الرئيسية » شؤون كوردستانية » الأقتتال الكوردي ـ الكوردي سيعمل على وأد التجربة الكوردية الفتية

الأقتتال الكوردي ـ الكوردي سيعمل على وأد التجربة الكوردية الفتية

بدءً أقول أنا لست كورديا فقوميتي هي كلدانيـــة ، لكني اعتبر نفسي صديقاً للشعب الكوردي ، وكثيراً ما اكتب في شأن القضية الكوردية وعن تجربة اقليم كوردستان ولا اخفي تعاطفي واعجابي بالتجربة الكوردية التي اتسمت بتوجهات ديمقراطية علمانية ، مما اكسبها موقفاً سليماً مقبولاً من قبل المكونات الصغيرة الدينية والعرقية ، واتمنى ان يقتدي بها مجمل الوطن العراقي ويتوجه الى الحكم العلماني الديمقراطي بدل الخوض في مستنقع الطائفية الدينية السياسية بأبشع صورها وهي التي حطمت العراق وبنيته التحتية وأدخله في بحر من الدماء ، وفي الفساد المالي والأداري ، ووأدت تجربته في تطبيق الديمقراطية والعدالة والمواطنة الحقيقية .
اجل إن تجربة الأقليم جاءت بعد ان كابدت المنطقة الويلات والحروب على مدى عقود ، ولكن اليوم فإن المنطقة تجر انفاسها وتنكب على البناء لكي تواكب الركب الحضاري الأنساني وليأخذ شعبها مكانته في عملية بناء العراق اولاً وأقليم كوردستان ثانياً .
لقد تبخر حلم الشعب الكوردي بتكوين كيانه السياسي المستقل بعد إجهاض تجربته الأولى في جمهورية مهاباد حيث وئدت تلك التجربة وهي في مهدها ، فكان وضع نهاية دراماتيكية لذلك الحلم قبل ان يصبح حقيقة بعد القضاء على جمهورية مهاباد في اواخر عام 1946 م . لقد كانت تلك التجربة ومصير ذلك الشعب واحدة من الأوراق التي كان يلعب بها الكبار في اواخر الحرب العالمية الثانية ، وهكذا كان قدر هذا الشعب ان يستخرج العبر من تجربة مهاباد وتحتم عليه ان يرتب اوراقه من جديد وبشكل دقيق مع ذاته اولاً ومع جيرانه الأقوياء ثانياً .
ولكن بعد حوالي نصف قرن من تلك التجربة تكررت تجربة مريرة اخرى وهي الأقتتال الداخلي الكوردي ـ الكوردي في اواسط التسعينات من القرن الماضي ، لكن أرى اليوم إن اي اقتتال بين فصائل المكون الكوردستاني هو تمرد على مصالح الشعب الكوردي ومهما كانت المبررات ، ان سخونة الأحداث السياسية وتطورها الى مواجهات عسكرية تجعل من الرؤية الموضوعية للاحداث ضبابية ، إن لم تكن معتمة تماماً . فيكون من الأفضل ضبط النفس والتريث لانجلاء الضباب وتصبح الأمور واضحة المعالم ويجري الحراك على طريق واضح يستنير بالحكمة والتعقل ، ولا شك ان من يعنيهم الأمر بشكل رئيسي مباشر في درء خطر الصراع الداخلي هو رئاسة اقليم كوردستان برئاسة الأستاذ مسعود البارزاني ورئيس الحكومة الأستاذ برهم صالح .
إن مصلحة الشعب الكوردي تتطلب وقوف تلك القيادة على مسافة واحدة من القوى في طرفي النزاع بغض النظر عن ثقل ووزن اطراف النزاع ، لان كلا الفريقين ، ينبثقان من صميم الشعب الكوردي ومصالحه الحيوية . فحركة التغيير التي يقف في مقدمتها الأستاذ نوشيروان مصطفى تعتمد على قوتها في برلمان كوردستان وعلى رصيدها الذي يبلغ حوالي ربع المقاعد في هذا البرلمان . وكذلك الأتحاد الوطني الكوردستاني وهو بزعامة الرئيس العراقي الأستاذ جلال الطالباني .
لكن ليس من المصلحة والمنطق ان تلجأ بعض الأوساط الى المقارنة بترسانة الأسلحة وعدد المقاتلين التي يملكها الأتحاد الوطني الكوردستاني او حركة التغيير ، فإنها قطعاً مقاربات غير عادلة ولا تصب في مصلحة الشعب الكوردي ، ففي اي حال من الأحوال لم تكن الأسلحة او هؤلاء المقاتلين لم يكن تدريبهم وتسليحهم مخططاً له لضرب طرف كوردي بطرف كوردي آخر ، إن تلك الأسلحة لدى اي طرف من الأطراف مكملة ومتضامنة من اجل فرض القانون واستتباب الأمن في ربوع كوردستان والدفاع عن ارض الوطن العراقي عموماً .
إن الفريقين يحملان تاريخاً جذرياً مشرقاً في النضال من اجل مصالح الشعب الكوردي إن كان على الساحة السياسية او العسكرية ، حالياً ، او في العقود الماضية في مرحلة النضال من اجل حقوق الشعب الكوردي . وهكذا يكون كل من الطرفين معني ومسؤول بضرورة المحافظة على مصلحة الشعب الكوردي ، ولا يحق لاي منهما ومهما كانت المبررات ، ضرب إناء الحليب وسكبه على الأرض بعد جمعه ، لانه ثمرة نضال الشعب الكوردي بعد النضال على مدى عقود من السنين وآلاف الضحايا .
من جانبه فإن الرئيس مسعود البارزاني لا يمكن ان يقبل في تعكير الأجواء في اقليم كوردسنتان وهو يرى ان مسألة التنافس السياسي والإختلاف في الأفكار ووجهات النظر ظاهرة صحية، لكنه يؤكد أن التجارب الماضية أثبتت أنه لا يمكن معالجة المشاكل والخلافات بالعنف والإقتتال والإنقسام وعدم الإستقرار ولا يستفيد من انتهاج هكذا خيار أي جهة، بل في ظروف كهذه من الضروري إتباع طريق الحوار والتفاهم وقبول الآخر، وبذلك يمكن تجاوز الخلافات وحماية المنجزات .
إن شعبنا الكلداني والمسيحيين بشكل عام يهمنا استقرار المنطقة في عموم العراق وفي اقليم كوردستان ، ورغم ما لحق بشعبنا الكلداني من تهميش ، فلا زال الأمل يحدونا بأن يحتل شعبنا الكلداني مكانته الطبيعية في اقليم كوردستان وأن يعاد اسم قوميته الكلدانية الى مسودة الدستور الكوردستاني ، بموازاة وبما ينطبق مع ما هو مدون في دستور العراق الفيدرالي .
لقد كان منح الأجازة الرسمية للمجلس القومي الكلداني في اقليم كوردستان مؤخراً يعتبر مؤشراً ايجابياً في ان يتبوأ شعبنا الكلداني مكانته التاريخية ويساهم في بناء العراق الديمقراطي ورفد التجربة الفتية لاقليم كوردستان .
حبيب تومي / اوسلو في 15 / 01 / 2010