الرئيسية » مقالات » حكامنا ظلموا فخافوا ، وحكامهم عدلوا فحكموا

حكامنا ظلموا فخافوا ، وحكامهم عدلوا فحكموا

حكم بلادنا ترك وروم ، وفرنسيون ، ثم جنرالات وعسكر نعتوا بوصف
الديكتاتور والظالم المستبد ..
ومنذ أن وعيت وكما يقال على الدنيا) شاهدت وعايشت الخوف والرعب من النظام ، وأعوان النظام ) .
لما وصل البعث إلى سدة الحكم لم تعد تخرج كلمة ” لأ “من فم عاقل ، فقد منعت التجمعات وصدر قانون قمع لم تستحي حكومة البعث من إصداره ألا وهو قانون الطوارئ السئ الصيت .
أصبح الجار يخاف من جاره ، والجارة تخاف من جارتها لأن أجهزة الأمن وظفت كل المقربين من البعث ومن دوائر الدولة في حسابها تحت شعار حماية الثورة .
في المدارس والجامعات أصبح أعضاء الإتحاد الوطني لطلبة سوريا مخبرين على زملائهم الطلاب ، وهكذا نقابةالعمال ونقابة الفلاحين ، وبقية النقابات الأخرى ..
ما أن استلم البعثيون السلطة حتى بدأوا في تصفية رفاق الدرب الواحد ، محمدعمران ، صلاح جديد وضابط أمن النظام عبد الكريم الجندي الذي قيل عنه يومها أنه انتحر كما قيل عن انتحار محمود الزعبي ، وعن غازي ، وأخيه علي كنعان فيما بعد !!

أوجد نظام البعث قوات عسكرية موازية للجيش سخر لها إمكانيات مادية ومعنوية كبيرة ، وأطلق عليها أسماء توحي بالعزة والكرامة كسرايا الدفاع وسرايا الصراع والوحدات الخاصة ، مؤسسات عسكرية كانت تشكل دولة ضمن دولة ولا تسمح للمواطن من الإقتراب من تخم معسكراتها أو بيوت قياداتها الديكتاتورية .

أذكر تماما كيف أطلق أحد مرافقي رفعت الأسد النار على سيارة هوندا مرت بجانب بيته فمات سائقها ، وحصل القاتل على مكافأة وإجازة يقضيها في بيت أهله ..!!
وفي هذا السياق أذكر حديثا للدكتورة وفاء سلطان كتبته ضمن إحدى مقالاتها فقالت مخاطبة للسيد الرئيس بشار الأسد :
” .. سنة 1985 كنت أحد أعضاء لجنة فحص الموظّفين الطبيّة في مدينة اللاذقيّة. كنّا ثلاثة أطباء، الرئيس وعضوين. أحد الأيام غير المباركة دخل موظّف اللجنة الى غرفتنا نحن الأطباء وهو يرتجف، وبصوت مبحوح قال: هل تعرفون من هنا؟ لم يكن رئيس اللجنة قد وصل بعد، فتساءلت وزميلي العضو الآخر: من؟!!
ـ اخت الرئيس حافظ الأسد! تريد توقيع وثيقة ما، اياكم أن تطالبوا بفحصها، أنصحكم بتوقيع الوثيقة على بياض! وركض مسرعا ليعود الينا بالسيدة عمتك. ..الدكتور صلاح عجّان من أهذب الأطباء الذين قابلتهم في حياتي وأرفعهم خلقا. ينتمي إلى عائلة من عوائل اللاذقيّة المشهورة بسمعتها الطيّبة وبحب أفرادها للموسيقا وابداعهم بالعزف على العود. وقف الدكتور صلاح بلمح البرق وسحب لها كرسيّا: أهلا بك ياخالة! تفضّلي بالجلوس!
جلست السيّدة عمتك، فتابع الدكتور صلاح: أنا والدكتورة وفاء ـ مشيرا اليّ ـ سنوقع لك الوثيقة، ولكن الدكتور رئيس اللجنة قد تأخر اليوم وسيكون هنا في الحال! فأشارت برأسها موافقة، دون أن تنبس ببنت شفة.

لم يمض على هذا الوضع سوى دقائق خلتها ساعات حتى دخل الموظف ليرى ماحدث. عندما عرف بأننا ننتظر رئيس اللجنة قال لنا: لقد أرسلنا الوثيقة الى بيته كي يوقعها أولا والآن لاتحتاج إلاّ إلى توقيعكما. ولم يكد ينهي عبارته تلك حتى انتفضت تلك السيّدة كالوحش الكاسر، وقفت قبالة الدكتور صلاح وقد وضعت كفيّها على خصرها وجعرت ككلب أصيب لتوه بطلقة:
ولك ياحقير نطرتني عالفاضي؟!! أنت بتعرف من أنا؟!! وخبطت بقدمها على الأرض، ثم تابعت:
أنا الله ولاك!! أنا الله ولولا يقولوا جنت لمسحت فيك الأرض! ” .
ثم تخاطب الرئيس قائلة : ” هل صحيح بأنّكم الله ياسيّدي؟!! ..
لم يكن الدكتور صلاح هو المواطن السوري الوحيد الذي مسحت به “عائلتك الكريمة” الأرض. فلقد توقّف ابن عمك الميمون، والمعروف “بنبل أخلاقه” فواز الأسد يوما آخر غير مبارك في مدينة بانياس، المدينة التي ولدتُ وترعرت بها، في طريقه من اللاذقيّة الى دمشق. دخل المقهى الوحيد في تلك المدينة الهادئة والجميلة، حيث يجتمع رجال الحي بعد انتهاء العمل ليتسامروا، علّهم يخففون من أعباء الحياة التي فرضها العيش في ظل السيّد والدك. دخل وعصابته مدجّجين بالسلاح وصاح بالحضور: اوقفوا ياعر……..ات وإلاّ خرطشتكم بالرصاص!
وقف الرجال مذعورين، فصاح:
اقعدوا…….اوقفوا…….اقعدوا…….اوقفوا…..اقعدوا.. واستمر في جعيره،
وحراسه يحيطون به شاهرين أسلحتهم، حتى ملّ. خرج مومئا لزبانيته فتبعوه…” .
وتتابع الدكتورة وفاء : ” .. سنة 1986، وخلال دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي استضافتها مدينة اللاذقيّة، كنت وزوجي وأطفالي خارجين من مسبح أفاميا عندما تناهي إلى سمعنا صراخ امرأة تستجير بالحجر! التفتنا الى مصدر الصوت وإذ بسيارة مارسيدس سوداء تقف وقد ترجل منها شاب وراح ينهال ضربا على امرأة ترتدي أسمالا بالية ويركلها برجليه، والدم ينفر من كل بقعة في جسدها:
ـ دخيلكم..أتوسل اليكم أن تنجدوني..
تجمهر الناس، هذا ينظر بألم وذاك يحاول أن يغطي عينيه بيديه، دون أن يتجرأ أحد على الإقتراب لحماية تلك المرأة المسكينة. سألت أحد المارة بعد أن أعياني مارأيت:
من هذا الرجل ولماذا يضرب تلك المسكينة؟!!
ـ إنّه هارون الأسد وعصابته، وهي امرأة فقيرة متسولة تسأل المارة عن بعض النقود. عندما رآها انقضّ عليها بحجة أنها تسيء الى وجه سوريّة السياحي!! ..” .
منذ أسبوع وبينما كنت وزوجتي وابني جنكو نتناول طعام الغذاء في مطعم صيني يقدم وجبات الطعام بخدمة ذاتية في ضاحية من ضواحي مدينة لينز النمساوية ، وإذ بالدكتور يوسف بورنغر حاكم اقليم النمسا العليا يدخل مع أولاده .


أجلسهم حول طاولة قرب البوفيه ، وقام بنفسه ليأتي لهم بالطعام ، وكنت قريبا منه أتي بالطعام لنفسي ، فحييته وطلبت منه أن نأخذ صورة تذكارية ، فقبل طلبي بسرور وقال تفضل ، فقلت له حبذا لوتتفضل إلى طاولتنا لأد الصورة حولها ، وفعلا سار مباشرة نحو الطاولة التي نجلس حولها وأخذنا بضعة صور تذكارية .
لقد دخل الدكتور المطعم وهو آمن ، لا حرس ، ولا مرافقة ، ولا ” هيصة ”
، وليس لأني ربحان رمضان .. ولا لأني من الشعب الكردي ، ولا لأني من الحركة الوطنية الكردية ، أو من غيرها ، فأنا مواطن عادي ، طردت من آخر عمل لي بعد أن حجزت أجهزة الأمن جواز سفري النمساوي وعرقلت عودتي إلى النمسا لمدة ثلاثة أشهر قضيتها في استجوابات بين فروع أمن مختلفة في زيارتي الأخيرة لدمشق بلد الولادة والولاء .
تقبل رئيس الإقليم دعوتي له مشكورا ً لأني مواطن ليس إلا ..

سررت ، فرحت ، حزنت على وطن قلبي هام به ، تحكمه سادة َطبَعوا مواطنيهم على عادة الذل والخنوع للحاكم حتى العبادة .
= = = = = = = = = = = = = = = =
• كاتب وناشط سياسي مقيم في النمسا .