الرئيسية » شخصيات كوردية » كلمة في احتفالية الراحل ناجي عقراوي

كلمة في احتفالية الراحل ناجي عقراوي

ايتها السيدات ايها السادة
ناجي عقراوي ” الأنسان ” يعشق كوردستان الوفية
حينما يولد الطفل لا نعرف ماذا سيكون عليه هذا الطفل هل سيكون مهندساً ام طبيباً او وزيراً ام فلاحاً ام عاملاً ، لكن ما نعرفه بشكل اكيد ان هذا الطفل مهما بلغ به العمر سيموت يوماً ، وفي بحر الحياة التي عاشها سيكون له سجل ماذا قدم لنفسه ولوطنه ولشعبه ، وهذا سيكون مطبوعاً للاجيال القائمة بما تركه خلال حقبة الحياة التي تعتبر لحظة من عمر الزمن .
ناجي عقراوي حياته حافلة بالحركة والشباب الدائم ، وكان اهم ما تعلمه في حياته هو التفكير بصوت عالِ ، وهذا ما جلب له سخط ونقمة الحكومات ومن يقفون ضد إرادة الشعوب ، فكانت اولى محطات ناجي عقراوي النضالية هو تعرضه للفصل من الجامعة في البصرة لانه يريد ان يقول بصوت عالٍ ان قوميتي كوردية وإنني اعتز بها وبشعبي الكوردي ، وكان جزاؤه الفصل من الجامعة ثم إلقاء القبض عليه وأيداعه السجن لسنين .
بعد سنين الدراسة والسجن كانت شخصية ناجي عقراوي قد نضجت سياسياً وباتت الأفكار النضالية تداعب مخيلته المرهفة فاختار طوعياً طريق النضال المحفوف بالمخاطر والصعاب ، أنها الأرادة وكما يقول زرادشت :
اريد ان اهيء ذاتي وصميم إرادتي فاصبح كالقوس ألتوي شوقاً لاحتضان سهمه وكالسهم يطير شوقاً نحو كوكبه .
هكذا التحق ناجي عقراوي بالثورة الكردية التي كان يقودها القائد الكوردي التاريخي ملا مصطفى البارزاني ، وكان ذلك اوائل السبعينات من القرن الماضي . لقد صقلت الثورة مواهبه النضالية بحق وكانت بمثابة كلية الحياة . وبعد تواتر الأحداث والمآسي المعروفة على كوردستان كان ناجي عقراوي لا ينسى شعبه فكانت محصلة عمله الوظيفي او في الأعمال الحرة كلها تصب بطريقة وأخرى في خدمة شعبه ، وفي آخر المطاف بعد عقود من العمر ونضوج تجربة الحياة عكف ناجي عقراوي على خدمة شعبه بفكره وقلمه ، فدأب على الكتابة موجهاً بوصلة كتاباته نحو فنار مصلحة شعبه ومحبوبته كوردستان وهو يقول :
ساكتب ما ينفع امتي وينصر قضيتي ويدعم كوردستانيتي بالقلم. وسانتقد ما اراه غير صائب ومقصر في حق الكورد حتى لو كان صادرا من جهة مسؤوله او حزب معين بالقلم. واصرخ بوجه الظالم لانصف المظلوم بالقلم. ولو انا اخطات ووجدت نفسي محرجا امام خطأي ساعتذر واتحمل المسؤوليه بالقلم ايضا. وساكون قويا وجريئا لصالح الشعب فاما ان اكون هكذا او لا اكون “.
ومن المحطات المضيئة في حياة ناجي عقراوي استقراه في بلاد المهجر والأنكباب على الكتابة والأتصال بالمعارضة العراقية ، ولكن هنا كان على ناجي عقراوي ان يخوض معركة اخرى في حياته الا وهي مقارعة الأمراض التي داهمته ، فكان سلاحه الوحيد في هذه المعركة هو السيرورة في ممارسة الحياة النضالية والكتابية والى البقاء وفياً لمعشوقته كوردسان الى آخر رمق من العمر .
هكذا ايها السيدات والسادة نجتمع اليوم قادمين من اقاصي الأرض قاطعين الاف الأميال من اجل الوفاء لاستذكار ذلك الحلم او الرمز ، فنحن جميعاً نعرف ناجي عقراوي ، فمن عرفه قريباً ومن عرفه صديقاً ، ومن عرفه عبر اللقاء الفكري معه فيما سطره من كتابات على المواقع الألكترونية وهنالك من يعرفه مكافحاً في سوح النضال في شعاب وذرى جبال كوردستان الشماء ، وأنا شخصياً ازعم اني عرفته من خلال ما سطره قلمه المبدع ومن انفتاحه وطروحاته الأنسانية على المكونات العراقية برمتها دون تعصب ، ففي عام 2003 يكتب الراحل ناجي عقراوي مقاله الموسوم :
: يجب تفعيل حقوق اخوتنا الكلدان في العراق ورد فيه :
(( .. الحس الوطني ليست صناعة تصنع بالأفكار الزاعقة أو بالأصوات الصاخبة ، بل هو صحوة ضمير تتجلى في الممارسة ، فالمواطن الحقيقي لا يرتاح ضميره إذا كان شريكه في الوطن مهضوم الحقوق ، يكون من العقل أن نستخلص الدروس والعبر مما جرى في عهد الديكتاتور البائد و ما قبله ، إن المقابر الجماعية والأنفالات والكيماويات والزنزانات والحروب العبثية .. وغيرها من المظالم … فليس من العدل بشيء أن نطالب المواطن المهضوم حقوقه ، بأن يكون مواطنا مستسلما للأخ الكبير ليثبت مواطنيته ، فلا بد من إرساء أسس صالحة لترسيخ دعائم جميع أطياف الشعب العراقي ، لا على أساس حرية العبادة فقط ، بل على أسس المشاركة والمواطنة والمساواة للجميع ، آخذين بالمفيد من تجليات العصر وأساليبه في إحقاق حقوق العراقيين كافة ، ومنهم حقوق أخوتنا الكلدان باعتبارهم كثالث أكبر قومية في العراق .
لقد طبعت انا شخصياً هذا المقال ووزعته لبعض الأصدقاء وأقول هذا اخ لم تلده امك انه يدافع عنك وانت لا تدافع عن حقك .
ومن يزمع التجول في الفضاء الفكري لناجي عقراوي سيجد فضاءً منفتحاً على الآخر وتمسكاً واعياً بعراقيته فقد قرأت له مقالاً هو اقرب الى بحث سياسي يقول فيه : الكورد يرفضون كونفدرالية : تركية ـ كوردية ويتمسكون بعراقيتهم ويكتب بنفس المقال :
على النخبة المثقفة العراقية والواعية العمل على ترسيخ الوحدة الوطنية ، والعمل باتجاه تفعيل حقوق جميع العراقيين المذهبية و الدينية و القومية ، حيث ليس من المعقول أن يمثل هذا الكم الهائل من المسيحيين ممثل آشوري وتعدادهم لا يتجاوز بضعة آلاف في العراق ، في حين القومية الكلدانية تعتبر ثالث قومية في العراق ، ويحرمون من التمثيل في المجلس الانتقالي ، و كذلك من الإجحاف أن لا يمثل الكورد الشيعة الفيلية والصابئة أحفاد سومر وأكد وكذلك الكورد اليزيديين في المجلس .
ثم يكتب مقالاً عن حبيبته كوردستان وعن شعبه الكوردي يقول عنوانه : الكورد ليسوا ضيوفا في العراق بل شركاء في الوطن ويمضي الى القول :
الكورد متواجدون على ارض وطنهم و هم ليسوا زوار أو وافدين إلى ارض الرافدين يوم أمس ، والذي لا يعجبه ليتفضل ليخرجنا من أرضنا ، أو يشرب من ماء البحر لضعفه ، كي يموت بغيضه وحقده لأنه لا يستطيع فعل شئ ، سوى العويل إلى حين أن ينفجر .
وناجي عقرواي لا تفوته ذكرى عزيزة على شعبه فيكتب في 14 /3 / 2003 مقالاً تحت عنوان :
سيبقى البارزاني مصطفى خالدا في ذاكرة شعبه
وفي هذا المقال وفي هذه المناسبة يسكب الكاتب القدير ناجي عقراوي كؤوس المحبة والعشق ليس لكردستان فحسب بل لعموم العراق العظيم يقول :
غادَرنا من نحب و في يديه حفنتين من التراب، تراب العراق وتراب كردستان ، و قال أودعكم هذه الأمانة لجراحات المعذبين النازفة ، فصنع منها العراقيون في الانتفاضة الشعبانية مسلة شامخة بعد أن جبلوها مع رماد السنين ، وجبلوها ثانية بدماء الشهداء و ثالثة مع مياه دجلة والفرات ومياه الزابين ومياه الاهوار ، ومن ثم مع ذرات تراب كربلاء والنجف وتراب العمارة والناصرية والديوانية والبصرة وتراب كركوك والسليمانية وهه ولير ودهوك .. بهذا الأفق الواسع يكتب ناجي عقراوي فهو يعتز بعشقه اللامحدود لكوردستان مع اعتزازه العميق في الوطن العراقي .
كان يعمل على نشر الوئام بين تشققات الحياة المعاشة لغرس بذور التفاهم والتسامح ، من ارضية ان التعامل مع الآخر قيمة فلسفية قبل ان تكون ضرورة مصلحية تنتفي صلاحيتها بانتفاء الحاجة او المصلحة .
ادرك ناجي عقراوي ان سلاح الفكر لا يقل اهمية عن سلاح البندقية ، وأراد ان يخوض معركة القلم ، وكانت هذه المعركة تتطلب منه ان يتسلح بلغة رصينة وبأدوات ثقافية معرفية فكرية متنوعة لكي يستطيع السباحة ضد التيار ، جنباً الى جنب مع تجاربه الغزيرة في الحياة ، كان تحمسه وانكبابه على القراءة للاغتراف من مناهل العلم والادب والمعرفة ، فلقد ادرك ان الجندي الشجاع في المعركة يحتاج الى سلاح ماض لكي يحقق النصر .
ناجي عقراوي كان صاحب قضية ، فكان يعجن كلمته بعرق قضيته ، فهو لا يريد ان يكون كاتباً عبثياً دون رؤية وموقف ، فاتخذ قضية شعبه نبراساً يضئ له الطريق ، عشق كوردسان فكان لابد من التحرر من كوابح الاشارة الصريحة الى مآسيها ، ومن اجلها تألبت عليه التهديدات والأنتقادات ، لكنه بقي على المجاهرة والصراحة في انحيازه الكامل لشعبه ولحبه لكوردستان ، وهو يدرك ان الشجرة المثمرة هي التي ترمى بالحجارة فبقي مركبه يشق طريقه مهتدياً بالمنارة المضيئة التي تهدي مسيرته في متاهات بحار الحياة المترامية وسط الأمواج والرياح العاتية .
انتقل ناجي عقراوي الى دول المهجر بعد مسيرة ترحاله عن الوطن وبقيت صور كوردستان مركونة في اعماق قلبه ومعها بقي مخلصاً وفياً يعمل على انتشال الفرح والأبتسامة من براثن الخوف والتعسف وزراعة الأمل والأستقرار والنهوض في مشاتل اليأس .
كان ناجي عقراوي يحلم دائماً ان تتغرد وتنشد العصافير الحان التفاؤل وتتراقص بخفة وتنتقل بين اشجار السنديان في الصباحات الباكرة من غصن الى آخر وهي مخمورة بالسعادة والأطمئنان فلا تنطلق فَزعة في ارض كوردستان الأمينة . أجل ان كوردستان تنعم بالأمن والأستقرار ويغرد القبج الكوردي وتتزقزق العصافير بخفة ورشاقة دون فزع او خوف ، ونتمنى للوطن العراقي ان ينعم بالأمان والأستقرار كما في اقليم كوردستان .
كان ناجي عقراوي يتطلع الى دوحة العراق العظيمة التي يستظل بظلالها العربي والكوردي والتركماني والكلداني والسرياني والأشوري والأرمني والمسلم والمسيحي والصابئي واليزيدي والشبكي وكل وكل اطياف النسيج المجتمعي العراقي الجميل .
بقي ناجي عقراوي الشجرة العملاقة التي لا تميل مع الرياح الى ان تهوي ، وهكذا هوى ناجي عقراوي واقفاً شامخاً دون ان ينصاع او ينحي لظالم مهما تجبر .
من اجل وفاء هذا الأنسان الجليل تشكلت لجنة الوفاء يالتعاون مع وزارة الثقافة في اقليم كوردستان لكي ينظم هذا التكريم الجميل ، ويحضرها هذه النخبة المثقفة من العراق ومن كوردستان ومن اصقاع الأرض للاحتفاء وتكريم ناجي عقراوي .
تحية اكبار وإجلال للكاتب القدير والمناضل وبن كوردستان والعراق ونصير الأقليات الراحل ناجي عقراوي سوف نبقى نذكرك ايها الكوردي الشهم ناجي صبري عقراوي …. الأنسان

حبيب تومي