الرئيسية » مقالات » من المنامة… إلى بغداد بسبب امرأة

من المنامة… إلى بغداد بسبب امرأة

البلاد البحرينية


رؤوف البحراني… اسم لامع في تاريخ العراق الحديث، فقد تسنى له أن يلعب أدواراً مهمة فيه.

واشتهرت بعده أسماء من عائلته في مجالات مختلفة في مقدمتها الطب، ومازالت هذه العائلة تعيش في العراق وتسهم في حياته من خلال اختصاصات أفرادها سواء العلمية منها أم الثقافية أم العملية.

لكن رؤوف البحراني يبقى الأشهر بين أفراد هذه العائلة نظراً إلى إسهاماته الكبرى في المجال السياسي، فهو من رواد القضية العربية والقضية العراقية من طراز ياسين الهاشمي وجعفر العسكري ورشيد عالي الكيلاني وأمثالهم، كما أنه قاتل ببسالة وشرف الاستبداد العثماني والاستعمار البريطاني دفاعاً عن الأمة العربية والوطن وتحمل السجن والنفي والتشريد، ثم يأتي بعده ولده الطبيب احسان ثم زهير البحراني، وهذا الأخير كان أستاذ كلية طب بغداد والمرجع في الأمراض القلبية والباطنية، ثم الدكتورة غادة البحراني ابنة الدكتور احسان.

والحديث عن نشأة هذه العائلة في بغداد يطول والكلام على أفرادها يتشعب، لكني سأحاول أن أركز على شخصية رؤوف، وأستميحكم عذراً إذا طال الحديث قليلا لأنه يلقي الضوء على شيء من إسهامات أبناء البحرين في بلدان عربية كما يوضح العلاقات المتينة التي تربط بين المجتمعين العراقي والبحريني، وربما سيفسر، إن قليلاً أو كثيرًا، هذه العلاقات الحميمة العميقة التي تربط بين المجتمعين حتى جعلتهما كأنهما مجتمع واحد، على الرغم من أن هذه العلاقة تمتد إلى عصور ما قبل التاريخ… إلى حضارتي سومر ودلمون.

الذي زادني علماً بعائلة البحراني في بغداد هو المؤرخ العراقي الدكتور محمد حسين الزبيدي الذي كتب مذكرات رؤوف البحراني، وأخرجها في كتاب “لمحات عن وضع العراق منذ تأسيس الحكم الوطني عام 1920 لغاية عام 1963”، والزبيدي حدثني عن رجالات هذه العائلة الكريمة باستفاضة، ومنه عرفت أن عائلة البحراني في العراق ترجع في أصولها الى قبيلة ربيعة التي استوطنت جزيرة (المنامة) من جزر البحرين في الخليج العربي.

كانت هذه العائلة، كما يقول الزبيدي، تمتهن تجارة اللؤلؤ بين البحرين والعراق، وكانت هذه التجارة يومها نشطة ومربحة وقد سكن الجد السادس لهذه العائلة بغداد، ولهذا السكن قصة طريفة هي ان الجد السادس الذي كان يتردد على بغداد حاملاً اليها اللؤلؤ من البحرين تعرف إلى عائلة بغدادية فيها فتاة شابة جميلة أحبها وطلب الزواج منها وقد وافق أهل الفتاة على ذلك ولكنهم اشترطوا عليه الإقامة في بغداد فوافق الرجل على ذلك ونقل مركز عمله الى بغداد واستقر فيها. وقد أنجب منها أولادا كانوا المؤسسين لعائلة البحراني الحالية ومن هذه العائلة رؤوف البحراني.

رزق الحاج حسين البحراني ولداً في ليلة من ليالي الشتاء القارس في شهر كانون الأول سنة 1897 سماه رؤوفاً في محلة (باب الاغا) وكنى باسم النبي محمد صلوات لله وسلامه عليه، وقد قرت عيون والده الحاج حسين البحراني به أما والدته فهي علوية ترجع في نسبها الى الإمام موسى الكاظم ومن أسرة تقيم في الكاظمية تسمى (المدامغة).

لما بلغ رؤوف الرابعة أو الخامسة من عمره أرسل الى الكتاتيب على عادة أبناء عصره ليتلقى مبادئ القراءة والكتابة وقراءة القران الكريم وكانت تتولى أمر هذه الكتاتيب نساء مسنات في اغلب الأحيان.

وفي أوائل سنة 1908 أعلن الدستور في الدولة العثمانية وكان ذلك اليوم يوماً عظيماً في بغداد واخذ الشعب يستبشر بمستقبل عظيم يسوده الأمن والرخاء والعلم والحرية والمساواة والعدالة.

وعلى اثر ذلك قام الحاج سلمان داود أبوالتمن وجماعة من الأفاضل بالحصول على إجازة من نظارة المعارف العثمانية في اسطنبول لفتح مدرسة أهلية ابتدائية ورشدية تسمى مدرسة الترقي الجعفري العثماني وكان يوم افتتاحها يوماً مشهوداً في مدينة بغداد إذ دعي التجار والأعيان والأشراف والسادات الى حفلة الافتتاح التي أقيمت في المدرسة نفسها.

وبدأت العائلات ترسل أولادها الى هذه المدرسة وكان الطالب رؤوف احدهم وقد كان رقم قبوله في المدرسة (163) وكان نصيبه في الصف السادس وبعد نجاحه في الامتحان السنوي انتقل الى الصف الأول الرشدي (اي الصف الأول متوسط) وكان التعليم في هذه المدرسة باللغة التركية بالإضافة الى اللغة العربية.

وفي سنة 1910 أنهى رؤوف الدراسة الرشدية وكانت في هذا الوقت قد بدأت فكرة القومية العربية تبعث في نفوس الشباب العربي في العراق وفي البلاد العربية وعلى الرغم من صغر سن رؤوف وزملائه فإنهم كانوا يتتبعون أخبار مطالبة الهيئات الوطنية والقومية العربية في الاستانة وسوريا لجعل التعليم والمحاكم باللغة العربية وإعطاء البلاد العربية نوعاً من الحكم اللامركزي.