الرئيسية » مقالات » مبادئ ثورة الحسين (ع) هي التي حفظت الأسلام من التحريف الجاهلي ج 4

مبادئ ثورة الحسين (ع) هي التي حفظت الأسلام من التحريف الجاهلي ج 4

بعد أستشهاد الأمام الحسين عليه السلام ومن معه من أهل بيته وأصحابه الكرام في ملحمة الطف الخالدة في كربلاء يوم العاشر من محرم عام 61 للهجرة , هجم رعاع القوم من المعسكر الأموي على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذوهم أسرى وسبايا الى الشام وأرسلوا معهم رأس الحسين وبقية رؤوس أهل بيته وأصحابه الأبرار وحملوها على الرماح نكاية منهم بأهل بيت النبي محمد (ص) , وبعد رحلة الأسر الشاقة من العراق الى الشام , وصل موكب سبايا آل محمد (ص) الى قصر يزيد بن معاوية في دمشق عاصمة الشام حيث وُضع رأس الحسين عليه السلام بين يدي الفاسق عن دين الله يزيد بن معاوية في طشت من ذهب , وجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده و يتشفى ويتشمت بالرسول محمد (ص) وبالأسلام وهو يتمثل بشعر مشركي قريش ضد المسلمين وهو يقول :

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزل
لست من خندف إن لم انتقم من بني أحمد ما كان فعل *1
وهنا برز الدور الخطير للجانب الأعلامي والمكمل للتعريف بنهظة وثورة الأمام الحسين (ع) الأسلامية المباركة ونشرها بين أوساط الناس , لأن الأعلام الأموي للطاغية يزيد أشاع بأن قافلة الأسرى التي ستدخل الشام هم أسرى من الخوارج ولم يتجرأ بان يقول بأنهم أسرى آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وخدع الناس بهذه الأشاعة الخبيثة و الكاذبة ولذلك راح الناس المخدوعين يحتفلون بأنتصار الخليفة الفاسق عن دين الله الطاغية يزيد على أعدائه من الخوارج !

والذي قام بهذا الدور الأعلامي العظيم لنهضة الأمام الحسين عليه السلام , هما : أختهُ الحوراء السيدة زينب بنت الأمام علي عليهما السلام , والأمام علي بن الحسين (ع) والملقب بزين العابدين أو السجاد لكثرة سجوده لله تعالى .

فعندما رأت وسمعت ذلك في مجلس الفاسق يزيد , ذلك المجلس الذي كان بمثابة مهرجانا لأحتفال الطاغية يزيد بقتله لآل محمد (ص) والذي كان فيه عدداً كبيراً من قادته السياسيين والعسكريين والكثير من الناس الذين حضروا للأحتفال يهذا اليوم , خاطبتهُ حفيدة الرسول الأعظم محمد (ص) وعقيلة بني هاشم الحوراء زينب بنت علي أبن أبي طالب وبنت فاطمة الزهراء وأخت الحسين عليهم الصلاة والسلام , وقرعتهُ ووبختهُ وردت عليه بكل شجاعة وأباء مستصغره قدره وسلطانه ومستنكرة فعلته النكراء وجازفت بحياتها في سبيل الله لتنفض الغبار عن الحق والحقيقة ولتنطق كلمة حق في وجه سلطان جائر , وتعرف الباطل بكل صراحة ووضوح , بالرغم من أنها كانت أجل شأناً , وأرفع قدرا من أن تخطب في مجلس ملوث لا يليق بها , لأنها سيدة المخدرات والمحجبات , ولكن الضرورة أباحت لها أن توقظ تلك الضمائر التي عاشت في سبات الدعاية الأموية الفاسدة ضد أهل بيت النبي محمد (ص) !

وقالت في ردها و تقريعها ليزيد كلاما بليغا , نأخذ ببعضه توخيا للأختصار وقالت فيما قالت له : … ( أمن العدل يا ابن الطلقاء ، تخديرك نساءك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه *2 ، قد هتكت ستورهن ، وأصحلت صوتهن ، مكتئبات ، تخدي بهن الأباعر ويحدو بهن الاعادي من بلد إلى بلد لا يراقبن ولا يؤوين ، يتشوفهن القريب والبعيد ، ليس معهن ولي من رجالهن .
(وسيعلم من بوأك ومكَّنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم الله والخصم محمد صلى الله عليه وجوارحك شاهدة عليك (فبِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) ، مع اني والله يا عدو الله وابن عدوه استصغر قدرك واستعظم تقريعك ، غير ان العيون عبرى ، والصدور حرى وما يجزي ذلك أو يغني عنا وقد قتل الحسين عليه السلام .)

(ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء) ,( فهذه الايدي تنطف من دمائنا ، وهذه الافواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكى يعتامها عسلان الفلوات فلئن اتخذتنا مغنما ، (لتجدنا وشيكا مغرما) , حين لا تجد الا ما قدمت يداك ، تستصرخ يابن مرجانة ويستصرخ بك وتتعاوى واتباعك عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية قتلك ذرية محمد صلى الله عليه ، فو الله ما اتقيتُ غير الله ولا شكواي الا لله فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك , ولا يرحض عنك عار ما أتيت الينا أبدا , والحمد لله ، الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة أسال الله ان يرفع لهم الدرجات وان يوجب لهم المزيد من فضله فإنه ولي التقدير . ) * 3 …
وبعد أن أكملت السيدة زينب(ع) خطبتها ووصّلت رسالتها الأعلامية المدوية وفضحت هذا الحاكم الظالم ومرغت كبريائه بالوحل وفضحت مخططاته التي تستهدف الأسلام بالرغم أنه كان محاطا بجلاوزته وحاشيته وكانت هي مجرد أسيرة مكبلة بالأصفاد والسلاسل , ولكن أبنة بطل الأسلام ومحطم أصنام الجاهلية الأولى الأمام علي عليه السلام بفصاحتها وجرئتها في الحق على أعداء الله أستطاعت من إماطة اللثام عن الوجه الحقيقي للأمويين وكشفت للناس زيفهم وكفرهم , وعرفوا حينها الناس الحقيقة المرة !

بعدها تذمر الكثير من الحاضرين في مجلس يزيد عند سماعهم تقريع السيدة زينب للحاكم الطاغية يزيد , وأنقلب المجلس الى ساحة محاكمة لجرائم يزيد ولم يتوقع هذا الأنقلاب المفاجئ وفقد السيطرة على نفسه , وأخذ يتدارك ذلك الأمر بمقاطعته لكلام السيد زينب (ع) ألا أنها لم تعره أهمية واستمرت الى أن أكملت خطبتها البليغة التي سجلها التاريخ في فضح بني أمية لقتلهم أبناء الأنبياء ومحاولاتهم الخبيثة لتحريف رسالة الأسلام الحقيقي والتي جائت لتحرير الانسان من الخوف و العبودية والظلم والوقوف بوجهة الطغاة والظلمة مهما طغوا وتفرعنوا على شعوبهم !

وبذلك أستطاعت غادة كربلاء الحوراء زينب (ع) أن تفضح بخطبتها الجريئه في مجلس الطاغية المستبد يزيد كل الذين حاولوا أو يحاولون تحريف مبادئ الأسلام المحمدي الأصيل وإفراغه من محتواه الرسالي وتعبئته بالأفكار الجاهلية الأموية الظلامية التي تستعبد و تقهر الأنسان المسلم وتسلبه كرامته وحقوقه بالحياة وتحرم عليه وتصدهُ عن الثورة أو الخروج عن طاعة الحاكم المسلم المستبد الظالم الذي يحكم بأسم الأسلام , بذريعة المحافظة على وحدة الأسلام و المسلمين , وكشفت زيف تلك المبادئ المنحرفة عن الأسلام الحقيقي والتي تحجر على عقله وتحاصر تفكيره بمنظومة من فقه وعاظ السلاطين بأمر الحاكم الجائر بأسم الدين وما أنزل الله تعالى بها من سلطان سوى أنها كانت فتاوى جاهزة يفصلها لهم فقهاء ووعاض السلاطين المرتزقة , كما نرى اليوم الكثير منهم ينتشرون في بلادنا الأسلامية ويفصلون الفتاوى كما يريدها الحكام الطغاة والعملاء منهم , وليس كما تمليه عليهم مبادئ الأسلام الحقيقية , بل كما تمليه عليهم ضمائرهم الفاسدة التي باعوها الى الحاكم بثمن بخس !

فسلام الله على بطلة كربلاء السيدة زينب (ع) حفيدة الرسول محمد(ص) التي نقلت الرسالة الأعلامية للنهضة والثورة الأسلامية المباركة بكل أمانة وصدق , مع أخيها سيد الشهداء أبي الأحرار الأمام الحسين عليه السلام حتى لا يستطيع أبناء الطلقاء من بني أمية ومن أعداء الأسلام الرسالي الأصيل من تشويه أو تحريف مبادئ نهضة الحسين(ع)

*1 سيرة ابن هشام 3 97 , 645,
وشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 2 382 ,
تاريخ ابن كثير 8 192 ,
و ورد في مقتل الخوارزمي 2 58

*2 هنا أرادت السيدة زينب (ع) بتعريف الناس بأنها من أسارى آل محمد (ص) وليس من الخوارج كما أشعاته الدعاية الأموية الخبيثة بين أهل الشام

* 3 في الإحتجاج:2/34 ، واللهوف/214
و رواها كذلك ابو الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور في كتابه بلاغات النساء والخوارزمي في المقتل.