الرئيسية » مقالات » العقود النفطية الجديدة والامن الاقتصادي في بلادنا عقود خدمة ام مشاركة

العقود النفطية الجديدة والامن الاقتصادي في بلادنا عقود خدمة ام مشاركة

وقعت الحكومة العراقية مؤخرا عدة عقود في آن واحد مع شركات كبرى لاستثمار حقول نفط منتجة اصلا او جاهزة للانتاج،وصنفتها ضمن عقود الخدمة برسوم ثابتة اجحافا وتهربا من الغضب الشعبي،بعد ان حرفت لصالح الشركات النفطية لدرجة انه ليس لها نظير في عالم النفط اليوم،وتبقى تتماشى مع العولمة الراسمالية،تمهيدا لالتحاق النخب الحاكمة في العراق بالفكر الليبرالي الجديد،وبالتالي مزيدا من الفساد الاداري والمالي.ويبدو ان المعارضة الشعبية لنظم المشاركة اجبرت الحكومة التوقيع على عقود خدمة صورية،لانها في حقيقة الامر اتفاقيات شراكة ذكية،تعني ان الدولة تسيطر نظريا على النفط بينما تبقى مقيدة بصورة صارمة بشروط في العقود.
عقود الخدمة يفترض ان تتوجه لأعمال صيانة وتحديث الحقول المنتجة لفترة محددة او القيام بعمليات حفر حقول جديدة او بتطوير انتاج حقول مكتشفة حديثا!والتي لم يتم تطويرها بعد(بعضها حقول عملاقة)مما يتيح رفع السعات الانتاجية الى حجوم اعلى.ومشاريع كهذه تتطلب الاستعانة المشروطة،وضمن ضوابط محدودة تضمن حقوق البلاد،بالاستفادة من الشركات الاجنبية ذات الامكانيات التكنولوجية الحديثة والقدرة على الاستثمارات الكبيرة.الا ان ما اقدمت عليه حكومة بغداد هو اعادة تصميم جذرية لصناعة النفط العراقية وانقلابا كاملا على السياسة النفطية الوطنية منذ صدور قانون رقم (80) لسنة 1961،وغالبية الشركات النفطية الفائزة بجائزة عقود النفط الجديدة من الشركات التي استغلت الحقول النفطية منذ عشرينيات القرن الماضي،ومن زاول السرقة تحت المظلة الاستعمارية حتى التضييق على خناقها عام 1960 وطردها نهائيا عام 1972.والدافع الاستراتيجي لهذا الأمر هو سعي الولايات المتحدة وبريطانيا لتحقيق”امن الطاقة”في سوق مضطرب،وحاجة شركات النفط متعددة الجنسية”لحجز”احتياطيات جديدة تؤمن لها النمو في المستقبل.
لقد وضعت الحكومة العراقية انتاج الحقول النفطية تحت سيطرة الشركات لفترة طويلة تصل الى 25 سنة،مما يحقق للدول الصناعية نفطا رخيصا بأسعار لم تحلم بها،وستفقد الدولة العراقية قدرة السيطرة على حجم الانتاج النفطي آجلا ام عاجلا ،الى جانب تسريع الانهيار المتوقع في اسعار النفط في السوق العالمية بسبب ارتفاع كميات النفط العراقي المعروضة دون ضوابط .وبدل منح شركة النفط الوطنية القوة المالية والادارية لتطوير صناعتنا الوطنية لادارة عمليات الاستكشاف والتطوير في حقول النفط والغاز والاشراف عليها،لانها اثبتت جدارة في مجال استخراج وتصنيع النفط والغاز نصف القرن الماضي!واعادة هيكلة شركات الانتاج الحالية لزيادة كفاءتها وتشكيل شركات جديدة حسب الواقع الجغرافي!بات واضحا ان عقود الخدمة الجديدة هذه موجهة اصلا ضد شركات نفط الجنوب ونفط الشمال التي ادارت تلك الحقول بشكل جيد وكفء رغم المصاعب الكثيرة التي واجهتها وتواجهها.والحكومة العراقية في عقود الخدمة الجديدة تجيز للشركات متعددة الجنسيات الاستيلاء على الحقول المنتجة التي هي من حصة شركة النفط الوطنية،ولا يبقى للاخيرة سوى الفتات وما نسبته 25% فقط!
القطاع النفطي،بسبب السياسات النفعية للنظام الدكتاتوري والاوضاع والتعقيدات الامنية وتفاقم الارهاب،والصراع الدائر حول شكل ومضمون الدولة العراقية الجديدة،يعاني جملة مشكلات وصعوبات حالت دون احداث نقلة نوعية في نشاطه،تسهم في بناء شبكة من الصناعات الامامية والخلفية.ولم يكن خافيا على احد ان النفط شكل اهم ركائز ودوافع العمل العسكري الذي تزعمته الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق والذي انتهى باحتلال العراق كليا الى جانب العنوان العريض لنشر الديمقراطية.ومن الطبيعي ان ينصب جهدها الرئيسي على ترتيب مقدمات الغاء كل القوانين السابقة في مجال السيطرة الوطنية على قطاع النفط باعتباره المصدر الأساس للدخل القومي في العراق،ابتداء من تعويم آلية الأسعار مرورا باهمال عملية تحديث البنية التحتية لقطاع النفط.
بالامتيازات تنتزع الشركات الاحتكارية حقوق حكومات البلدان المنتجة ووظائفها باعتبارها سلطة عامة تمتلك حقوق السيادة على اراضيها،وبها تجمد العلاقات بين الطرفين لآماد طويلة تبلغ عشرات الاعوام!.وعقود الخدمة الجديدة على الطريقة الشهرستانية،حالها حال نظم المشاركة،هي الاخرى انتزاعا لحقوق حكومات البلدان المنتجة ووظائفها باعتبارها سلطة عامة تمتلك حقوق السيادة على اراضيها،ولكن باسلوبا ملطفا هذه المرة!.الحكومة العراقية تضيع اليوم التاريخ الوطني النضالي المشرف للعراق والعراقيين،وتعيد سجن الاقتصاد العراقي في زنزانة لا يستطيع ان يتنفس منها الا بشق الانفس ليجر تكبيل سيادة العراق،بالوقت الذي ستحافظ على مصالح الشركات الاجنبية.
لا يعني الامن الاقتصادي بمحاربة المكاتب والشركات الوهمية التي تعتبر واحدة من القنوات التي تمول الارهاب وتسويق البضائع الفاسدة التي تستهدف الشعب والمطروحة في الاسواق بمئات الأطنان وملاحقة تجار الموت فقط ،بل محاصرة كافة النشاطات التي تضر بالاقتصاد الوطني،ومنها عقود الخدمة النفطية الجديدة – الادلة الدامغة على الاهداف غير المعلنة لنزع ملكية الشعب العراقي لثرواته النفطية والغازية على مراحل،كانت الحرب والاحتلال وتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليان وسيلتها.
ليست القضية النفطية مجرد عمليات تجارية،انها جوهر قضية التحرر الوطني والاجتمااقتصادي في العراق.ان الموقف من القضية النفطية هو الذي يحدد ماهية اية حكومة او مؤسسة سياسية ومنظمة مجتمع مدني ودرجة ارتباطها باهداف الشعب في التحرر الوطني الديمقراطي والتخلص من الاحتلال والهيمنة والتبعية والتخلف والاستغلال،وفي المضي قدما في طريق التقدم الاجتماعي.من هنا واصلت القوى السياسية الديمقراطية في بلادنا اعتبار القطاع النفطي قطاعا استراتيجيا ينبغي ان يظل ملكية عامة،لاسيما المخزون النفطي،واعتماد سياسة نفطية عقلانية بما يقلل تدريجيا من اعتماد الاقتصاد العراقي على عوائد تصدير النفط الخام،والحفاظ على الثروة الوطنية من الهدر،وضمان حقوق الاجيال القادمة منها.

بغداد
13/12/2009