الرئيسية » مقالات » الامام الحسين(ع). شهيد المبدأ والضمير..

الامام الحسين(ع). شهيد المبدأ والضمير..

“إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي” لم يكن لتلك الصرخة المدوية ان تاخذ مداها الذي قدر لها..في الفيافي المجدبة للقفر الاخلاقي الذي تغول في تلك الفترة المتقلقلة من تاريخنا الاسلامي.. الا بقربان فادح من الدماء الزكية التي روت صعيد كربلاء الطاهر في ذلك اليوم النحس المكفهر..

فان تلك الدماء التي خطت على اديم الارض وقائع ذلك الحدث المفصلي في سفر ايام الامة.. ارخت لبداية المعارضة الشعبية للحكام الظلمة واوجدت سيلا مضادا لمد الاستباحة المنظمة للحياة الانسانية والامتهان المسرف لقدسية الأحكام الالهية وامتطائها لاستعباد العباد..

فالإمام الحسين ابن علي بن ابي طالب (ع) عمل من خلال ثورته الكبرى على إيقاظ الوعي التاريخي بالذات وابراز الجانب الثوري الجهادي للاسلام والعمل التأسيسي لتيار في وضع تقاطع مستمر مع الحكم الغاشم ومناهضا لقولبة الاسلام ضمن مفاهيم الولاء المطلق للسلطة..وتحريم الخروج على السلطان الجائر..وشرعية الحكم بالتغلب وبحد السيف والتعتيم على ولاية الامة على نفسها..

فليس من المبالغة أو الخطل في التفكير،ارجاع الانحدار والتهرئ الحضاري والثقافي المعاصر للأمة الى تلك القرون الممعنة في العتق ، واعتبار ان استحواذ الامويون على السلطة هو نقطة الشروع في مسيرة التقهقر القيمي الاسلامي..والعامل الرئيس في اصطناع آليات التوقف في نقطة الانشقاق الفقهي المفنية والمؤلمة..

فاستشهاد الامام الحسين”ع” كان القربان الاغلى الذي قدمته الامة من اجل التحجيم والحد من سرعة وتداعيات الارتكاس الاموي تجاه تغليب قيم الجاهلية وتعظيم القيم المتعارضة مع النهج الثوري الشعبي الذي ساد في بواكير مرحلة المد الثقافي الاسلامي ..واجبر السلطة ولحد الان على الابقاء على ملامح هيكلية للدين بدلا من اسقاطه بصورة تامة.. والحرص على اضفاء شرعنة مصنعة على سلطتهم الانقلابية..

ان قدرة الحدث الجلل على استنساخ ذاته تواليا وتكراريا ولد فعل دائم التعاكس لمحاولات الحكم الجائرالمضادة للارادة الشعبية وفرض التقاليد النخبوية التي تهدف الى تسيد المشهد السياسي والفكري المعاش والاستفراد والتحكم بمغاليق السيطرة على الحراك المجتمعي لتخليق واقعا فكريا ومعتقديا في اطار نظام اجتماعي ملتبس..وضمن اشتراطات قيمية مفرزة من واقع سياسي اريد له الاتكاء على الموروث الديني والفلسفي ..مما يزيف خلفيات وجذور اعتقادية ومقدسة لممارسات وانحرافات سياسية بحتة..

وكان رد الفعل هذا يعتمد على مدى الضرر الذي احدثه اغتيال الامام الشهيد”ع”و من خلال منع الترويج لقيم ظاهرية مبطنة الضلالة ومجابهتها بمنظومة قيم اصيلة وراسخة وفي حالة تقاطع معها..

يقول الدكتور عبد الله العلايلي”كأنما أراد أن يسجل على الباطل بطلانه، وأن يجعل للحق كوّة يرتفع منها صوته على الدوام، وكذلك تم الأمر على أن يتعالى من هذه الكوّة الصوت. إذ زلزل دولة الظالم وحطّم سلطان الباغي وفرق العادي كل ممزق وأدال به إلى حيث المهوى السحيق.”

ان هذه القيم الاصيلة والسامية والتي تهدف الى تأصيل وترسيخ احقية وواجب الامة في مجابهة الحاكم المبتز لحقها في الخيار الديمقراطي الحر لمجموعة انظمتها القيمية..وفي تخليق آليات تحدد التداولية السلمية للسلطة ..هي عين ما تحتاجه امتنا راهنا ..وتأكيدها والكفاح من اجلها هي الطريق الاقرب والاكثر مصداقية لرد مظلومية الامام الحسين”ع” ..وهي القضية الوحيدة التي من خلالها نكون اوفياء لدماء شهداء المبدأ والضمير على مدى التاريخ.. والذين قضوا في دروب النضال من اجل حياة وغد افضل للانسان..والذين كان الامام الشهيد رائدهم الاعلى ومعلمهم الاسمى في مسيرة الخير والتحرر والاستقلال والتنمية والدعوة للعدالة وحقوق الانسان.