الرئيسية » مقالات » الخراب والتعليم والإرادة ، البصرة نموذجاً

الخراب والتعليم والإرادة ، البصرة نموذجاً

في برنامجها اليومي (يوميات مدينة) عرضت قناة الشرقية نهار السبت 16 يناير 2009
فيلماً تسجيلياً عن (المعقل ـ صبخة العرب) بالبصرة والمأساة الانسانية التي تعيشها المنطقة وسكانها وسط أكوام من الأوساخ والقاذورات والطرق الترابية الخربة تملأها المياه الآسنة، والمعاناة الانسانية التي تفوق التصور. مثلها مثل الغالبية العظمى من المناطق في كل مدن العراق التي لم تصلها يد الاهتمام والرعاية والعناية والتصليح والاصلاح والإعمار بحدها الأدنى المفروض توفرها في بلد غني مثل العراق لا سابقاً ولا الآن. وقد عانت ولا تزال تعاني الإهمال والتقصير واللامبالاة على مرّ الزمن ومرور الأنظمة الحاكمة المختلفة.

الحقيقة أنّ الذي لفت نظري بشكل أكثر من غيره من مظاهر وصور مؤلمة وخراب عمراني للبنى التحتية كانت المدرسة الابتدائية في المنطقة. حين رأيتها تذكرت مطلع معلقة طرفة بن العبد:

لخولةَ أطلالٌ ببُرقةِ ثهمدِ …. تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليدِ

لكنّ لساني انطلق لحظتها لا شعورياً ليقول، مع الاعتذار للشاعر طرفة:

لبصرةَ أطلالٌ بصَبخةِ معقلِ ….تلوحُ كباقي الحربِ في غزو منزلِ

ما رأيتُه منظرٌ يفوق كلّ ما يمكن أن يوصف من دمار وخراب مادي ونفسي وكأنّ المنطقة خارجة من حرب قريبة، وإن مرّت عليها حروب وحروب، وهو نموذج أمكن تصويره ضمن نماذج لا ترضي ولاتسرّ تقوم بعرضها القنوات العراقية وفق عملية رقابة إعلامية لوضع اليد على السلبيات ومكامن الخراب والانهيار في البنى التحتية والاهمال وفقدان الحرص على الاعمار والاصلاح، وانصراف المسؤولين والأحزاب والقوى السياسية الى أمور أخرى لا علاقة لها لا بمصالح الناس، ولا بمصلحة الوطن الجريح، ولا بالالتفات الى الدمار الذي لحق بالبلد عبر كل أنماط الحكم التي مرّت بتاريخه.

ولا بد هنا من الإشارة الى أن القنوات الفضائية العراقية صنفان: صنف يعرض السلبيات انتقاداً لغرض الإصلاح والتغيير، وصنف يعرضها لأمرٍ في نفس يعقوب!

مدرسة مبنية منذ أكثر من سبعين عاماً مثلما ورد على لسان أحد المواطنين ، إذ ذكر أنّ أباه دخل الصف الأول في هذه المدرسة قبل سبعين عاماً! بناية المدرسة تدل على قِدمها. لكنّ منظرها المزري في البناء المتداعي والجدران الخربة المتصدعة شيء يتعدى كلّ تصور ليثير الرثاء والغضب ممزوجين بحزن عميق.

ارضية المدرسة رملية مليئة بالنفايات التي تجلبها الرياح من هنا وهناك لتجد لها مكاناً آمناً في ساحتها وفي صفوفها العارية. قاعات الصفوف سراديب تحت مستوى الساحة وبلا أبواب، ونوافذها من غير زجاج، والجدران خربة متصدعة ، المقاعد الدراسية مكسورة ومتضعضعة ، المراوح السقفية منحنية الأجنحة سوداء من الأوساخ المتجمعة حولها. الريح تصفر في القاعات مثلما تصفر في الأطلال الخاوية على عروشها.

أما غرفة المعلمات فأمرر مكمل للخراب اللاحق بالمدرسة ككل، ولا أدري كيف يتمكنّ من أداء واجبهن التعليمي في هكذا بيئة خربة بائسة لا تتوفر فيها أية شروط تعليمية ناهيك عن الانسانية!

وسط هذه البيئة الموبوءة والخراب الكبير استخلصتُ ظاهرةً ايجابية واحدة لمحتها في وجوه التلاميذ السُمر وعيونهم اللامعة وفي وقفة المعلمين، والتي أوحت بالاعجاب وأثارت الأمل، إنه هذا الاصرار على التعليم والتعلم. فرغم كل ما في المدرسة من خراب مادي وبيئة رثة إلا أنّ عنصر الارادة في التعلم والتحلي بالعلم وبناء الذات والذي لا حظناه على التلاميذ والمعلمين هو مبعث تقدير واعجاب وتثمين وتفاؤل.

الناس بصغارهم وكبارهم يتحدون الصعاب والعراقيل والمستحيل ليصلوا الى بَـرّ أحلامهم ومربع آمالهم من خلال تغذية النفس بالثقافة والعلم، مع حجم هذا الصبر المشهود على تحمّل كلّ الظروف القاهرة دون أن تنهار النفس أو تلين، بل بالعكس عزيمة في المسير بالحياة للوصول يوماً ما الى الهدف المنشود في البناء المدني والحضاري والثقافي وخلق انسان جديد يتحدى الصعاب ويرفع يده في وجه الاهمال والفساد والتخريب ويوصل صوته الى كل البقاع والأماكن والمواقع مطالباً بحقه وحقوقه الانسانية مواطناً في هذا الوطن.

كانت عيون التلاميذ الصغار تقدح بالأمل والعزيمة وقهر المصاعب، وصوت المعلمة والمعلم وهما يلقيان درسيهما رغم الظروف السيئة والسبورة المتهرئة البائسة. فلربما يأتي يوم تتحوّل فيه هذه المدرسة أثراً تاريخياً مشرقاً يسجل لأهمية التعليم في بناء الفرد والأمة والسير على طريق التقدم واكتساح المتخلفين والفاسدين والأميين واللصوص الذين هدروا ويهدرون ثروات الأمة من خلال الاهمال والتقصير أو السرقة أو التبذير غير المبرر في الأمور غير النافعة أو في توزيعها على المرتزقة والنفعيين والانتهازيين والطبالين والمداحين.

تطفو البصرة على محيط من البترول وهي أغنى مدينة في العالم، ومع ذلك فهي تعاني من الفقر والبؤس والاهمال وتردي الخدمات. وليس هذا حالها فحسب وإنما حال المدن العراقية بمجملها. وقد ضربناها مثلاً للكل من خلال الجزء.

والسؤال الذي نوجهه الى أهل البصرة الأعزاء أنفسهم والذي يطرح نفسه بالحاح:
لماذا رفضتم الفدرالية التي نادى بها جاهداً النائب وائل عبد اللطيف الذي كان يحلم أن يحيل البصرة جنة بمواردها النفطية التي تغطي العراق، والتي نعمت بها مدن اخرى ردحاً طويلاً من الزمن دون أن يتمتع أهلها بها؟!

لقد كان أمل وائل عبد اللطيف أن تتحكم البصرة بمواردها ويعمل أبناؤها من خلال قادة مخلصين من أبنائها على بناء محافظة وعاصمتها ومدنها لتضاهي المدن المتطورة الزاهية في العالم. وكان المثال الذي يضعه أمامه هو أقليم كوردستان. لكن أهل البصرة هم الذين خيّبوا أمله وهدفه بنظرة خاطئة الى معنى الفدرالية.
فهل أهل الامارات العربية المتحدة أصوب بصراً وأحكم بصيرةً من أهل العراق؟

وها أنتم أعزائي أهل البصرة تستجدون اليوم وبلا جدوى المركز و”الرئيس القائد” ليقدم اليكم مكرمة عسى أن تنهضوا من كبوات الخراب وأمراض التخلف المدني والعمراني، وهو حقكم الطبيعي!

أما كان الأجدر أن تقدموا أنتم الى المركز ؟!

وربّ قائل يقول أن الفساد الذي ينتشر في محافظة البصرة هو السبب. ونقول: أين إذن دور الناس الذين يقعون تحت طائلته ويئنون من وقعه في تغيير الحال وتحسين المآل؟

ومع ذلك فتحية تقدير الى أهل صبخة العرب صغارهم قبل كبارهم ومنهم الى أهل البصرة اصحاب الطيبة المشهودة، وذوي الارادة الصلبة والعلم والثقافة التاريخية واصرار التحلي بالعلم ومواصلة مقارعة الصعاب.


عبد الستار نورعلي
السبت 16 يناير 2009