسه وليجعله يدرك حقيقة كينونته كجنس بشري له الرفعة والمكانة على كل الخلائق وضع على عاتقه أصلاح الأرض .
فبالكلام بعث الأنبياء والرسل كدعاة ناطقين ,وبالكلام تصلح وتعمر وبالكلام تفسد وتخرب وتدمر ,فعلى الإنسان الالتزام بقواعد المنطق العقلاني عند التكلم وأن يتبنى نهجا اصطفائي ,لان الكلام جيد وسيء ,فإذا حاد الكلام عن المنطق العقلائي والنهج الاصطفائي أصبح نقمة على الإنسان ومصدرا لمشاكله ,فكم من كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة وفي حديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قال (وهل يكب الناس على وجوههم ألا حصائد ألسنتهم) لهو خير فائدة وتبيان فالدروس المستوحاة من أقوال الرسول وأهل بيته (ع) في هذا المجال كثيرة تعطينا جرعة تعريفية بقواعد النظام الكلامي وتزيد المرء انضباطا في مخارج ألفاظه إذا تأملها ,ولعل أروع ما ذكر من أقوال تصلح كحكم والتي وقفت عندها العقول بتأمل هوما جاء في كلام للإمام علي عليه السلام في قصته مع الأعرابي الذي قصد إليه شاكيا وهي قصة شهيرة بين أوساط المسلمين حيث تعتبر مثالا يقتدى به ,فملامح الفائدة واضحة فهي تحملنا على توخي الدقة في الكلام وتحكيم العقل الذي يعتبر مناط التفكير ,فكلام الإمام هو لتنوير الأجيال وإفهام الفكر الحديث وتوعيته إلى قواعد وآداب الكلام …. والقصة نصها: (جاء إعرابي إلى الإمام علي (ع) في شكاية على والي إحدى الدويلات في زمن حكم الإمام فعندما دخل على الامام سلم عليه فقال : الامام قبل إن يتكلم الإعرابي عبارة المشهورة كحكمة بين أوساط العامة من المسلمين إلى يومنا هذا “تكلم لأراك ,المرء مخبوء تحت طي لسانه”) انتهى .. فيالى هذا المنطق الحكيم الذي يصعق الألباب والذي يعلو كلام البشر ويدنو كلام الله فهو يقول :إي الامام علي (ع) تكلم لأراك وكأنه لم يعرف إلية النظر ,ولكنه قصد بهذا القول المرمى البعيد ,حيث أراد القول انطق وتحدث لأعرف جوهرك الباطني ومخزونك الفكري فهما قوام شخصية الفرد ومن خلالهما ينظر إليه فهيئة الإنسان وملبسه لا يعبران بالضرورة عن منطقه الكلامي فكثير ما تخفي الأسمال البالية نفوسا أبية وقوية بما تخبر وتحدث وبهذا وضع سيد البلغاء والمتكلمين الأرضية للنظام الكلامي.
فالمرء بما يفكر ويتكلم فهو مخبوء تحت طي لسانه ما أن تحدث أظهر بواطن فكره وكشف عن قريحته فقيمة المرء أذن ما ينطق من قول مشذب يتسم بالايجاز بعيدا عن الإطالة والإسهاب التي تتعدى أحيانا إلى الهذر وبهذا قال الشاعر : الشعر لمحٌ تكفي إشارته وليست بالهذر طولت خطب .
فمن كثر كلامه كثر خطأهُ ,ومن كثر خطأهُ قل حياءهُ ,فالإنسان عند كلامه يتحتم عليه التروي والتأني والابتعاد عن العجالة في الحديث وان يرد على قدر ما يسأل أن كان عارفا ولا يجادل في شيء يجهلهُ ,ويبتعد قدر المستطاع عن اللجاجة في حواراتهِ فعن الرسول الكريم (ص) قال (إياكم واللجاجة فأن أولها جهل وأخرها ندامة) ,فمن هذه النوادر الكلامية والروائع البيانية التي تعلو هرم الوعظ وتسمو على خطب النصح نستشرف حاضرنا بماضينا فمن أراد لنفسه منطقا فصيحا عليه أن ينشد ما قيل من هذه النوادر والحكم ويجعلها ميزانا لكلامه فالعبر خير اعتبار ,وليقف عند كلامه لبرهة ليتأمل في حديثهِ وليحس بنفسهِ قبل النطق فلا حديث بلا معرفه ودراية كي لا يندم سلفا في إصداراته الكلامية ,وإذا استشعر في نفسه بأن تغليب الصمت أفضل من الكلام فليصمت فصمت يكسبك الوقار خير من كلام يكسبك الشنار .
فعلينا جميعا أن نتبع نظاما كلاميا في حديثنا يجعلنا نتحكم بالمدخلات والمخرجات أي أسلوب الفهم والتكلم ليكن كلاما مقبولا للسامع ومحط إعجاب لمتلقيه ,قريب الإفادة بعيد الإساءة وهذا بحد ذاته ملخص دقيق لنظام الكلام فإذا ما سئل إنسان هل للكلام نظام يقول وبهمس بسيط نعم للكلام نظام وللسان التزام ,فرحم الله من قال خير فغنم أو سكت فسلم .