الرئيسية » مقالات » البحراني وبدايات العمل القومي

البحراني وبدايات العمل القومي

في سنة 1911 انتقل رؤوف البحراني مع مجموعة من زملائه من خريجي المدرسة الرشدية الجعفرية الى مدرسة الإعدادية الملكية والوحيدة في بغداد، ومن هناك سيتعلق البحراني بالسياسة.

يقول المؤرخ الدكتور محمد حسين الزبيدي: “في سنة 1913 افتح النادي في بغداد وكان قد أسسه مزاحم الباجه جي مع عدد من أفاضل بغداد وقد كان هذا أشبه بمدرسة قومية ومكاناً لالتقاء الطلاب ومناقشة أوضاع بلدهم… كان تلاميذ المدرسة ينتمون الى معسكرين، معسكر ينادي بالطورانية والاندماج بالشعب التركي وجلهم من أبناء الجالية التركية في بغداد ومن غير العرب من الأقليات والمعسكر الآخر ينادي بالعروبة وضرورة إنصاف العرب في أوطانهم وجعل لغتهم في بلادهم لها الأولوية وان يتمتعوا باللامركزية في بلادهم، وكان يتزعم هذا المعسكر السيد إبراهيم حلمي العمر ورفاقه أمثال رؤوف البحراني وغيرهم مما اضطر احد الولاة الى نفي إبراهيم العمر إلى الموصل“.

هؤلاء الشباب، ومنهم رؤوف كان يحزّ في نفوسهم ما يجري في قاعات الدرس من الإشادة والتمجيد بالسلالة التركية وعدم ذكر أمجاد الأمة العربية مما جعلهم يشعرون بالأسى وعدم الإنصاف من إدارة المدرسة والهيئة الحاكمة.

وعندما تنبه الولاة الأتراك إلى هذه الحالة والموجة العارمة من الوعي القومي العربي حاولوا القضاء عليها وقبرها في مهدها فعمدوا الى اضطهاد العناصر الطلابية البارزة واستعمال القسوة المتناهية معهم فنفت السلطات التركية عدداً من الطلاب البارزين ومنهم إبراهيم حلمي العمر إلى الموصل وهددت الطلاب الآخرين وطلبت منهم تناسي ماضي أمتهم العربية وتاريخها، ولكن هذا الأمر ألهب المشاعر الوطنية وصارت الفكرة العربية تتمركز وتترسخ في ضمائر الطلاب ونفوسهم وصار الشعراء والأدباء يستفزون هذه المشاعر ويحرضون الناس والطلاب على المطالبة بحقوق العرب والعراقيين، فنفت الحكومة التركية الشاعر المعروف عبد الحسين الازري والأديب إبراهيم صالح شكر الى مدينة (قيصري) في قلب الأناضول كما أبعدت المثقفين من أبناء العرب والجنود المدربين الى أماكن متفرقة وشتت شملهم.

ومما كتبه الزبيدي عن هذه المرحلة الزمنية سنعرف أنه عندما أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 سنت الدولة العثمانية قانون الخدمة المقصورة الذي شمل خريجي المدارس العالية وطلابها وطلاب المدارس السلطانية ودور المعلمين وكان ممن شمل بهذه الخدمة رؤوف البحراني، إذ جندت مواليد 1898، 1899 وصارت تدربهم لإرسالهم الى خط النار وكان رؤوف يومها في المرحلة الأخيرة من الدراسة وعلى وشك إنهائها والسفر إلى اسطنبول لإكمال دراسته العالية ولكن المقادير كانت في غير صالحه.

وبعد أن أنهى رؤوف الدورة التدريبية وزع هؤلاء الجنود على القطعات العسكرية على طول الإمبراطورية العثمانية وعرضها وقد أبعدت الفرق العراقية العربية من العراق الى شمال الأناضول على الحدود الروسية حيث قسوة المناخ والبرد الشديد الذي كان سبباً في موت كثيرين برداً وكان نصيب رؤوف ان يلتحق بجبهة إيران الأمر الذي سره وأفرحه.

غادر رؤوف ضمن فوجه في بغداد في 16 شباط 1916 ووصل الى خانقين يوم 24 شباط على عربات تنقل الأرزاق وتجرها الخيل ثم قصر شيرين وهناك وجد أعدادا كبيرة من الجنود المتطوعة الإيرانيين للقيام بحركة تحريرية يقودها فرمان فرمان احد افراد العائلة القاجارية المالكة مع دول الاتفاق والدرك الذين استأجرهم الألمان تحت قيادة قائممقام عسكري يدعي (كرنل بوب) وفي هذا الوقت بدأ المطر يهطل بغزارة وتشتد العاصفة وهم يسكنون في ممر طويل من خان قديم لا يقي من البرد والحر تعصف به من كل جانب ويروي لنا رؤوف البحراني في مذكراته المخطوطة أحداث تلك الليلة (الليلاء) كما يسميها.

وبعد معارك عدة وطويلة استمرت سنتين مع الروس كانت فيها الحرب كر وفر في شمال العراق دخل الإنجليز العراق من جنوب البلاد ثم دخلوا بغداد فكانت خيبة أمل للجنود العراقيين. وبعد ان تنقل رؤوف في مناطق بعيدة عن الوطن: حلب ثم أزمير ثم فلسطين، وفلسطين ودرعا، والكسوة في الجزيرة العربية، وشاهد دخول القوات العربية (قوات الأمير فيصل) دمشق وتأليف أول حكومة عربية في العالم العربي ورفع علم الثورة العربية على دار الحكومة وشاهد أفراح العرب وسرورهم من اندحار الدولة العثمانية وانتهاء الحرب لصالح العرب كان ذلك في شهر أكتوبر 1918.

ثم بعد ان وضعت الحرب أوزارها واندحر الجيش العثماني وتفرقت الجيوش، عاد رؤوف الى بغداد حيث أهله وأحبته كان ذلك في آذار 1920 وكان يوماً مشهوداً لعائلة البحراني وأصدقائهم بعد غياب دام أربع سنوات قضاها في جبهات القتال وقد منحه الله عمراً جديداً.