الرئيسية » مقالات » قبل أن تتكسر مرايا الشام.!.

قبل أن تتكسر مرايا الشام.!.

تعيش العمة أم إبراهيم ذات العقد السادس وحيدة منذ سنوات، أبناءها وأحفادها فرّقتهم الحياة ولقمة العيش الكريمة. فقط في فترة العيد تجتمع العائلة.
يقع منزل أم إبراهيم على زاوية شارع المحبة (حبيب الأحبة الآن)، وفي الطرف الآخر يقع بيت العم أبو سعيد والذي تجاوز الستين من عمره وتُطل نوافذ منزله على الجهة الجنوبية الشرقية.
نهار مشمس، إبريق “المتي” على النار، الساعة تقترب من التاسعة صباحاً. يقف أبو سعيد ويمسك بيده مرآة ويُوجهها لتعكس نور الشمس نحو شباك منزل أم إبراهيم وينتظر أن تأتي لزيارته، تأتي ومعها شوية زبيب وتين مقدد أو شيء من المعجنات المُفضلة في أيام الشتاء والبرد، والتي كانت تصنعها بأيديها مثل “ملَّبَدي بدِبس” أو أقراص “مرَشَّم” أو “زلابية”، وأحياناً تُحضر معها شيئاً مما تبقى من طبخة أمس ليعود أبو سعيد يأكل ذلك على الغداء. كان ينتظرها يومياً ليس من أجل الذي تجلبه في “مَمْلوكها”، بل ليشربا المتي والقهوة ويأكلا معاً البرازق والبسكويت التي اعتاد أبو سعيد وضعها مع “عدة المتي” بجانب ما تُحضره هي أيضاً، ويتحدثا عن الأخبار في الحي أو أخبار الأبناء والبنات والأحفاد الذين يعيشون كل واحد “تحت نجمة” كما كانت تقول أم إبراهيم دائماً، وأحياناً يكون لحديث السياسة أيضاً مكان بينهما. وكانت تتابع أم إبراهيم كل ما تسمعه عن أخبار قريتها التي وُلدت وترعرعت فيها والتي لم تشاهدها منذ سقوطها تحت الاحتلال قبل خمس سنوات، وكانت تقول بحسرة دامعة مؤكدة أن الاحتلال سقط على الضيعة وعلى باقي قرى الهضبة وليس صحيح أن الهضبة سقطت تحت الاحتلال..
في أيام المطر والغيوم –عدم ظهور الشمس وعدم إمكانية استعمال “جهاز تليفون المرآة” يضطر أبو سعيد لاستخدام التكنولوجيا الحديثة بذكاءٍ و”احتيال” كي لا يدفع ثمن المكالمة التليفونية، يقوم في هذه الحالة برن تليفون أم إبراهيم ثلاث رنات ثم يقفله، عندها تقوم العمة أم إبراهيم بالرد على ذلك برن تليفون أبو سعيد لمرة واحدة وتضع السماعة، وهذا معناه أنها وصلتها الرسالة وكأنها تريد القول “يالله أني جايي لعندك”، وبهذا تعرف أن المتي جاهزة ويجب عليها الانطلاق..
في الصيف أو الشتاء، في الربيع أو الخريف، في الأيام المشمسة أو الماطرة، في أوقات الغيوم أو الثلوج، تتكرر هذه الطقوس اليومية بين أم إبراهيم وأبو سعيد، هذه المتي وشُربها وملحقاتها صارت مراسم مقدسة ولا يوجد أقدس منها سوى علاقة الصداقة الأخوية بينهما..
في أحد الصباحات المشمسة وكعادته أمسك أبو سعيد مرآته وبدأ يحركها لتعكس أشعة الشمس باتجاه شباك أم إبراهيم، كررها مرات عديدة، لم يرد التليفون، لم يسمع رنته الوحيدة المنتظرة..
هرع أبو سعيد إلى بيت أم إبراهيم وبصعوبة استطاع الدخول ليجدها مستلقية على الأرض بجانب السرير، كانت قد وقعت ولا تستطيع الحركة ولا الكلام، وربما كان مغمياً عليها، ركض للاتصال بالإسعاف. وصل الطبيب بسرعة. تمّ إسعاف أم إبراهيم إلى المستشفى. اتصل أبو سعيد بأولادها ليخبرهم بما حصل..
عند وصول من استطاع من الأبناء “من تحت بضعة نجوم” كان الجيران – أو الشارع بأكمله قد قام بكل شيء يلزم من أجل إنقاذ حياة أم إبراهيم..
بعد أسبوع وفي يوم خروجها من المستشفى كان أبو سعيد في زيارتها هناك، وقفت وشدّت على يده قائلة، حان وقت العودة للبيت، اشتقت لشرب المتي، شدّ هو أيضاً على يدها وقال، التليفون “بَعدُهُ شغّال والمراية ما انكسرت، بَعدها بتِشتِغِل كمان”. بعد سنوات قليلة تغيّر اسم الشارع. وبعد سنوات أخرى سقط الموت على أم إبراهيم. وكان يقول أبو سعيد أنها عادت للضيعة كما كانت تحلم بذلك. وبعد سنوات جديدة وبينما كانت “أم إبراهيم” تلعب مع أطفال الضيعة في الهضبة، سمعت أن جارتهن أنجبت طفلاً، بينما كان تليفون أبو سعيد يرن، سقط في أرض الغرفة وحيداً وإبريق “المتي” على النار…
……..
هناك معنى وجدوى للتفكير، للشعور، للحياة، لأن العالم رائع، مثيرٌ وعظيم، وبغض النظر عن السقوط تبقى حياة الإنسان – غير ساقطة إذا أراد – هي قمة في القيَم والمعاني والأهمية..
كتب – أو قال – بعض المُنجِمين أنه في يوم ما تسقط كل ما يملكه الإنسان من قيم في تلك العثرات الكونية، ولن يبقَ شيء سوى أن نعيش ليومنا هذا، أو أن نعيش من يومٍ ليوم، نبحث عن المنفعة المادية أو النجاح المادي أو التصفيق الصفيق وبعد ذلك تسقط النهاية علينا، أو نسقط نحن فيها.. أظن أن العالم الكبير هو عالم حيّ كما هو عالمنا هذا، وكما أن كل خلية في جسمنا هي مفتاح مهم في مجموع وظائف الجسم ومن أجل عمل متوازن له، كذلك الحال بالنسبة لحياتنا مقارنة بحياة العالَم الكبير العظيم “غير” المتناهي. كل شيء له معنى قيَمي، والذي أبدعه الإنسان خلال وجوده، سيتابع ذلك ويضع عليه من جديد قيَماً جديدة وإبداعات جديدة تساهم في إغناء قيَم العالم الكبير ومعناه.. من المفيد التفكير خارج الحدود التي اعتدنا. التفكير بشارع المحبة سابقاً و”حبيب الأحبة” حاضراً. من المفيد توجيه مرايانا نحو الشمس، ربما نسمع رنة واحدة للتليفون. ربما نرجع نستخدم فعل الحاضر والمستقبل ويعتذر شخصٌ آخر. ربما يصل قطار فيروز إلى المحطة. ربما نركب ونستمتع سوية بهدير “البوسطة”…
……..
وقف الرجل مع زوجته هناك في محطة باصات الضاحية. أراهما في كل يوم وبنفس الوقت. قد يكون عمر كل واحد منهما تجاوز العقد السادس. يضع الرجل “قَضَاضَة” بيضاء نظيفة على رأسه الحليق، وعنده شوارب خطّ فيها البياض شيئاً والموروث جعلها متوسطة الاستطالة، مما تُوحي له بشيء من الوقار والرجولة على ملامحه. والمرأة تقف بجانبه تحت غطاء رقيق أبيض أيضاً، أي “فوطة سميكة” تَلبّسَت رأسها وتدلّت على كتفيها بوَقار، وقد أبرَزَت ملامح وجهها غير المُغطّى.
منذ فترة لا أراهما. واليوم هناك يقفان عند الموقف الثالث حيث ينطلق باص قرية الثُورا “الخَشَعة سابقاً”، يقفان بالقرب من الباب الثاني للباص، كما اعتادا. شيء واحد تغيّر فقط، المرأة تمسك في يدها عَصاة – قضيب معدني أبيض، وتضع نظارات سوداء غامقة، زادتها سواداً بجانب “الفوطة” البيضاء التي تغطي رأسها.
نظرتُ إلى الرجل، يمسك من كوع المرأة بلطفٍ وهدوءٍ محاولاً توجيهها، وبدون مهارة، لكن بانتباه كبير. يظهر أنهما لم يعتادا السير هكذا في الشارع بعد.
نظر الرجل حوله وجال بنظره على الركاب، ربما أراد أن يعرف، إذا انتبه أحد لأي تغيير عليهما! وكان هذا هو التعبير الوحيد الذي ظهر منه، لقد كان منهمكاً بشكل كامل بالمرأة زوجته، وكل اهتمامه أن يكون حاذقاً في مساعدتها بالصعود إلى الباص وبأقل إزعاج لها أو لغيرها من الركاب.
الزوجة لا ترى شيئاً. ربما ترى بعض الملامح العامة.. كيف استقبلا الخبر وكيف انقضت الأيام الأولى. كيف الوضع في المطبخ والحمّام وكيف تمضي الأمسيات.. عندما تقع مأساة لأحد زوجين اعتادا حياتهما كفرد واحد تكون مأساة كبيرة بأن لا يرى أحدهما بعد ذلك نهائياً..
لم انتبه لساعة انطلاق الباص. انفتحت أبوابه. أرادت المرأة الإسراع، لكنها لم تجد المقبض المساعد بجانب درج(سلّم) الصعود. حاول الرجل مساعدتها وهي متمسكة فيه. وأخيراً تقدم رجل آخر وأمسك بذراع المرأة وساعدها بالصعود..
سيتعود الرجل وزوجته على هذه الحياة، قلت ذلك في نفسي. سيتشكل نظام جديد لعلاقتهما.. لكنني رأيت كم ذلك صعبٌ. كم هو صعب كل شيء بدون مرآة وشمس وتليفون…
……..
لماذا يخفي البعض رأسه في قبعة؟ خوفاً من تسرب أشعة الشمس؟. قد يكون الهروب من المرآة وما تكشفه من أسرار، وإصرار الكبار على عدم الاعتذار هو سبب السقوط والذي مازال ينتج سقطات الصغار.
سقطت قبعة الإخفاء المُمَمْنَعة على رأس “جهاخيل” الخالي من الرياء، الشاطر في تحويل السياسة إلى كيمياء، حتى لو كان نفطاً حلالاً أو غزَلاً لمنظِفي (موَظفي) أموال الخلفاء، وشفط أتعاب “الحلفاء”. جهاخيل يحمل في جيوبه مطهرات (مطيرات) بيضاء، وعلى أذنيه تتعلق نظارة سوداء، تزيد الحياء حياء..
قبعة الإخفاء للأخلاق مرشوشة بالعطر، سقطت عليه كالإلهام من عبقر، مَحَى واستَمحَى ذكريات تمسيح قطار العمر، والذي صفّر عقوداً من الجولان وحتى بعد.. بعد تدمر.!.
بعد أن “جِرْبِتْ” المرايا على قبر راعي الوالد الأغر، ظهر الجهاد الغالي الأصغر، ليؤكّد أخلاق العه(د)ر بعد أن استغفر. ولم يعرف “جهاخيل” بأن الإنسان الحر، في بلد حر، يعمل ما تسمح به الحرية وليس في ذلك سِر.
ويبقى يرفرف الشعار المختصر “من شبّ على شيء شابً عليه، ولو صبغ الشَعر”!. ونقطة أول السطر….
ملاحظة: “جهاخيل”من رموز الميتولوجيا السوريالية، ومعروف بجَيبه وقبعته، ويقابله في اليونانية آخيل وكعبه!.

بودابست، 14 / 1 / 2010. فاضل الخطيب.