الرئيسية » شخصيات كوردية » محاضرة في مهرجان الراحل ناجي عقراوي القضية الكوردية العادلة ولغة مخاطبة الاخر

محاضرة في مهرجان الراحل ناجي عقراوي القضية الكوردية العادلة ولغة مخاطبة الاخر

القضية الكوردية هي قضية شعب عاش ويعيش على ارضه التاريخية في تلك المنطقة الجغرافية من الشرق الأوسط. الموزعة بين دول المنطقة: العراق،ايران،سوريا،أرمينيا،جورجيا وتركيا. من الصعب تحديد المنطقة الجغرافية لكوردستان لعدم اعتراف الدول آنفة الذكر بهذا الكيان. حيث تم تقسیم كوردستان قسرا في اتفاقیة لوزان المبرمة بین الدول المنتصرة في الحرب العالمیة الأولی. وتلك هي تاريخ ولادة القضية الكوردية.
تنبع عدالة القضية الكوردية:
أولاً: انها قضية شعب يتجاوز تعداده الاربعين مليون وهو الشعب الوحيد في العالم بهذا الحجم وليس له
دولة
ثانياً: عاش وما زال على ارضه التاريخية.
ثالثاُ: محروم من أبسط حقوقه الثقافية والاجتماعية وحتى الحديث بلغته الام في أكثر المناطق التي اقتسمت
ارضه.
رابعاُ: تعرض الى حملات أبادة واسعة وما زالت تهدد وجوده وكيانه.
خامساً: لم يتوقف يوماً من المطالبة بحقوقه المشروعة وقدم في ذلك الطريق قوافل من الشهداء وكل غالي
ونفيس.

أن توزع الكورد بين أكثر من بلد، كانت ولا زالت العلاقات بينها بين مد وجزر ولكنها كانت تلتقي وتتحالف دوماً على وقف الطموح الشعب الكوردي لنيل حقوقه المشروعة بحياة كريمة، ومع تفاوت تلك البلدان في سياستها تفاوتً وضع الكورد وتطور قضيتهم.

تطورت القضية الكوردية في العراق في العقود الماضية مع أستمرار النضال، وسنحت الضروف الموضوعية والذاتية الى ظهور تجربة فريدة تمثلت بأقليم كوردستان، أن ظهور حكومة كوردية في المنطقة أصبح يحملها عبئاً ثقيلاً متمثل بأرث طويل من الانتكاسات وتخلف في المناطق الكوردية من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نتيجة لسياسة التهميش والدمار والحروب على مدى عقود.
أن سياسة التدخل في شؤون الكورد في وسط محاط بالاعداء وفي ضروف سياسية صعبة تعيشها المنطقة القى بظلالها الثقيلة على هذه الحكومة الناشئة، وخاصة مع ما مطلوب منها اكبر من أمكانياتها وطاقاتها، كما أن الوضع العام في المنطقة لا يسمح لها بحرية التصرف والتعبير عن الامال الكوردية الواسعة، في ظل سياسة دولية لها حساباتها ومصالحها مع دول الجوار الكردستاني.

لم يكن نضال الكورد يوماً بمعزل عن نضال الشعوب في الدول التي تتقاسم كوردستان وخاصة وان تلك الدول أبتلت بحكومات فاسدة بعيدة عن النهج الديمقراطي ان لم نقل دكتاتوريات لم تحقق لشعوبها سوى الذل والفقر، لذا أمن الكورد أن قضيتهم أيضاً لا تتجزأ عن قضية الشعوب تلك وخاصة في مطالبتها بالديمقراطية وحقوق الانسان ورفاهية المواطن بشكل عام. لذا شاركت في نضالها كل القوى العاملة من أجل ذلك وبرهنت عن وطنيتها دوماً في المواقف الصعبة وفي الانتفاضات والهبات الجماهيرية. فلعب هذا دوراً أوعاملاً مقرباً بين القوى الوطنية في تلك البلدان والحركة التحررية الكوردية فبرزت قوى مساندة للشعب الكوردي في نضاله لنيل حقوقه ومؤمنة بعدالة قضيته. وعلى الرغم من طول فترة الثورات الكوردية وكثرة الضحايا من الجانبين، الا أن المشاعر الشعبية بين تلك الاقوام لم تتأثر أبدا وأنما أمنت أن هذه الحروب لا تعكس سوى مصالح حكام لم يؤمنوا أصلاً بحق شعوبهم، لذا برز الكثير من المناضلين من القوميات الاخرى نادت بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي دفعت من حريتها ثمناً لمواقفها ودخلوا غياهب السجون.
أمتاز العقدين الاخيرين بتغير كبير في هذه النظرة وخاصة ومرور المنطقة بضروف جداً معقدة. أن التحرر النسبي للكورد منذ نشوء المنطقة الامنة لهم في أوائل التسعينيات من قبضة الدكتاتورية الفاشية على أثر حملة أبادة واسعة وعنيفة تمثلت بحملات الانفال وجريمة حلبجة، ونشوء جيل جديد شهد كل تلك المآسي وعايشها، ثم أبتعد عن تواصله السابق مع بقية أجزاء العراق، مما ولد شعوراً طبيعياً بالنفور عن الاخر المختلف والذي يعزى اليه تلك المآسي. وعزز ذلك الشعور أبتعاد الجانب الاخر أيضاً عن التواصل والذي كان ما يزال يرزح تحت نير الدكتاتورية وبطشه ولم ينعتق منها حتى دخل في دوامة مآسي أخرى تمثل بالارهاب واستهداف مسيرته الجديدة لتزداد معاناته تحت سيف القتل وحملات التهجير والاقتتال الداخلي على اسس طائفية. واصبح البلد مستهدفاً من جهات محلية ودولية تم التوظيف فيها الى جانب تدخلاتها ودعمها للعمليات الارهابية بكل أمكاناتها، حملأت اعلامية تضليلية عنيفة توسعت آفاقها مع سهولة الاتصال وانتشار الفضائيات واصبح الفضاء مفتوحاً لكل التوجهات المعادية لطموح الشعب العراقي وفي استقرار وضعه، وكان نصيب الكورد الاكبر في تلك الحملات المسعورة. والتي أدت وللاسف الشديد الى تضخيم الخلافات ونشر الاتهامات الباطلة البعيدة عن الحقيقة، ولكن لكونها وضعت بدراسة دقيقة ومن قبل خبراء فوجدت لتلك الحملة نتائجها في نفوس الكثيرين وفقدنا الكثير من أصدقائنا وخاصة مع خلط الاوراق وعدم وضوح الرؤيا، وصعود النزعات الشوفينية والطائفية وفي ظل غياب حملة معاكسة من الكورد للدفاع عن انفسهم وعدم وجود سياسة أعلامية تهتم بالاخر، وخاصة ونحن نعلم ان الشعوب لا تنتصر بحجم عدالة قضيتها وانما بقدر ما تكسب من أصدقاء ومساندين وخاصة في الضفة الاخرى تؤمن بتلك العدالة ومستعدة لتقديم التنازلات الصعبة.
الا فكيف نفسر اتهام الكورد بانهم يسعون الى تكريد المناطق المتنازع عليها، في وقت لم يرجع حتى المهجرون قسراً الى اليوم لأماكن سكناهم السابقة؟!
وكيف نرد على اتهام الكورد انهم سهلوا دخول الامريكان الى العراق ؟! في وقت دخلت هذه القوات من البلدان العربية التي تتهمنا بذلك.. وكيف نرد على اتهام أن الكورد يشاركون في عمليات قتل ونهب ولم يلقى القبض على اي كوردي متلبس في ذلك، فيما ثبت ذلك على الكثير ممن يتهموننا بذلك. أما دعوة اننا طارئون على المنطقة وتشبيننا بأننا أسرائيل آخرى فتلك يمكن ان تكون من أغبى الادعات. أما الاستغلال الضروف واستقطاع اجزاء من العراق وأخذ اكثر من حقوقنا ما هو الا فيض من سيل هادر توحد فيه اعداء الكورد في ترديده. ووجد ضمن الوضع المزري آذاناً تستمع اليه.
من هذا الواقع المرير يجب أن ندرس أسباب أخفاقنا في مواجهة هذه الحملات والتي جعلتنا نفقد أصدقاء كانوا الى يوم قريب يدافعون عن حقوقنا، ووضع حلول آنية وأخرى بعيدة المدى وان يتم دراسة هذا الاخفاق والعمل على تجاوزه وفق أسس عملية وعلمية.
للكورد أعداد كبيرة من مثقفين وأعلاميين وكتاب يجيدون الكتابة بلغات الشعوب التي تتقاسم كوردستان بالاضافة الى لغات عالمية أخرى يمكن الاستفادة منهم لتوصيل قضيتنا الى كل شعوب وخاصة ان الظرف الذي مر على الشعب الكوردي تسبب في هروب اعداد لا يستهان بها من أولئك المثقفين واستقرارهم في المنافي المختلفة. فهم طاقة وقوة مهدورة ان لم يتم الاستفادة منهم وبشكل منظم ومبرمج . طاقة وقوة تصرف عليها بعض البلدان أموال طائلة للحصول على مثيل لها تدعمها في سياساتها وقضاياها.
نحن هنا لنحتفي بفقيد سخر قلمه وصحته وكل ما يملك من أجل قضية شعبه، لم يجد لا هو ولا عائلته عندما داهمه المرض من معين ولا مساند، ثم لنفقده في المنفى وحيداً بعيداً عن وطنه، كم مثقف وكاتب ومبدع فقدنا قبله وسنفقد بعده؟ ماذا قدمنا له ولامثاله ونحن بأمس الحاجة لهم ولابداعهم ولقلمهم الذي لم يكل ولم يتعب حتى يداهمهم المرض والموت. ماذا هيئنا لقوانا الضائعة في منافي الارض تشقى من أجل لقمة العيش وكان دوما نصيبها الاهمال, وهم معيننا في مواجهة الاعداء ومخاطبة الاخر.
كما اسلفنا لا نستطيع أن نحقق أي من حقوقنا المشروعة دون أن نجيد فن مخاطبة الاخر، من نقصد بالاخر هنا :
ألاخر هم الاقوام التي تتقاسم اراضي كوردستان اوالمجاورة لنا وتلك الدول والشعوب التي تؤثر في السياسة العالمية ومواقف الرأي العام العالمي. وبالضرورة سيكون أسرع وأبلغ تأثيراً أن كان مخاطبتنا لهم بلغتهم، ان توصيل خطابنا الحقيقي هو هدفنا والطاقات لتنفيذ ذلك موجودة، وخاصة مازال هناك جيش من المثقفين الذين يجيدون اللغات العربية والفارسية والتركية بالاضافة الى الذين توزعوا في الشتات واصبحوا يجيدون لغات تلك البلدان كأبنائها الاصليين ، وكل ما نحتاج اليه هو أهتمام أكبر بهذه الطاقات وتحديدها حتى تستطيع الابداع والتواصل. كما أن وضع برنامج واضح لفهم الاخر عبر لغته وطريقة تفكيره لمهمة ليست بسهلة ولا يمكن تحقيقها سوى بالتواصل المستمر.
قد تحتاج اللغة الكوردية الى كتاب افذاذ يجيدون التحدث والكتابة بها وذلك جزء مكمل للشعور القومي، والاهتمام بها هو جانب أخر يدخل في الخطاب الداخلي مع الجماهير الكوردية وخاصة ونحن مع توزعنا على لهجات وطرق كتابة مختلفة وعلى اكثر من بلد، ومع انتشار الامية جعلنا اكثر شعوب المنطقة تشعر بالاغتراب بين أبناءها، لذا كانت مسألة توحيد اللغة الكوردية ( اي ايجاد لغة رسمية واحدة) ضرورة ملحة يجب ان تضطلع بها هيئات خاصة من علماء ومتخصصين في اللغة مستفيدين من تجارب الشعوب الاخرى.
لكن ذلك لا يعني أبداً أن نبتعد عن لغات الشعوب التي تقتسم كوردستان، وخاصة وأن قضيتنا ما زالت قائمة، كما وعلى مدى مئات السنين كتب الكثير من مثقفينا بتلك اللغات وتركت تراثاً كبيراً و واسعاً لم يجمع ويبوب الى اليوم كتراث انساني ومساهمة منا ككورد في ثقافة والحضارة العالمية وخاصة الاسلامية اذا استثنينا بعض الجهود الشخصية لسنا الان بصدد ادراجها او تعدادها. كما أن الكثير من تاريخنا وتراثنا مكتوب بتلك اللغات، وما زلنا نحتاج الى التنقيب والبحث والدراسة المتواصلة فيه.
مما سلف نتوصل الى انه هناك ضرورة كبيرة لايلاء أهتمام خاص بلغة مخاطبة الاخر لاثبات حقوقنا القومية المشروعة ويتم ذلك عبر:
أولاً : وضع سياسة أعلامية واضحة تهتم بالاخر ومن أبرز اعمدة تحقيق ذلك يكون بالاهتمام بكتاب الكورد الذين يكتبون باللغات غير لغتهم الام، لان افضل سبل الوصول الى الاخر هو المخاطبة بلغته كما اوضحنا. ويكون الاهتمام بالكاتب الكوردي عبر:
– تأمين وضعه المادي ليتفرغ لعمله الابداعي.
– منح عضوية نقابة الكتاب والصحفيين الكوردستان للكتاب الكورد الذين يعيشون في المنافي ويكتبون بأي لغة
– دعوتهم الى المؤتمرات الثقافية والعلمية والاختصاصية التي تقام في الاقليم
– شمولهم باي تكريم يمنح لنظرائهم في الاقليم.
– وضع صندوق أعانات أو مساعدات تقدم اليهم في حالة أصابتهم بالمرض او العوق.
– شمولهم بالجوائز التقديرية والابداعية

ثانياً: ايلاء الاهتمام خاص لكل الكتاب من الاقوام الاخرى والشعوب الصديقة التي تدعم الحقوق
المشروعة للشعب الكوردي من خلال:
– عقد ندوات ومهرجانات يدعى اليه المهتمون بالشأن الكوردي وبشكل دوري وخاصة من المساندين
لقضيتنا.
– الاهتمام بما يكتب هؤلاء والاستماع الى وجهات نظرهم
– عدم الاكتفاء بالرد على ما يطرح من آراء مخالفة على انها تنبع من روح شوفينية، وانما دراستها
وفهمها فربما يكون هناك جمهور واسع يؤمن بذلك الطرح لذا يجب ان يكون الرد موضوعياً بعيداً عن
التشنج.

ثالثاً: تأسيس مراكز أستراتيجية للدراسات واستطلاع الرأي
أن عالم اليوم والذي اصبح قرية صغيرة لا يمكن أن يستغنى عن رأي الجماهير المتلقية للاخبار واستطلاء رأئيها في سياسات الاقليم وامور اخرى اهمية خاصة وان سياسات الدول المتحظرة ترسم على اساس استطلاع رأي شعوبها. لما كانت تجربتنا فتية يجب المحافظة عليها وعلى كل ما حققناه من خلال مساهمة الجماهير في رسم السياسات ، لذا تأتي اهمية انشاء مراكز للدراسات المتخصصة وأستطلاع الرأي كخطوة للوصول الى نبض الشارع الكوردستاني والعالمي.

رابعاً: فضائيات باللغات الاخرى
في وقت الذي اتسعت وتطورت فيه الفضائيات الكوردية وتلك ظاهرة صحية رغم ان بعضها أتخذت الطابع الحزبي ولكن يبقى لها دوراً كبيراً في تواصل الكورد في المنافي مع وطنهم، ولكن يعاب على تلك الفضائيات انها بقت تخاطب الانسان الكوردي وحتى حصرت بثها باللهجتين الكرمانجية والسورانية بينما اهملت اللهجات الكوردية الاخرى ومنها الكلهرية (الفيليية)، رغم توق هذا الجمهور الواسع من الشعب الكوردي للسماع الى برامج بلهجته، ولكن الغياب الاكبر كان للبرامج بلغات أخرى حيث لا يتم البث بلغات البلدان التي تتقاسم كوردستان اي العربية والتركية والفارسية الا لفترات قصيرة جداً لا تربو عن ساعة يومياً في افضل الاحوال، هل ان هذا الوقت من البث هو كافي لمخاطبة الاخر وايصال رسالتنا وقضيتنا؟؟!! من هنا تأتي اهمية ان تكون هناك فضائية متخصصة تبث باللغات اعلاه توزع على مدى اليوم، تأخذ في الحسبان وقت البث والوقت المناسب للاستماع ولتكن موادها ومواضيعها متنوعة من اخبارية وثقافية وتعريفية وتاريخية وحتى ترفيهية. وخاصة ان الكادر متوفر من الكورد الناطقين بهذه اللغات. بالاضافة الى حاجتنا الى فضائيات باللغات العالمية، للوصول الى التعريف بقضيتنا الى العالم اجمع.
خامساً : رفع مستوى الجماهير ووعيهم عبر:
– السعي للقضاء التام على الامية من خلال فرض برنامج التعليم الالزامي وفتح دورات محو الامية.
– الاهتمام برفع مستوى المرأة من خلال برامج خاصة.
– ادخال مواد التاريخ الكوردي ودراسة تراثه في جميع المراحل الدراسية.
– المطبوعات المتيسرة وبطبعات اقتصادية بحيث تكون في متناول الجميع
– ايلاء اهتمام خاص بتربية الجيل الجديد على روح الاخاء والمواطنة، ووضع برنامج تبادل المعسكرات الصيفية للشبيبة والطلبة بين الاجزاء كوردستان وكذلك مع المحافظات الاخرى، والدول الصديقة.

د. منيرة أميد
29 تشرين الاول 2009