الرئيسية » مقالات » لابد من بيروسترويكا عراقية

لابد من بيروسترويكا عراقية

بعد نشر مقالتي “الحل الامثل هو تقسيم العراق طائفياً وقومياً” في بعض المواقع الالكترونية قبل يومين او ثلاثة، استلمت عدة تعليقات وردود من قراء سواء على بريدي الالكتروني ام على مواقع تسمح بالتعليق كانت قد نشرت المقالة .. وكالعادة كانت بعض هذه الردود لا تخرج عن الاطار الجاهلي الهمجي في طريقة التعاطي مع فكر الاخر المختلف، فالتخوين والاتهام بالعمالة والتجاوز بالالفاظ النابية كانت قد وصلت في بعض تلك الرسائل الى المقدار الذي لا يمكن ان يبعث على الامل بان هذه الامة ممكن لها ان تتغير وتصل الى ربع ما وصلت اليه البلدان الافريقية وليس الاوربية والغربية لاسمح الله .. انها لعمري نكبة كيف يبقى العقل الشرق اوسطي حبيس زنزانة التخلف البدوي الى ما لا نهاية.
الانفعالية والتسرع بالرد والسطحية في التعاطي مع كل مخالف هي السمة الغالبة على بنية التفكير العربي سيما العراقي الذي هو ليس نشازاً عن ذلك الواقع الصحراوي حيث نبتت بين ثنايا رمله كل ذي عرق جاف لا يألف الترطيب ولو كان ماء الورد.

بالمقابل اتسمت ردود اخرى باريحية تامة وتقبل كامل لواقع التقسيم منطلقة من عقلية واقعية عرفت ان الجنون هو ان تصارع الجنون نفسه، وان لا تقبل بما ستفقده غداً .. فكل الشكر والتقدير على هؤلاء لسعة جماجمهم ومعرفتهم الدقيقة بواقع الحال العراقي.

اعود لعنوان المقالة واقول بدءاً ليس كل مَن قرأ التاريخ يُعد مرجعاً تتوكأ عليه عقولنا في الاستدلال عن ما هو صالح او فاسد لحياتنا ومستقبلنا، فكثيرون هم مَن قرأوا التاريخ لكنهم لم يقرأوه بعقلوهم بل ما قرأته واملته عليهم ايديلوجياتهم ومرجعياتهم الفكرية فكان الانحياز والتقهقر واضحاً في تقييم ذلك التاريخ، كلٌ حسب منطلقاته التي يعدوها من المقدسات غير قابلة للمساومة او المراجعة.

انطلاقاً من هذه المقدمة البسيطة نجد ان اغلب المنتقدين ان لم يكن كلهم لسياسة البيروسترويكا التي انتهجها الرئيس الروسي السابق ميخائيل غورباتشوف اواخر الثمانينيات من اجل حل الازمات المتنامية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، كانوا من الشيوعيين المتطرفين الذين لا يعرفون سوى الانتقاد دون اعطاء حلول بديلة. ولم يكونوا منصفين في التعاطي مع غورباتشوف او على الاقل معرفة الاسباب التي دعته ان يتخذ مثل هكذا سياسة تتبنى اعادة هيكلة الاتحاد وفق نظريات جديدة قابلة للتداخل والتضاد مع الفكر الشيوعي الحاكم آنئذ .. ذلك لانهم حلموا بان الامبراطورية الشيوعية هي نهاية التاريخ بالنسبة للعالم وسوف لن تكون هناك اي نظرية سواء في الاقتصاد او السياسة تستطيع كسر جدار الشيوعية. لهذا لم يكونوا مستعدين حتى لسماع مبرّرات غورباتشوف وقتها بل كانت الاتهامات تتوالى عليه من كل حدب وصوب، فهذا يتهمه بالخيانة والاخر يقول ان غورباتشوف تربى في حضن المخابرات المركزية الامريكية وثالث يقول بانه شيوعي منافق يبطن رأسمالية عفنة الى ما غير ذلك من الترهات.

لا ادافع عن غورباتشوف ولا يعنيني الاتحاد السوفيتي لكني اقول بان الرجل كان قد اعطى من خلال تلك السياسة حلولاً وساهم بشكل مؤثر في امتصاص غضب الجمهوريات السوفيتية المتنامي نتيجة تردي الاوضاع السياسية والاقتصادية في البلد حيث كانت الحرب الاهلية على شفا حفرة والابواق تدق نذر الحرب ليل نهار معلنة عن نهاية مرحلة سابقة وبداية مرحلة جديدة حمراء سوف لا تنهي الاتحاد فقط بل حتى روسيا الام .. فعجّل الرجل من طرح سياسات التغيير وقرر اخيراً الاستماع الى المعارضين ووجهات نظرهم ضمن ما يعرف بالبيروسترويكا .. ولان الفكر الشيوعي الشمولي رديف للدكتاتورية ولا يعرف غير لغة العنف والعصا تجاه المخالفين فقد تصادعت موجة من الاعتراضات والاتهامات ضد الرئيس غورباتشوف وحاولوا ثنيه عن اهدافه دون جدوى لانه كان قد عزم على خوض اللعبة الى النهاية .. وفعلاً جنّب روسيا حرباً غير مبررة فيما انفصلت عدد من الجمهوريات السوفيتية دون دماء وبقيت اخرى لم تزل تقاتل من اجل استقلالها.

في العراق مثلث البيروسترويكا السنة والشيعة والاكراد هم مَن يجب ان يضعوا نهاية لمشاكل العراق .. فالمكاشفة والمصارحة واعلان النوايا بشكل صريح وعلني وهي التي تمثل جوهر البيروسترويكا يجب ان تكون وفي اسرع وقت ممكن بين مثلث الاحداث في العراق واقصد بهم كما قلت الشيعة والسنة والاكراد.

حيث يجب ان يُصار الى تشكيل لجنة عليا من سياسيي ومثقفي ووجهاء الشيعة والسنة والاكراد ليتصارحوا فيما بينهم حول ما يريده جميع الاطراف، اذ مثلاً ينبغي على الطرف الكردي والشيعي على وجه الخصوص ان يطلب من الطرف السني امراً صريحاً ومباشراً هل انتم مع العملية السياسية الحالية؟؟ ان انتم كذلك يجب عليكم ان تتخلوا عن الماضي تماماً ونسيان صدام وبعثه وزبانيته بالكامل والاندماج في المجمتع العراقي واحترام خيارات الاغلبية والايمان بالعملية السياسية التي وقع لها 70% من الشعب العراقي، والاّ لا يمكن الاستمرار مع لعبة القط والفار حيث مرة معي ومرة اخرى مع البعث والحنين الى الماضي.

بالمقابل يجب على السنة ايضاً ان يوجهوا كلاماً مباشراً الى الاكراد والشيعة هل انتم فعلاً مع ضرورة مشاركة العرب السنة في الحكم وضمان عدم تهميشهم؟؟ ام ان هذا في الظاهر فقط وفي الباطن مؤمنون بان السنة هم مَن اضطهدوا المكونات الاخرى من الشعب في الفترات السابقة؟
هل لديكم نوايا بتقسيم العراق الى كانتونات ودويلات طائفية وقومية ام انكم مؤمنون بوحدة العراق واراضيه؟؟

هذه هي المصارحة والمكاشفة وبعد ان يتم التوقيع على وثيقة يشهد على صحتها كل العالم حينها يستطيع العراقيون المضي بمشروعهم الديمقراطي دون خوف او تحسّس من الاخر.
وان اخل بالاتفاق احد هذه الاطراف او خرج قرقوزاً عانياً جديداً يتشرف بانتماءه الى قمامة البعث حينها ستخرق الوثيقة ويكون للطرف الكردي او الشيعي او حتى السني اذا ما حصل انتهاك لحقوقه من قبل المكونات الاخرى، الحق ان يستقل باقليمه وينشأ دولته بعيداً عن الاخرين بعد سلسلة من المقدمات والاجراءات كنت قد ذكرتها في مقالتي السابقة حيث الفيصل النهائي فيها موافقة الجماهير.

على الاطراف الكردية والشيعية ان تعطي ما يشبه الانذار النهائي للسنة (لانهم للاسف الشديد وبكل صراحة لا يخفى على احد هم مَن يكثر بين صفوفهم المتعاونون مع البعثيين او المتباهون بحكم الخاكي الصدامي دون مراعاة مشاعر المظلومين من حكم صدام وزبانيته) .. وان يصارحوهم ويعلنوا على الملأ باننا الكرد والشيعة ماضون في مشروعنا الديمقراطي فاهلاً بكم اخوة وسند لنا في عمليتنا السياسية ان رغبتم المواصلة في عراق واحد وموحد والاّ فالتقسيم افضل لنا ولكم وكونوا احراراً في دنياكم ونصبّوا الذي تريدونه حاكماً عليكم ولو كان عزت الدوري.

لا اعتقد ان هناك حلاً افضل من هذا الحل، وان كان لدى كتاب الخارج من افكار تساعد على انتشال هذا البلد من واقعه المزري وتخليصه من مفخخات البعثوسلفيين فليقدمها والاّ فالميوعة والبرود والاتكالية والتكبر كما جاءت مؤخراً في مقالات بعض كتاب الخارج الذين لم ترَ عيونهم او تسمع آذانهم مفخخة (صغيرونة) من مفخخات الاخوة الاشقاء، سوف لن تحقن دماء الشرفاء الابرياء.

فليسكتوا وليكفوا عن العويل والبكاء على مخلوق هجين خلقه الشيطان المستعمر وجمع تركيبته قسراً، اسمه العراق، قدّسته الاجيال كما قدّست ذلك الكلب الذي دفنه احد الصيادين ظناً منهم انه احد اولياء الله الصالحين، حيث يُروى ان رجلاً كان قد دفن كلبه الذي كان عزيزاً عليه جداً وبنى على قبره ضريحاً لاستذكاره كل عام، وقد شاءت الاقدار ان يغادر ذلك الرجل قريته لسبب من الاسباب .. وما ان رجع بعد سنين عدة حتى وجد القرية برمتها تقدس ذلك الضريح وتقدم له الاضاحي وتحكي عن كراماته التي ملئت الخافقين، فما كان من الرجل الاّ ان يصيح باعلى صوته انه كلب .. نعم انه كلبي انا، لقد دفنته قبل سنين وليس ولياً صالحاً. فهل صدّقه الناس؟ كلا بل انهال عليه الجميع بالضرب وقالوا انك تشتم مقدساتنا ومضى الجميع مستريحاً مع هذه القدسية حتى العبادة.

ها نحن نعيش ذلك التاريخ ونقدس ما قد دفنه الشيطان سايكس بيكو بين ثنايانا، ولولا خوفي من ان تطول المقالة اكثر، لكنت قد ذكرت كيف نشأ العراق، وماهي اهم اقاليمه قديماً، وكيف اُقحم الاكراد في هذه الخارطة قسراً، وكيف جُزأت الاقاليم لتقطع من دول وتنحل في دول اخرى حسب ارادة الحلفاء وسياساتهم.

اخيراً، هل ستفرز الاحداث القادمة في العراق غورباتشوفاً عراقياً جريئاً يضع حداً للمآسي والآلام؟
لا والذي نفس كاتب المقالة بيده، فلا يجرأن احدٌ من سياسيي العراق الجديد على هذه الخطوة اطلاقاً، حتى يُذبح الشعب باكمله وتعود امتنا من جديد .. عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
Suzah1@yahoo.com