الرئيسية » مقالات » فلنتعلم من السودان جميعنا

فلنتعلم من السودان جميعنا

اخيراً صرّح الرئيس السوداني عمر حسن احمد البشير يوم امس، ان خرطوم ستكون اول عاصمة تعترف باستقلال الجنوب وسلطته من الدولة السودانية اذا ما قرر شعبها ذلك في الاستفتاء العام المزمع القيام به في شهر كانون الثاني/يناير من عام 2010 القادم، ياتي هذا التطور في الخطاب الحكومي السوداني بعد اكثر من 11 عاماً من الحرب الاهلية بين اقليم الجنوب المسيحي وسلطة الشمال المهيمنة على مقدرات البلاد لفترة طويلة.

حيث انتهت الحرب الاهلية والمذابح المتبادلة بين الطرفين في اتفاقية عام 2005 للسلام والتي وقعها الرئيس السوداني البشير مع الراحل جون كرنغ رئيس جبهة تحرير الجنوب ليتبوأ كرنغ بعدها منصب نائب الرئيس في الحكومة السودانية لفترة وجيزة انهتها سقوط طائرته ووفاته في ظروف غامضة ليستلم زمام امور النيابة من بعده سلفاكير وارثاً تركة ثقيلة من المشاكل والاشكالات لم تُحل بعد بين السودان واقليم الجنوب.

لاشك ان تصريح البشير هذا لم يأت (كعادة رؤوساءنا العرب) لولا الضغوط الاقليمية والدولية الكبيرة التي واجهها مؤخراً سيما محاولات الولايات المتحدة الامريكية تقديمه للمحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ابادة جماعية في اقليم دارفور، وهو ما استدعى البشير الظهور بمظهر المتسامح مع حقوق الاقليات واعطائها الحرية في خطوة لذر الرماد في عيون الغرب عسى ان ينسيهم ذلك ما ينوون فعله.
لا ننسى ايضاً موقف بعض الدول ومساندتها فكرة استقلال الجنوب علناً كليبيا التي تستضيف مؤتمر القمة الافريقي حالياً، وهو ما ساهم في تهيئة الظروف الموضوعية والاقليمية للاستقلال او قبول الفكرة مبدئياً، بعد ان توصلت كل الاطراف المتنازعة للقناعة التي تقول باستحالة حل المشكلات العالقة بين الطرفين الشمالي والجنوبي ونسيان ذلك الارث الدموي الذي خلفته الحرب الاهلية انذاك.

في تصوّري انه حل منطقي سلمي معقول جداً يحقن دماء السودانيين بمختلف طوائفهم ويرسم لنا ملامح مستقبلية لتفكير عربي جديد، مُغاير في ادبياته لحقبة شعارات الوحدة ويوطوبيا الامة الواحدة.
انه تفكير يستقيم مع حقوق الانسان واعلان شأنه فوق كل الدونيات الاخرى ومنها الحدود والاراضي.
انها ثورة جديدة في طور التكوين تستهدف تكسير اصنام الحدود لتقدس كينونة الانسان باعتبارها الاصل الذي يجب ان يسمو على اعتبارات شعاراتية ازهقت ارواح الملايين دون جدوى، بل بعضها رضخ للواقع في النهاية لكن بعد بحور من الدم للاسف الشديد.

في زمن تعلو فيه قيم الانسانية ومبادئ العدالة الاجتماعية والانتصار للمظلومية التاريخية للانسان، لابد للجميع من ثورة شاملة لانقاذ ذلك الانسان وانهاء حاكمية الجغرافيا القسرية عليه، اذ ليس من الانصاف ان يخلق الانسان جغرافيته بيده ثم يعبدها ويقدسها، لا بل تنقلب عليه تلك الجغرافيا وتضطهده لا لشيء، الاّ لانه اراد التحرّر منها وعبادة ما هو احق منها، اَلاَ وهي الذات البشرية.

لعلي ارى ملامح ثقافة جديدة تتشكل سريعاً في وعي امتنا الجمعي، تحمل في طياتها قيم الحداثة والنظرة العالمية الجديدة لمفاهيم راقية تنطلق من الانسان وللانسان فقط بعيدة عن خرافات الجغرافيا وخزعبلات التاريخ.

هل سيستفيد العراقيون من التجربة السودانية لانهاء حقبة دموية مؤلمة مرّت على ابنائه؟ ام مازال في القوس منزعاً للكثير من الفوضى والخراب!!
على اية حال مَن يقع اسير التكبر وعدم الرضوخ للواقع في تحدّيه لرغبة تقسيم العراق على الطوائف والمكونات كحل ابدي ومثالي لمشكلاته، سوف يرضخ لها عاجلاً ام آجلاً كما فعل البشير يوم امس.