الرئيسية » التاريخ » من وثائق الصراع على الجزيرة عام 1937-20-

من وثائق الصراع على الجزيرة عام 1937-20-

كانت تعتمد الكتلة الوطنية على الرابطة القومية في تعبئة العشائر و على المشاعر الدينية في كسب تأييد سكان المدن. فكانت تعرض الكتلة الوطنية الصراع على الجزيرة و كأنه صراع بين المسلمين من جهة، و عملاء الفرنسيين من المسيحيين من جهة ثانية، و كانت تسعى إلى زرع الشقاق بين القوى الكردية و إلى فك ارتباطها مع القوى المسيحية و العربية التي كانت تطمح في حكم ذاتي في الجزيرة، أسوة ببقية المناطق الخاضعة للانتداب الفرنسي.

سنستمر في نشر بعض الوثائق المتعلقة بالأحداث الدامية التي وقعت في الجزيرة في شهر آب عام 1937، نترجم في هذه الحلقة وثيقتين فرنسيتين، مرسلتين في 19 آب عام 1937، من قبل مدير الأمن العام، المفتش العام للشرطة، إلى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس. (1)

****
(الوثيقة الأولى)
الأمن العام
بيروت في 19 آب 1937
معلومة رقم 4215
أمن حماه: 17-08-37.-

آ/س- عن نجيب آغا برازي:

غادر حماه النائب الوطني(2) (من الكتلة الوطنية- المترجم) نجيب آغا يوم السبت الفائت متوجهاً إلى شمال سورية.

يعتقد بأن المذكور مكلف من قبل الحكومة (العربية- المترجم) بمهمة لدى أكراد هذه المنطقة، يتواجد حالياً في جرابلس، في مقتلى، حيث سيكون ضيفاً على الأخوين شاهين (مصطفى بك و بوزان بك- المترجم). و سيذهب فيما بعد الى الجزيرة.(3)

خاتم و توقيع
مدير الأمن العام
المفتش العام لشرطة دول المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي

****
(الوثيقة الثانية)
الأمن العام
بيروت في 19 آب 1937
معلومة رقم 4224
أمن حلب: 17-08-37.-

آ/س- أحداث عاموده:
خلقت أحداث عاموده تأثيراً كبيراً في الأوساط القومية في حلب. استغلت الأوساط الأخيرة هذه الأحداث من أجل شن دعاية اسلاموية (وحدة اسلامية- المترجم)، وذلك بالقيام بتخريجه مفادها أن مسيحيي الجزيرة هم فاعلو الحوادث.
هذه الدعاية، المبنية على روح التطرف، سمحت للكتلة الوطنية بأن تضم إليها قسماً من غير الراضين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى.

أمّا بالنسبة للمسيحيين، مع تأسفهم على مصير أبناء ديانتهم، فهم يعبرون عن نوع من الرضاء، باعتبار أن هذه الأحداث تقدم، برأيهم، أدلة قاطعة على النوايا السيئة للمسلمين تجاههم. و يضيفون بأن فرنسه و عصبة الأمم ستستطيعان الاستفادة من ذلك من أجل إفشال المعاهدة الفرنسية-السورية (لعام 1936- المترجم).

خاتم و توقيع
مدير الأمن العام
المفتش العام لشرطة دول المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي
****

ملاحظات المترجم:
اعتذار: أعبر عن فخري و إعجابي بالعاملين من أبناء الشعب الكردي في المواقع الالكترونية الكردية الذين ينشرون بشكل منتظم العمل المتواضع الذي أقوم به في مجال التوثيق، فهؤلاء الشباب رغم إمكاناتهم المالية المتواضعة، يضحون بوقتهم و بأموالهم في سبيل شرح قضية شعبهم العادلة. و تثميناً لكفاءاتهم و لجهودهم الطوعية، أعتذر عن تلبية بعض العروض التي تردني من مواقع وجهات غير كردية لإرسال المواضيع الوثائقية إليها، و سيتعرض للملاحقة القانونية كل من يقدم على ترجمة أو نشر هذه المواد بدون موافقتي أو موافقة الموقع الكردي الذي تلقى الموضوع مني شخصياً.
(1) – جواباً على رسالة بعض القرّاء، نقول بأن جميل مردم بك هو من العروبيين السنة الدمشقيين من مواليد عام 1893. يذكر البعض بأنه من أصل كردي، إلا أنه لا يذكر ذلك في أوراقه المجمعة من قبل ابنته( راجع: أوراق جميل مردم بك، سلمى مردم بك، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت طبعة أولى 1994)، بل عندما يكتب عن أحداث عام 1937 في الجزيرة يتجنب الإشارة إلى الوجود الكردي في الجزيرة، ويعرض هذه الأحداث و كأنها صراع بين عملاء فرنسه من المسيحيين من جهة، و المسلمين من أتباع الكتلة الوطنية من جهة ثانية، ويعطي، بتصورنا عن قصد ، معلومات إحصائية غير دقيقة عن الجزيرة، و لا تصلح للاعتماد في التقييم الصحيح. و لكنه يذكر بأنه عندما تظاهر أكراد حي الأكراد في دمشق في بداية حزيران 1945، ذهب و خطب فيهم مذكراً إياهم بأنهم من أحفاد صلاح الدين الأيوبي، فهدأ هيجانهم. كان من المنافسين البارزين للسيد شكري القوتلي، و من المتهمين في اغتيال عبد الرحمن الشهبندر.
في عهد الحكم الفيصلي في دمشق، سمي جميل مردم بك، في عام 1919 ، معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.
بعد دخول الفرنسيين سورية بقيادة الجنرال غورو في تموز عام 1920، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من رجال المقاومة إلى حزب الشعب الذي شكله عبد الرحمن الشهبندر في عام 1925، و عندما تشكلت الكتلة الوطنية في عام 1928 تم تعيين السيد مردم بك أميناً لسّرها.
دخل مردم بك الوزارة لأول مرة عام 1932 باسم الوطنيين وتقلد وزارتي المالية والاقتصاد الوطني، إلا أنه استقال، لأن الكتلة لم تكن تتمتع بالأغلبية في البرلمان.
بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والسلطة الفرنسية، ينص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سوريا، وتألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات توصل الطرفان إلى عقد معاهدة في 9 أيلول/1936. إلا أن تنفيذ المعاهدة بقي معلقاً على مصادقة البرلمان الفرنسي عليها.
ولما وضعت المعاهدة موضع التنفيذ، من الجانب السوري، وجرت انتخابات نجح فيها مرشحو الكتلة الوطنية، وقد نجحت القائمة التي ترأسها جميل مردم بك عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيساً للمجلس وهاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وألف مردم بك أول وزارة بعد المعاهدة المذكورة.
وفي خلال عامي 1937 و1938، زار مردم بك فرنسا ثلاث مرات عمل خلالها على استعجال تصديق البرلمان الفرنسي على المعاهدة ومن أجل وضع بعض بنود المعاهدة موضع التنفيذ.
خلال هذه المرحلة أيضاً، برزت قضية لواء الاسكندرونة، وقام مردم بك بزيارة إلى تركيا تلبية لدعوة تلقاها من حكومتها وتدارس مع رجال الدولة الأتراك مختلف وجوه العلاقات السورية ـ التركية، كما تعرف على الرئيس كمال أتاتورك وتباحث معه في الشؤون التي تهم البلدين. وقد اتسمت هذه الاتصالات بين مردم بك والزعماء الأتراك بطابع التفاهم المتبادل الأمر الذي جعل من يسجل تقصيراً و تواطؤاً من الكتلة الوطنية في الدفاع عن الانتماء السوري للواء اسكندرون.
قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شهر شباط 1938 في جو عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية السورية، و اعتبرت الكتلة الوطنية بأن فرنسا قد رجعت عن تنفيذ معاهدة 1936.
في عام 1943 أعيد العمل بالدستور، وأعيد انتخاب مردم بك في مجلس النواب وكُلف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية من (آب 1943ـ تشرين الأول 1944)، ثم بوزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والاقتصاد الوطني من (تشرين الأول 1944ـ آذار 1945) ومن جديد تولى وزارة الخارجية مع الدفاع من (آذار 1944ـ إلى آب 1945)، وشغل في هذه الأثناء رئاسة الوزارة بالوكالة في غياب فارس الخوري الذي اشترك في مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو. كما انتدب وزيراً مفوضاً في تشرين الأول عام 1945 إلى مصر لتأسيس المفوضية السورية، وكذلك إلى السعودية في تشرين الثاني عام 1945 للغرض نفسه.
أعاد تشكيل الحكومة في تشرين الأول عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدأت العمليات الحربية في أيار عام 1948. وفي آب عام 1948، تشكلت حكومة جديدة احتفظ مردم برئاستها.
ولم تلبث أن نشبت أزمة سياسية صحبها تدهور اقتصادي وتفجر الإضراب والمظاهرات في المدن السورية كافة، وحصلت مواجهات دموية، فاستقال جميل مردم بك في الأول من كانون الأول عام 1948.
قدم مردم بك استقالة حكومته بعد فشل الجيوش العربية في فلسطين، وغادر سورية إلى مصر وأقام في القاهرة إلى أن وافاه الأجل في عام 1960. وفي خلال هذه المدة جرت محاولات عدة لحمله على العودة إلى النشاط السياسي، لكن حالته الصحية لم تمكنه من ذلك. وعندما سقط حكم الشيشكلي في عام 1954، أوفد الرئيس جمال عبد الناصر كبار الشخصيات لإقناع مردم بك بالعودة إلى سورية ووعده بتقديم الدعم والمساعدة إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، لكن مردم بك الذي كان يعاني من أول أزمة قلبية تعرض لها، عارض الاقتراح ونصح مخاطبيه بأن يدعموا عودة الرئيس شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية لأنه أُبعد عنها بطريقة غير دستورية، وعودته سوف تؤكد شرعية السلطة السياسية.
في شهر أيلول عام 1954، أصدر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه اعتزاله الحياة السياسية ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وبتاريخ الأول من شباط عام 1958، دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر. وفي 30 آذار1960، توفي جميل مردم بك في القاهرة، ونقل جثمانه إلى دمشق.
(2)- كانت تسمي السلطات الفرنسية التيارات الشعبية المنادية بالحكم الذاتي في مختلف المناطق الخاضعة لانتدابها بالحركات الانفصالية، و ذلك للدلالة على ما كانت تصبو إليه تلك الحركات في عدم الخضوع المباشر للسلطات المركزية في دمشق. و كان يتم استخدام مصطلحي الوطني و الوطنيين للدلالة على أعضاء و حلفاء الكتلة الوطنية التي كانت تسعى لمد نفوذها على جميع المناطق السورية الخاضعة للانتداب الفرنسي.

(3) – عن الأخوين مصطفى بك شاهين و بوزان بك شاهين، يمكن العودة إلى سلسلة” شخصيات كردية في وثائق فرنسية، الحلقة رقم 11)، المنشورة في العديد من المواقع الكردية.

****
يتبع