الرئيسية » مقالات » مصطفى سعيد ينقش جدران الحب

مصطفى سعيد ينقش جدران الحب

يطل مصطفى سعيد على القارئ عبر شقوق شعره المجبول من طينة الحب . يطل باسم جديد/شكل جديد للحب. الحب حين يصبح بوابة نحو العالم، و يصبح طريقا يفضي إلى الكون بكامله، طريق في حاجة إلى تعبيد ، إلى براعة مهندس/شاعر يرسم معالمه و يصمم جنباته و تفاصيله .

– قلبي المشرعةُ أردافُهُ من كلِّ الجهات..

– مسيجٌ بحضنكِ..

– مسيّجةٌ بأطرافي..


– حولنا أسلاكَ شائكة..

– مجدٌ خرسانيٌّ مُسيج ..


كل ما قد يبدو لنا هنا من سياجات و حدود و أسلاك و جهات ، هي ليست من أجل وضع الحدود للحب و تسييجه، بل من أجل ان يكون شاسعا بلا حدود . من أجل ان يكون بحجم هذا الكون :

– نُهندسُ أجسادَنا ..
نُعيدُ هيكلةَ الروحِ..
نهندسُ خارطةَ الكونِ

و يصبح للحب معناه الكوني الشامل ، و عبقه الفلسفي :

– كلُّنا سيهذي..
كُنا في هذا الكونِ.
سنهذي بالأمسِ..
بالملكوتِ.. بالإربِ..
سنهذي..
حين نخلعُ أثوابَنا اللحميّة
عن أرواحِنا..

– أحبكِ لأرتقي لحدودِ اللاوجودِ



و ليس اختيار عنوان هندسة الحب مجرد اعتباط ، ليس فقط لأنه عنوان إحدى القصائد بل نجد كل مساحة داخل الديوان تزخر بقاموس هندسي ( ان صح التعبير) ، جهات و اطارات و مسافات وطرقات دائرية أو معبدة و أشكال هندسية:

– احفري فيَّ
لأساساتِكِ
لبنائكِ الأزليّ..


– فحدودُكِ برزخان
وعرضُكِ مقدارُ الكونِ
وضعفان..


– المنحدرُ المُعتقُ تحتَ رقبتِكِ
منحدرٌ يتفرعُ من طريقٍ دائري..
طريقٌ بنافذين..
صُكَّ عليهما..
سُلالةُ المعذبين..
سُلالةُ الأولين..



– وأطلقُ أناملي..
لتعبرَ حافةَ الكوكبِ المقوسِ كالهلالِ
الفضاءُ رحبٌ مثلَ صدري..
النجومُ ثابتةٌ
مصابيحُ بأيدِي الملائكةِ..


– واليومَ أصبحَ العالمُ كلُّهُ زاوية..



الحب في ديوان هندسة الحب له طعم آخر و قيمة أخرى و وزن آخر . يأخذنا مصطفى سعيد لنكتشف معه الحب حين يصبح يقينا ، حقيقة مطلقة لا تختلف عن حقيقة وجود الكون ، أو وجود الله . حقيقة لا شك فيها و لاتحتاج الى جدال .
في قصيدة عجينة الله يخاطب الشاعر الحبيبة قائلا :

– لما أيقنتُكِ متأخراً
ضيّقة كانتِ السنينُ
حالكةً بلا طين..

انه وصول الى اليقين. الحب يقين كان غائبا و تجلى واضحا نقيا ساطعا. يقين مكمل لليقين بوجود الله ، كانت العبادة ناقصة و كملها الحب :

– عِندَ جنباتكِ يكتملُ الصراطُ
بينَ عتباتكِ أُكمل دينيَ المبعثر
يا عجينةَ اللهِ..

لكن القصيدة تقودنا إلى منحى آخر ، هذا اليقين بدل أن يشد الحبيب نحو حبيبته قاده نحو الله ، تحولت مناجاة الحبيبة الى مناجاة الله ، و تنتهي القصيدة بهذه العبارات و كأنها كانت قصيدة دينية :

إلهي..
أنتَ جاهي..
أركعُ لكَ في القعرِ..
أومَـن ألهـمَني سـواكَ
سماؤكَ لاتتسعُ للتائهين..
مذاقُ الجنةِ ثمين..
إلهي..


ثم في قصيدة ” المؤدلجون نحوك” يخاطب الحبيبة بنفس نبرة العبادة و نبرة الخشوع أمام المعبود ، بل و التسليم للمعبود بأنه سبب الوجود:

جسدي
أنبتَهُ الحنينُ لكِ
وروحي سجدَتْ في المشيمةِ
قبلَ أن تراكِ


و في قصيدة ” بين برزخين” مازالت الحبيبة تحمل نفس الصفات، صفات المطلق ، و الحقيقة، و الوجود :

وروحُكِ
غذاءُ البشرِ
المنسكبِ بآنية الله..


الحب اذن حقيقة مطلقة ، بحلوه ومره ، بألمه و أمله ، هو سبب من أسباب الوجود ، يقودنا نحو الكون ، يقودنا نحو أنفسنا ، و يقودنا نحو الله .

و الديوان بكامله لا يحمل شعرا في الغزل ، برغم بعض المفردات التي تصف جسد المرأة و التي قد يعتبرها البعض مفردات غزلية لكنها ليست كذلك ( شفاهك – نهديك- أردافك…) . و لكن الحب هنا يظهر في مطلقيته و صفاءه و فلسفيته . و بين كل سطر و سطر نستشعر ألم الحب أكثر من فرحه ، مما يجعل القصائد كلها اغان كتبت ببراعة ، لا تحكي حكايات حب ، بل توقظ داخلنا حزنا جميلا و دافئا يدفعنا للبحث عن قيمة الحب و عن صفاءه.
مصطفى سعيد اذن لا يهندس الحب ليبنيه ، بل إن الحب هنا صرح ثابث لا يتزعزع كل ما يفعله الشاعر هو التعبد في هذا الصرح و نقش جدرانه و تزيينها بأبدع الكلمات و أسمى المعاني ، و تلك قمة الخلق و الابداع.




الشاعرة: الهام ملهبي – المغرب
ilhammalhabi@hotmail.com

نقلاً عن جريدة البلاد السعودية
http://www.albiladdaily.com/news.php?action=show&id=44447