الرئيسية » شخصيات كوردية » شاعرة كردية: عندما يکون الجرح کرديا لا يهتز ضمير المعمورة بينما ينفعل لموت عاهرة

شاعرة كردية: عندما يکون الجرح کرديا لا يهتز ضمير المعمورة بينما ينفعل لموت عاهرة

إقليم كردستان- شاعرة ـ ولقاء/ الشاعرة المبدعة بريزاد شعبان

اجرى المقابلة: خدر خلات

دهوك 19 كانون أول/ديسمبر(آكانيوز)- قالت الشاعرة الكردية بريزاد شعبان ،اليوم السبت، إن ضمير المعمورة لا يهتز، عندما يكون الجرح كرديا، وان الوجع الکردي کان يتيما، ولم يعر احد له‌الاهتمام من قبل المجتمعات والشعوب الاخرى، مشيرة الى ان ما تكتبه هو جزء من هذا الوجع الانساني الذي ينحره‌الظالم ويزهقه‌ الباطل.


الشاعرة بريزاد اعدم ابوها امام ناظريها وهي ابنة السبعة اعوام.. وهي العائدة لتقيم في إقليم كردستان مجددا بعد اثني عشر عاما من الاغتراب في أوربا.. وكان لمراسل (آكانيوز) في دهوك هذا الحوار معها:

س: كيف ترين الفرق بين الشاعر الذي يمتدح السلطة، والشاعر الذي يمتدح الشعب؟ والى أي خندق تنتمي بريزاد؟ ولماذا؟

ج: في الزمن الغابر، وخاصة في الجزيرة العربية، كان لشاعر السلطة دور مهم في المجتمع، وفي مدح الحاکم، بل کان الشاعر يعتبر الاداة الاعلامية في ذلك الوقت، فکان يضيف على الحاکم صفات لا يمتلکها الاخير، فيمتدحه‌ ويصفه‌ بالعادل وهو الظالم، وبالقوي وهو الجبان، وغيره من الثناء والمديح الذي لم يکن يستحقه‌ الحاکم، وکل ذلك کي ينال بعضا من الدراهم.. ومعها رضا الحاکم أو السلطان، فاصبح الحاکم البخيل کريما والجبان شجاعا وما الى ذلك.

وتابعت: لذا فان الفرق شاسع ما بين شاعر السلطة وشاعر الشعب، فشاعر الشعب يعيش مع هموم شعبه‌ ويدون ما يعانيه‌ من اضطهادات ومعاناة سواء من قبل السلطة او من قبل المجحفين بحقوق هذه‌الشعوب، ونراهم السنة اقوامهم وصدى اصواتهم، تلك الاصوات التي صرخاتها لا تصل الى المعنيين في السلطة، فتصبح القصيدة خبزا للبطون الجائعة التي لا يسمع قرقرتها المسؤولون، فنرى القصيدة تتلون مرة حمراء کدماء شهداء الوطن، ومرة خضراء کثوب ربيع الوطن، ومرة اخرى نراها تئن وجعا مع وجع المضحين، ويشرفني.. ان اکون شاعرة للشعب الذي اتمنى ان يقبلني ان اکون صوتا له بکلماتي وقصائدي التي لا يمکن ان تکون لغيره.

س: من يقرأ اشعار بريزاد يجد انها تتقوقع في ذكرى استشهاد ابيها، وشغفها بكردستان، ونادرا ما تخرج الى فضاءات اخرى.. كيف تردين على هذا؟

ج: لقد کان لاستشهاد والدي الاثر الحزين على قلبي، فليس بالسهل على طفلة ذات سبعة اعوام تحضر يوم اعدام ابيها وتشهد اثار التعذيب الواضحة على جسده،‌و ترى قافلة من الشباب والرجال من وراء الوالد وهم يهتفون باسم بارزاني وکردستان، ومن ثم يسيروا افواجا وبکل شجاعة نحو خشبة الاعدام..

وتابعت: والدي هو بطلي وهو رفعة راسي وافتقده‌کل يوم، وشغفي بکردستان جاء نتيجة استشهاد هذا الوالد، لاني ادرکت ان فداءه ‌بروحه ‌للوطن يعني شيئا کبيرا، وان هذا الوطن يستحق ان يترکني من اجله‌ والدي، واستمرت رحلة عشق کردستان معى منذ ذلك اليوم، وکبر کل يوم مع الوعظ اليومي لوالدتي لنا السيدة الشاعرة صبرية هکاري التي قادت المسيرة بعد والدي، وزرعت عشق کردستان في قلوبنا نحن اطفالها التسعة الذين ورثتهم من ابي، لکني اخرج الى الفضاءات الاخرى احيانا وخاصة اني اکتب آهات أنثوية وعن معاناة المرأة ،
واحساسها المجروح..

س: بريزاد في المهجر لاثني عشر عاما.. وبريزاد في اقليم كردستان مجددا.. كيف تنظرين لسنين الاغتراب؟ وماذا اغناك الاغتراب؟ وماذا خسرت؟

ج: لقد قلت في الاغتراب
تخاصمني الشمس
…لانني في صيف الغربة
ارتعش بردا لدفء کردستان
حبلت من الغربة…
انجبت طفلي الغريب
مرضعته‌المنفى
يا حسرتي عليه‌قد فقد النطق والبيان
الاغتراب لم يکن بإرادتي بل حکمته علي الظروف القاهرة…وانا لم احس يوما بالانتماء لذلك المجتمع، ولم تغنيني الغربة بشيء، بل وبکل صراحة خسرت کل شيء.

س: اذا كانت كل “دمعة في عين طفل کردي هي قصيدة” لبريزاد.. فهل يعني ان الاوجاع المحلية فقط ما يشغلك عن الهم الانساني الاكبر؟ وهل من مثال على اهتمامك بالوجع الانساني؟

ج: ان الوجع الکردي کان يتيما، ولم يعر احد له‌الاهتمام من قبل المجتمعات والشعوب الاخرى، ولم يکتب عن هذا الوجع إلا القليل، وظلت هذه‌الحسرات محبوسة بدواخلنا، فتضخمت واصبحنا نکتب عن کل دمعة عين لفلذات اکبادنا الذين لم يتنازل احد ليمسح دموعهم‌البريئة ، بينما نجد ان عرش العالم يهتز لموت عاهرة.. وقلت في ذلك
عندما يکون الجرح کرديا
لا يهتز ضمير المعمورة
والارض شاهد زور
تخبئ قبائحهم
والأبابيل لا ترمي الأحجار
وان ما اکتبه‌انما هو جزء من هذا الوجع الانساني الذي ينحره‌الظالم ويزهقه‌ الباطل.. وانا اهتز مع کل وجع انساني في کافة المعمورة لکني لم اخرج بعد من الوجع الکردي الذي ارى انه‌علي ان اکتب عنه‌واصل بمعاناته‌ للآخر وخاصة للناطقين بلغة الضاد..
عندما ظهرت في بغداد فضيحة ايتام دار الحنان، کتبت عنهم بکل ما حملوا من وجع وما نالوا من ظلم اللا إنسانيين، ولم افرق ابدا بين وجعهم ووجع اطفال الکرد في حلبجة والانفال…

س: تكتبين بالعربية عن آلام شعب لا ينطق بالعربية.. ما هي المسافات لديكِ بين الألم الحقيقي والتعبير اللغوي الأمين؟ هل من معضلة لغوية تواجهينها في الكتابة بالكردية؟

ج: لقد کنا ضحايا اللغة تحت ظل النظام البعثي البائد، فلم نتعلم الکردية بالشکل المطلوب ولا العربية بالطبع، هذا ما طبق علينا في کردستان، وکان هناك فرض على التعليم علينا نحن عوائل الشهداء، فکان النظام البعثي يلقبنا بالمشبوهين، ونالت عائلتنا بعد استشهاد والدي نصيبها من تلك المعاناة، حيث صدر امر رسمي من قبل ما كان يسمى مجلس قيادة الثورة بعدم السماح لنا الدراسة بعد الاعدادية، وفصلت اختي الکبيرة بريڤان شعبان عن معهد المعلمات وهي في المرحلة الثانية، و قرأوا لها نص القرار وقالوا اننا لا نؤمن بانك تستطيعين ان تزرعي مبادئ البعث للجيل الجديد.. وهذا ما سبب لنا الإحباط، ولکن التخرج من الاعدادية والتثقيف الذاتي ساعدنا على تجاوز تلك المرحلة الصعبة من حياتنا.

وتابعت: هنا لابد ان اتي الى الصورة الشعرية التي تتکرم علي لاکتب وارسم ملامحها التي لا تفارقني، فتأتي هذه‌الصورة باللغة العربية، ومنذ بداياتي في الکتابة حلت هذه‌الصورة ضيفة کريمة على افکاري، لذا فانا لا ارى أي مشکلة لدي في التعبير الاتي، بل انا اترجم روحيا کل شيء کرديا من هم وجراح ومعاناة وابتسامات وزهور الى اللغة العربية وارسلها مع کل جوارحي للقارئ وخاصة للقارئ العربي، البعيد نوع ما عن ما تعانيه‌الامة الکردية، واظن ان رسالتي تصل اليهم، والدليل على ذلك التعليقات التي تصلني من القراء سواء کانت ايجابية او سلبية ولکنها تصل على کل حال.

واضافت: ورغم انني من امة الکرد العظيمة، وامة لا تنطق بالعربية، الا انني لم اخسر أي شيء، لانني اکتب عنهم وبلغة اخرى ارسلها الى الراي الاخر البعيد عن جراحنا ومعاناتنا، والحمد لله‌لدينا الکثير من الکتاب باللغة الکردية ولکن الاخر يريد الکتابة الحاضرة بلغته‌حتى يقرأها، لذا فليکن بيننا نحن الکرد بعض الاقلام الکاتبة بالعربية وباللغات الاخرى، حتى نبني مع الاخر جسرا للتقارب والتفاهم، ونحن نکتب في محورين مهمُين اولا بناء الجسور مع الراي الاخر والثاني محاربة الشوفينية والعنصرية التي تمارس ضد الکرد.

س: الكلمات المنكسرة والجريحة التي نراها بوضوح في الكثير من اشعاركِ، ما هو سببها؟ هل تشعرين انك تنتمين لامة منكسرة؟ ام هناك ما هو خفي علينا؟

ج: ان هذه‌الکلمات الجريحة انما هي دوائي وبلسم قصائدي، واکيد تأتت من تاثير ما مررت به‌وما مر به‌الشعب الکردي في جنوب کردستان، فلقد مشيت خطوة خطوة مع والدي من يوم اعتقاله‌ والى يوم اعدامه‌، وبعد استشهاده‌ظل هناك فراغ کبير في قلبي الصغير ذي الأعوام السبعة، وکنت اظن ان هذا الفراغ نتيجة رحيله‌ عنا، ولکن بعد ان کبرت ادرکت بانني لست انسانة کاملة وينقصني اهم شئ يملکه‌الانسان وهو الوطن الذي کنت اراه‌ ينحر امامي فکنت ارى الاعتقالات والرمي بالرصاص على ابناء امتي.

وتابعت: لقد عايشت الانفال وقدمنا قرابين من عائلتنا، وجاءت بعدها فاجعة حلبجة، کل هذا تعايشت معه‌، وادرکت مدى الظلم المسيطرعلينا وکم نحن امة منکسرة لا احد يغيثنا لا في الارض ولا في السماء.. لذا ولدت قصيدتي جريحة تعاني من المرارة، ولابد للراي الاخر ان يفهم ذلك ويتعايش معها حتى يؤمن بنا ويدرك ان نسمات الحرية التي نستنشقها اليوم في جنوب كردستان اتت بعد ويلات کثيرة، ورغم هذا فان الاغلبية وللاسف الشديد يريدون خنق تلك النسمات وهذا دليل على عدم فهمهم الروحي والوجداني لنا…

س: حبل المشنقة.. هل هو بداية شاعرة ومعاناة انسان؟ ام نهاية حياة انسان عزيز عليك؟ ام يمثل شيئا اخر؟؟

ج: حبل المشنقة له ‌معان کثيرة عندي، اولها انه يکرم الانسان ولا يذله‌ إن کان هذ المعلق بين أنيابه‌ يغدو شهيدا من اجل وطنه‌، ولم يکن معه ‌نهاية حياة انسان عشقته‌ واعشقه‌، بل کانت بداية لتخليد روحه ‌الطاهرة، فبذلك الحبل وبتلك الروح اليوم يعلو علم كردستان بحبال من اوتاد ارواح شهدائنا، وکلما ارى علم كردستان عاليا اعلم ان وراءه ‌ابي وکل شهداء كردستان، وهذا ما يقلل من وجعي وحرماني منه‌، فلقد کرمني والدي وتوجني اميرة على عرش شهادته..‌ألا يکفيني فخرا انني ابنته‌؟

(آكانيوز) خ خ 19/12/2009