الرئيسية » شؤون كوردستانية » نحن الكورد والذئاب وعملاءهم من المثقفين؟ –

نحن الكورد والذئاب وعملاءهم من المثقفين؟ –

هناك أقوام وشعوب تأخذ من الحيوانات المتوحشة ( كالأسد والذئب) والأليفة (كالبقر والكلب والحمار)، وكذلك من الطيور (كالنسر والطاووس) وغيرها معبودات لها، أو مجرّد رموز دينية تتبارك بها وتقدسها، ومنها ما تعود بأنسابها القبلية إلى الحيوانات ك (بني جحش وغنم) مثلاً، و(أبناء الذئاب) كما في أسطورة رومولوس وريموس عن بناء مدينة روما، وهكذا الترك العنصريون يتباهون ب”الذئب الأغبر” ويقولون بأن جدهم الأكبر تربّى في كنف ذئب، فلهم جمعيات وأحزاب وشركات ورايات ونوادٍ وفرق فنية تحمل صورة الذئب أو صورة رأسه، وهناك في تركيا من يعيش من بيع تماثيل الذئب، بل حمل الترك معهم ذئبهم إلى سائر الدول الأوربية أيضاً، فتراه في بيوتهم ومجالسهم وحوانيتهم، ويصل الأمر لدى بعضهم إلى التغنّي بالذئب الأغبر وتمجيد عقلية العدوان واعتبار الترك كلهم قوم ذئاب قادرين على نهش أجساد الشعوب الأخرى، ويعزز هذا الفكر بشكل صارخ ومنظّم في الثكنات العسكرية ولدى فرق الوحدات الخاصة والمخابرات والمدارس العسكرية…
ولذا لم أشأ رؤية الفيلم التركي المعرّب حالياً “وادي الذئاب”، على الرغم من أن بعض معارفي وجدوه مسلياً ومثيراً ويمكن للمرء أن يتعلّم منه أشياء عديدة…ولكن برأيي أن المرء يتعلّم أكثر من السياسة التركية التي هي نتاج فكر “طوراني” عريق يعتقد بعقيدة “الذئب الأغبر”، وفيلم وادي الذئاب هذا ليس إلاّ نتيجة ثقافية واحدة من نتائج هذا الفكر، لا أكثر ولا أقل…
جاء هذا الفيلم ليرفع من معنويات الجيش التركي التي أحبطها الأمريكان قبل سنوات في كوردستان العراق، عندما اعتقلوا مجموعة من ضباط أمنهم وعسكرهم، وأدخلوا رؤوسهم، التي كانت شامخة قبل ذلك وتهين الكورد في عقر دارهم باستمرار في أكياس الورق، وكأنهم معتقلون إرهابيون، واقتادوهم مكبلين بالأصفاد، بعد أن كانوا هم يكبلّون الفلاحين والمقاتلين الكورد ويقودونهم أمامهم كالغنم صوب المذبحة… فلم يجد الترك أسلوباً آخر سوى “الفيلم السينمائي” للانتقام به من الأمريكان والاسرائيليين، حيث في الواقع اليومي لايمكن لهم أبداً القيام بعمل معادٍ لأمريكا لأن ذقون جنرالاتهم في أيدي حلف الناتو، والحلف يمنحهم كل شيء من جرابات الصوف العسكرية إلى النياشين والطائرات المقاتلة، تلك الطائرات التي يحتاجون إليها لقصف الجبال الكوردية كل يوم…
وإضافة إلى الأهداف التجارية والقومية من جرّاء انتاج فيلم تركي كهذا، يحمل معانٍ عنصرية وتمجيد للعسكريتاريا والاستخبارات التركية، و”معاداة للسامية” حسب رؤية الحكومة الاسرائيلية، إحدى صديقات تركيا وحليفاتها في المنطقة، فإن الفيلم محاولة “احتواء” لتعاظم الأفكار المعادية لأمريكا واسرائيل في المجتمع التركي، فالتركي منقذ وسواه مجرم، والتركي لايقبل الظلم ولايحارب إلا الظالمين، في حين أن تأريخ هذا القوم الذي جاء إلى المنطقة على صهوات الخيول، مدمّراً وغازياً ومهلكاً للنسل والزرع، يسرد لنا قصة أخرى تماماً، وثقافته التي نشأت على النهب والسلب، ووصل الأمر بهم حتى إلى انتزاع الخلافة الإسلامية بحد السيف وسرقة عباءة وحذاء النبي العربي (صلعم) ونقلهما إلى عاصمتهم (كوستانتينوبول: القسطنطينية) التي احتلوها واغتصبوها من اليونان والبلغار والليديين، وغيّروا اسمها مع الأيام إلى اسطانبول، إضافة إلى توسيع رقعة مستعمرتهم على حساب الشعوب الأرمنية والكردية والعربية أيضاً، ليعطوها في القرن العشرين اسم “تركيا”…
واليوم، نراهم يصوّرون أنفسهم سينمائياً كطلاب حرية وجنود الانسانية، وفي تاريخ السينما التركية ترى “وحش الشاشة” دائماً من الكورد أو يشبه الكوردي بملامحه ومنشأه وموطنه، ولدى محادثات الترك مع الغربيين في أوروبا فإنهم يزعمون بأن الكرد هم المعتدون، بل “كلهم ارهابيون”، والترك هم المظلومون الذين يكافحون دفاعاً عن بلادهم ضد “إرهاب المعتدين الكورد”… وكأن الكورد هم الذين جاؤوا إلى هذه البلاد من فيافي وبراري آسيا وليس الترك…
العجيب في موضوع الصراع التركي – الكردي، هو أن الغاصب يلقى لدى الجيران دعماً أكبر من المغتصب بلاده، الظالم الذي استخدم السيف والدمار هو الذي يتم دعمه في المنطقة، والمجرم هو الذي يتحوّل في الأفلام، كما في “وادي الذئاب”، إلى منقذ إنساني صنديد… فالترك رغم كل ما ارتكبوه من جرائم السلب والنهب والتدمير والاغتصاب والاحتلال منذ انطلاقهم من شرق آسيا وإلى وصول السيد أردوغان وزميله گول إلى الحكم أصبحوا “خلفاء فاتحين ناصرين”، ولهم جواسيس بين المثقفين العرب الأقحاح مع الأسف دأبهم بث السم التركي الزعاف ضد القوم الكوردي ولوي أعناق الحقائق التاريخية، والدوس على المفاهيم النبيلة التي كان يحملها آباؤهم وأجدادهم لمجرّد أن هذين السيدين أردوغان و گول يلوّحان بمنديل اسلامي تجاه العرب، دون أن يتخلّوا ولو لحظة واحدة عن حلم انضمام بلادهم المسلوبة من الآخرين إلى الاتحاد الأوربي…وكأن هؤلاء المثقفين بلا ذاكرة، حتى أنهم يتفادون الحديث عن جزء مغتصب من سوريا لايقل حيوية وأهمية وجمالاً وثراءً عن الجولان السوري المحتل، ألا وهو “لواء الاسكندرون”، في حين أنهم يتشدقون في غرف البالتوك “الإسلامية!” بما يسمونه ب”التعاون الكردي القذر مع الاسرائيليين ضد الأخوين أردوغان و گول وتركيا!!!” دون أن يقدّموا للسامع العربي والكردي أدنى وأبسط دليل على ما يقذفونه من حمم عنصرية وما يلقونه في الأسماع من تعابير المودّة العجيبة لأبناء هولاكو وجنكيزخان وأتيلا، ودون أن يذكروا كلمة واحدة عن الاتفاقات الاستراتيجية التركية – الاسرائيلية، والتدريبات الطائرات الاسرائيلية في الأجواء التركية على كيفية قصف المفاعلات النوووية الايرانية…إنهم يتحدثون عن علاقات كوردية – اسرائيلية دون دليل ويغمضون عيونهم عن العلاقات العربية – الاسرائيلية، وتبادل الرشقات الديبلوماسية بين الحكومتين التركية – الاسرائيلية اللتين بينهما سفارات ولجان وهيئات مشتركة… بعض هؤلاء وصل به حقده على “الكورد وكوردستان” إلى درجة مرور اتفاقية التعاون الأردنية – الاسرائلية الخاصة باعفاء مئات الأنواع من الصادرات الاسرائلية إلى الأردن من الرسوم الجمركية دون نقاش أوتعليق من قبلهم، وهم الذين يضربون صدورهم كالشمبانزي الغاضب في قضية “الدفاع عن الأمة العربية”…ومنهم من يقوم بعد كل حملاته التضليلية الكاذبة في غرف البالتوك ضد الكورد ليؤدي صلاة العشاء متأخراً للغاية، وكأنه قام قبلها بواجب ديني للدفاع عن “الخلافة العثمانية الإسلامية!”…
طبعاً، لابد للكوردي الذي اغتصب “الذئاب” أرضه أن يغضب وأن لايقبل من “العربي الأصيل ابن العشيرة الأصيلة” أن يتحوّل إلى بوق دعاية غوبلزية للحكومة التركية ضد كفاح الأمة الكوردية، مثلما تحولوا في السابق إلى عملاء وأجراء للنظام الارهابي البائد للبعث العراقي وزعيمه الدموي الهالك صدام حسين، ذلك الذي كان قائداً أعلى لجيش عرمرم، أخرجه الأمريكان من جحر ضب، أثناء الحرب، ليفحصوا ذقنه وفمه باحثين عن السلاح الكيميائي والذري، فلم يعثروا إلا على القمل والنمل، في حين أن وزير دفاعه هرب من القتال مختفياً في ثياب امرأة – حسب ما سمعنا- …
الكوردي لن يتحمّل بعد اليوم صفاقة هذا “المثقف” العربي الأصيل الذي كان يأبى آباؤه وأجداده الظلم يتحوّل بسبب عقده النفسية الناجمة عن احباطاته التاريخية المتتالية إلى خادم للسلطان التركي ومحارب بالتوكي له ضد الشعب الكوردي الذي لا يطالب إلا بحقه في أرض وطنه، في وحدة قومه على بساط واحد، في حكم نفسه بنفسه كسائر أقوام وأمم الأرض… شأنه شأن الشعب الكشميري أو الصحراوي أوالتاميلي أو الفلسطيني…
فنحن الكورد في صراع من أجل الحرية مع “الذئاب” وعملاء الذئاب من الذين خانوا “الثقافة”، وعلى الذي يملك ذرة ضمير في صدره أن يقول الحق ويقف مع صاحب الحق في هذا الصراع، لا أن يخدم الدولة المعتدية والحكومة المترددة في اتخاذ قرار السلام والحوار والديموقراطية والتآخي، وإضافة إلى ذلك يقوم هذا المثقف الخائن للانسانية باتهام الكورد بالتعاون مع اسرائيل ضد تركيا، في حين أنه يسمع زعيق الطائرات الاسرائيلية وهي تحلّق فوق أراضي كوردستان المغتصبة والممزّقة التي أطلق الذئاب عليها ظلماً وعدواناً اسم “تركيا” وقالوا عنها تلطيفاً “شرق الأناضول”..