الرئيسية » مقالات » بشر كالتماثيل …لاحياة فيهم …!

بشر كالتماثيل …لاحياة فيهم …!

عدسة ـ شه مال عادل سليم ـ 2009


اوقفني خبر عن الامير وليام نجل ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز ، الذي يأتي في المرتبة الثانية في خط الخلافة على عرش انكلترا وانا اتصفح احدى الصحف اليومية الدانماركية , بعد ان امضى ليلة كمشرد في يوم شديد البرودة للتضامن مع المشردين في احدى شوارع لندن . . لتسليط الضوء على معاناتهم والامهم , حيث نام الامير داخل كيس للنوم إلى جوار العديد من حاويات القمامة بالقرب من جسر بلاك فريار الشهير في لندن ليلة 15 ديسمبرالتي شهدت انخفاض الحرارة إلى أربع درجات تحت الصفر .
وبعد قضاء ليلة واحدة كمشرد قال الامير مصرحا للاعلام ” بعد ليلة واحدة امضيتها في الشارع لا يمكنني حتى ان اتخيل صعوبة ان ينام الشخص في شوارع لندن في العراء ليلة بعد اخرى”. واردف قائلا ” بان المشردين فعلا معرضون للخطر ” . وجدير بالذكر ان الأمير وليام يترأس بشكل شرفي العديد من المنظمات الخيرية من بينها منظمة “سنتر بوينت” المعنية بالمشردين ( 1 ) والتي كانت تٌدعم من قبل والدته الاميرة الراحلة ديانا ايضا .
وما اريد قوله هنا وانا اتابع بفضول اخبار الامير وتضامنه مع المشردين , انني تذكرت وبالحاح كل المشردين( 2) الذين قابلتهم في العراق وخاصة بين شريحة النساء والاطفال والمعوقين الذين حفروا بكلماتهم ودموعهم و الامهم ومعاناتهم وماساتهم على جدار قلبي ….
نعم تذكرت المتسولين والمتشردين الذين التقيتهم في شوارع وساحات واكواخ وطني ومن كل الاعمار ، من كبار السن الى الاطفال , اناثا وذكورا , ومن الشباب والشابات بعضهم من الحفاة وبعضهم ينام في الساحات اذ لا ملاذ لهم وبعضم وتحديدا المعوقين منهم يفترشون الارض ويتلحفون السماء !……تذكرت هؤلاء المشردين والفقراء الذين يزداد اعدادهم يوما بعد يوم ….واسأل كل من يعنيه الامر ماذا عن الفقراء والمشردين في العراق وهم يصارعون الصقيع والبرد والامطار والثلوج في الشتاء والحر الخانق وعواصف التراب في الصيف ؟
من يسلط الضوء على معاناتهم ؟ من يتضامن معهم ؟ من يمسح دموعهم ؟ من يسمعهم ؟ الى متى يبقون هكذا امام عواصف العوز والمرض والاهمال ؟ الى متى ؟
وهل هناك احد يحاول ان يستفيد من تجربة الامير وليام ؟ واقصد هنا تحديدا المسؤولين في حكومتنا الموقرة الذين يؤكدون وباستمرار على حق الإنسان في الحياة والعمل والتعبير والعيش الكريم !…. نعم اقصد اصحاب القرارات ……. الذين انتخبهم الشعب بعد ان وعدوا بالعمل لتحسين الاوضاع الاقتصادية بشكل خاص وزيادة المداخيل بعد ان تخلصنا من الاستبداد والمستبدين على امتداد عقود من الزمن في عراق الحروب و المهالك والانفالات ………نعم في عراقنا المغمس بالدم !….
اقول لكم مخلصا ….
حاولوا ايها السادة …ولو لمرة واحدة فقط …ان تجرّبوا التشرّد وتتضامنوا مع مشردي وطنكم لتعرفوا الفرق بين الدفء والوجبات الدسمة والفراش الوثير والغرف المكيفة وبين العيش في الشوارع والاكل من حاويات القمامة وقضاء الحاجة في الطرق وخلف الحيطان المهدمة وشرب الماء الاسن والنوم في الاكواخ وعلى الجرائد والاكياس … حاولوا ولو لمرة واحدة ان تروا و تسمعوا الحقيقة كما هي …
اسمعوا ….اسمعوا صرخات وبكاء ونحيب المشردين التي تشق عنان السماء …. …. غادروا قصوركم الفخمة واتركوا خدمكم وحشمكم والتحقوا بالمشردين ـ واسألوا انفسكم لماذا يقضون هؤلاء اجمل ايام عمرهم في الشوارع ؟ اسألوهم واسمعوا معاناتهم ـ ولا تتركوهم في العراء وهم يعانون من البرد والجوع والضياع في العراق الجديد الذي نعمل جاهدين على إقامته ….
اقبلوا التحدي وضحوا بليلة من لياليكم للقضاء بجانب المشردين في شوارع العراق لمعرفة حجم معاناتهم وتفهم ظروفهم الصعبة التي لا توصف حقا ….
اخيرا …….
السؤال الذي يطرح نفسه وبالحاح هو : هل نفاجىء بقبول التحدي من قبل المسؤولين والمهتمين بهذا الجانب وهم في أجواء التنافس (الديمقراطي) نحو انتخابات نيابية (حرة نزيهة وشفافة جدا ) ؟ ………

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ هناك اكثر من 4000 مشرد في شوارع لندن حسب الارقام التي نشرتها الحكومة البريطانية ….

2 ـ التقيت في زيارتي لاقليم كوردستان بمجاميع كبيرة من المشردين والمتسولين من كلا الجنسين ـ فالنساء اخذن يسردن مشاكلهن وطلباتهن شريطة عدم ذكر اسمائهمن وان كانت بالرمز فقط … وللتاريخ اقول بان اغلبهن كنّ من الموصل وحويجة ومدن العراق الجنوبية ولهن اطفال وباعمار متفاوتة ….. بعد ان تركن ديارهن خوفا على حياتهن وحيوات عوائلهن واختاروا الاقليم كمكان امن لهن ولعوائلهن … وان الكثيرات منهن وافقن على نشر صورهن مادام الامر يصب في حل مشاكلهن وعرضها على الجهات المعنية…… طبعا باستثناء البعض منهن وخاصة الشابات اللواتي رفضا رفضا قاطعا التصوير والحديث عن مشاكلهن واسباب تشردهن ليأسهن من الوعود تلو الوعود حيث قالت أحداهن ” ملينا من الاسئلة والاستفسارات وسئمن الوعود تلو الوعود” ثم اردفت قائلة ” لااحد يسمعنا وما فائدة الاسئلة والصور ؟ يوميا نلاقي ابشع انواع الاهانة والعذاب ! اتركنا بحالنا الله يخليك ” تركتني وذهبت باتجاه اخر والدموع تنزل من عينيها ! .