الرئيسية » شخصيات كوردية » محاضرة البروفيسور كاظم حبيب في احتفالية الوفاء لناجي عقراوي

محاضرة البروفيسور كاظم حبيب في احتفالية الوفاء لناجي عقراوي

المضمون الفاشي لمجازر الأنفال وحلبچة في العراق
 

تمر علينا في هذه الأيام الذكرى الحادية والعشرون لنهاية مجازر الأنفال التي مارسها النظام الفاشي في العراق والتي بدأت في شهر شباط/فبراير من العام 1988. وقد كتب عنها الأخ الراحل الأستاذ ناجي صبري عقراوي. وتأكيداً لما ناضل من أجله بأمل تشديد فضح تلك العمليات وإعادة بناء ما خرب من كردستان, وخاصة تلك المناطق التي شملت بالضربات قوات الحكومة الفاشية, وخاصة حلبچة, اقدم هذه المطالعة عن الطبيعة الفاشية لحملات مجاز الأنفال وحلبچة.
لقد شهد العالم خلال سنوات القرن العشرين الكثير من المجازر البشرية التي راح ضحيتها عشرات بل مئات ألوف وملايين الناس الأبرياء لأسباب ترتبط بالطبيعة العنصرية للنظم والقوى التي مارست تلك العمليات والتي استهدفت إبادة مجموعة قومية أو أثنية أو دينية أو مذهبية أو فلسفية أو فكرية وسياسية واعتبرت كلها مجازر ضد الإنسانية. وكانت واحدة من أبشع تلك المجازر تلك التي عاشها شعب كُردستان في العام 1988 والتي أطلق عليها اسم عمليات مجازر الأنفال وكيماوي حلبچة.
وكمواطن عراقي من ابناء القومية العربية اشعر بالألم والخجل لما ارتكبه الفاشيون العرب في كردستان العراق من جرائم بندى لها جبين البشرية وتطالبنا جميعاً بالنضال من أجل وصول مثل هذه القوى المجرمة إلى الحكم ثانية أياً كان الرداء الفكري والسياسي والديني والمذهبي الذي يمكن أن ترتديه أو تتمسح به. وأتمنى أن يعري العرب قبل غيرهم من اقوميات الأخرى ما حصل في كردستان وأن يمارسوا الشجب والإدانة ضده بكل وعي بالمسؤولية إزاء التآخي بين مختلف الشعوب في البلد الواحد وفي أرجاء المعمورة. إن الوعي القومي حين يشذ عن الطريق يمكن ان يمارس كل الجرائم المريعة باسم القومية والدفاع عنها والحفاظ على نقاوتها, وهي العنصرية بعينها وليس غير ذلك.
لم تكن هذه المجازر التي تواصلت طوال تسعة شهور نتيجة رد فعل أو موقف سياسي إزاء الحرجة المسلحة الكردية في كردستان العراق, بل كانت تعبر عن أيديولوجية فاشية وذهنية عنصرية مناهضة للقوميات الأخرى وراغبة في تصفية حركة شعب يطالب بالحرية والديمقراطية وممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة بما فيها حقه في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من أحد.
إن عمليات مجازر الأنفال والضربات الكيماوية في حلبچة هي قمة الأفعال العسكرية والعدوانية التي جابهت بها الحكومات المركزية في العراق الشعب الكردي الذي طالب قبل تأسيس الدولة العراقية بحقوقه المشروعة واستمر في المطالبة عليها طيلة العقود المنصرمة إلى أن حقق جزءاً اساسياً منها ف يالعام 1991/1992.
فقد رفض البريطاني المحتلون تحقيق حلم الأمة الكردية بالوحدة وواصلوا وعمقوا ووسعوا تقسيم كردستان إلى أربع دول بعد أن كانت تحت الدولتين العثمانية والفارسية وأصبحت في أعقاب تشكيل دول المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى اليوم موزعة على أربع دول هي إيران والعراق وتركيا وسوريا.
ثم رفضت الحكومات العراقي المتعاقبة بعد أن ألحقت الموصل بالعراق في العام 1926 بالاستجابة لمطالب الشعب الكردي وتنفيذ ما اتفق عليه في قرار عصبة الأمم والرسائل المتبادلة بين رئاسة العصبة والملك فيصل الأول والحكومة العراقية . واتخذت سياسات الحكومات المركزية المتعاقبة تهميش الشعب الكردي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً, إضافة غلى محاولات أولية في تغيير البنية السكانية لبعض مناطق كُردستان العراق دون أن يتبين منها أنها تريد ذلك.
وحين كانت الأصوات الكردية ترتفع مطالبة بحقوقها المشروعة تبدأ الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي بالادعاء بوجود تمرد كردي لتوجه ضربات العسكرية إلى الشعب الكردي وتقوم بإعدام من وقف إلى جانب تلك المطالب وساندها.
ورغم النضال الذي خاضه الشعب الكردي والدعم الذي حصل عليه من المناضلين العراقيين العرب والأحزاب الديمقراطية لم يتحقق للشعب الكردي حتى سقوط الملكية أي مطلب من مطالبه العادلة وبقى التهميش متواصلاً ولم يحصل حتى على جزء ضئيل من موارده نفطه المالية لتصرف على عمليات التنمية والإعمار في كردستان العراق. وإذ شارك بعض الكرد في الحكومات المركزية العراقية المتعاقبة فلم تكن تلك المشاركة حقيقية أو كانت تحت مظلة الحكم الملكي ولصالحه وضد الشعب الكردي وحقوقه, بل شارك بعضهم في اضطهاد كل الشعب العراقي بمن فيهم الشعب الكردي, ومنهم بكر صدقي العسكري وسعيد قزاز وعمر علي وغيرهم. لم يكن الحكم الملكي عنصرياً أو فاشياً, بل كان رجعياً ومناهضاً للديمقراطية رغم وجود دستور ديمقراطي وكان شوفينياً عربياً, رغم أصول البعض الكردية أو التركية. ووجد التأييد من القوى القومية العربية الشوفينية في الموقف من المسألة الكردية ومن حقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة.
وبعد ثورة تموز 1958 بدأ الحكم الجديد بمحاولة جادة لإنصاف الشعب الكردي والاعتراف له بحقوقه المشروعة على أرض العراق وعلى المشاركة في الوطن والحقوق والواجبات. إلا أن هذه البداية من ئيس الحكومة وقائد الثورة قد تعثرت بفعل عوامل كثيرة بما فيها الفردية والحكم غير الديمقراطي وغياب المؤسسات الدستورية من جهة والعجالة في تحقيق المطالب من جهة أخرى ودور القوى القومية العربية الشوفينية الداخلية والدول العربية والدولية من جهة ثالثة وبدأ النزاع العسكري المسلح بين قوات الحكومة وقوات البيشمرگة الكُرد, وبها بدأ استكمال تراجع الثورة لا عن حقوق الشعب الكردي فحسب, بل عن مجمل مسيرتها الديمقراطية وانتكست بثورة الردة الفاشية في شباط/فبراير 1963.
ومارست الحكومات القومية المتعاقبة سياسات مناهضة للكُرد ومتميزة بالشوفينية والذهنية العنصرية والاستبداد وممارسة القسوة في معالجة المشكلات الداخلية. ولم تبذل أية جهود حقيقية لمعالجة المسألة الكردية, بل استمر التهميش بكل أشكاله واستمر استخدام القوة والسلاح لفرض إرادة الحكم المركزي الشوفينية ذهنيته على الشعب الكردي. وإذ حاول الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو القومي القانوني المنفتح, أن يعالج المشكلة بصيغة ما, وجد المقاومة من القوى العسكرية في حكومة عبد الرحمن عارف مما قادت إلى نزاع عسكري متواصل.
وحين جاء البعث مجدداً إلى الحكم واصلوا القتال ولم يكن في نيتهم تحقيق أي هدف من أهداف الشعب الكردي, وحين أجبروا عليه في 11 آذار 1970, كان في خلفية أهدافهم القضاء التام على الحركة الكردية وعلى مطالب الشعب الكردي. كان الظاهر القبول بـ “الحكم الذاتي لبعض محافظات الشمال” وليس الاعتراف بكردستان العراق أولاً, والرغبة في الانتهاء من ذلك في أي أقرب فرصة متوفرة, حين توفرت لهم وجهوا ضربتهم القاسية في اتفاقية الجزائر المذلة والمعادية لمصالح الشعب الكردي وعموم الشعب العراقي في آن واحد.
إن سياسات الحكم المركزي في العراق قد تفاقمت تدريجاً وتواصلت على نهج شوفيني وليتحول إلى نهج عنصري فاشي النزعة والممارسة. وتبلور ذلك قبل وخلال فترة الحرب العراقية الإيرانية وتصاعد تدريجاً حتى نهاتها حيث توجه النظام البعثي بعدوانية لا مثيل لها إلى تنفيذ عمليات مجازر الأنفال وضربات حلبچة في كردستان العراق, كما شمل الكرد الفيلية بعمليات القتل والتهجير الجماعية للكرد الفيلية وللكثير ممن اتهم بكونه فارس القومية ومن التبعية الإيرانية, وهي رؤية فكرية وسياسية عنصرية أيضاً.
أشير هنا ومن جديد إلى أن عمليات مجازر الأنفال جاءت وفق ذهنية استبدادية عسكرية وأيديولوجية عنصرية وأساليب فاشية في القهر والتصفية وفي عمليات التعريب ألقسري والتغيير الديموغرافي للمناطق الكردستانية.
العوامل التي تجعل من عمليات الأنفال ذات طبيعة عنصرية في الفكر وفاشية في الأساليب
الأيديولوجية القومية اليمينية المتطرفة التي يستند إليها حزب البعث العفلقي منذ تأسيسه حتى اليوم
_ رفض القوميات الأخرى واعتبار القومية العربية هي الأفضل والأرقى وهي خير أمة في العالم ورفض القوميات الأخرى واعتبارها الأدنى.
معاداة القوميات الأخرى الموجودة في الدول العربية والسعي لصهرها في القومية العربية أو التخلص منها بأي سبيل كان.
فرض الاستبداد والعنف في الممارسة السياسية وفي الموقف من القوى الأخرى والتربية بذهنية عسكرية والاستعداد لسحق من يقف في طريق القوى العربية الشوفينية.
فرض الفكر الواحد والنهج الواحد والسياسية الواحدة للحزب القومي, سواء أكان بعثياً أم قومياً يمينياً شوفينياً على شاكلة القوى الموجودة في الدول العربية.
رفض الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية.
رفض الحياة الدستورية والبرلمانية ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة.
اعتبار كل الدول العربية جزءاً من الوطن العربي واعتبار الشعوب الأخرى خاضعة له وينبغي أن تسير تحت رايتها شاءت ذلك أم أبت, ورفض جميع الحقوق القومية للقوميات الأخرى.
العمل من أجل التوسع نحو الأراضي التي كانت يوماً ما في الدول الإسلامية والأراضي التي فتحت بالقوة واعتبارها جزءاً من الأراضي العربية التي يفترض لها أن تعود للدولة الأم. وهي لا تتورع عن خوض الحروب الخارجية من أجل تحقيق ذلك.
ممارسة قاعدة الغاية تبرر الواسطة التي مارسها المستعمرون والفاتحون في كل الأوقات للهيمنة على دول وشعوب أخرى وإخضاعها لهم.
وتمارس الفاشية في الحكم أساليب القهر اليومي والسجون والتعذيب النفسي والجسدي بكل أشكاله القديمة والحديثة والقتل والمقابر الجماعية لكل من تعتقد بكونه ضدها ومن تعتبره ضمن من تطلق عليهم تسمية الشعوبيين. وهي بالتالي تمارس نشر الكراهية والحقد بين الشعوب
2- التصميم المسبق والتهيئة الفعلية لممارسة عمليات الأنفال
منذ أن وقع البعث بيان 11 أذار 1970 كانت في خلفية تفكيره تأمين السبل للتخلص من الحركة الكردية المسلحة وتصفية الحركة الديمقراطية الكردية وفرض الهيمنة الكاملة على كردستان. وتوفرت فرصة أولية لتحقيق ذلك حين اتفق مع شاه إيران في اتفاقية الجزائر وكانت الضربة قاسية وشديدة. ولكن الشعب الكردي وقواه السياسية نهضت مجدداً وواصلت حمل السلاح. في هذه الفترة عمد النظام إلى مجموعة من الإجراءات حتى قبل بدء الحر مع إيران, وأهمها:
** تطوير القوات المسلحة العراقية وزيادة عددها وعدتها.
** تأمين ترسانة كبيرة جداً من السلاح الدفاعي والهجومي استيراداً وإنتاجاً, إضافة إلى السعي لإنتاج أسلحة الإبادة الجماعية, وخاصة بعد عملية التأميم وبدء تدفق الموارد المالية الكبيرة,
** نشر الفكر المناهض للكرد والكاره لهم باعتبارهم قوى انفصالية شعوبية وجيب عميل يحاول منع الوحدة العربية وتطور الحكم في العراق.
** بناء الثكنات العسكرية الكثيرة في مناطق جبال كردستان وممارسة إقامة المجمعات السكنية القسرية, إضافة إلى تهجير الكرد الفيلية وتهجير واسع النطاق للكُرد من كركوك إلى وسط وجنوب العراق أو إلى مناطق كردية أخرى.

** تصفية أي وجود علني للقوى السياسية الأخرى في البلاد وإنهاء آخر تحالف داخلي له مع الحزب الشيوعي بضرب قيادات وقواعد وتنظيمات الحزب الشيوعي على نطاق القطر كله, مما صفا له الجو لتنفيذ سياساته العدوانية ضد الشعب الكردي.
** كما عمل على تعبئة الرأي العام العربي ضد الكُرد بأساليب دعايته الغيماكوجية المستندة على قاعدة غوبلز “أكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا, لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس.
** شن حرب فعلية ضد الكُرد بجوار حربه ضد إيران وتدمير الكثير من القرى والغابات في كردستان لضمان تعرية المنطقة إزاء ضربات القوات الجوية.
** تعزيز الوجود العسكري العراقي في كردستان العراق والتهيئة لتوجيه ضربات قاسية لقوات الپيشمركة المسلحة ومناطق وجودهم فيها.
** تعزيز القيادة الحزبية والعسكرية للقوات الحكومية والجحوش وقوات الأمن. وقد تم تكليف المجرم علي حسن المجيد بهمهة قيادة العمليات العسكرية في كردستان العراق.
** ومع بدء عمليات الأنفال دعا الدكتاتور صدام حسين إلى التفاوض مع القوى المسلحة والأحزاب المناهضة له للتفاوض بهدف التغطية على عملياته العدوانية الإجرامية ضد الشعب الكردي والتي رفضت من قبل كل القوى السياسية الوطنية العربية والكردية. إن كل هذه الإجراءات كانت تؤكد وتدلل على النية الكاملة والتصميم والتخطيط والتنظيم لتنفيذ العملية في الوقت المناسب الذي تم اختياره قبل نهاية الحرب العراقية الإيرانية بفترة وجيزة.
ثالثاً : ثالثاً : التنفيذ الإجرامي لحملات ومذابح الأنفال
استخدم النظام العراقي في حملاته العسكرية الجديدة في العام 1988 كل تلك الأساليب والأدوات التي أشرنا إليها سابقاً, إضافة إلى ما يلي, سواء بالتتابع أم كلها دفعة واحدة وفي ظروف متباينة ومواقع مختلفة:,
1. استخدام الأسلحة الكيماوية: وهذا ما تحدث عنه قائد الحملات بنفسه علي حسن المجيد بعد أن كان قد قطع شوطاً بعيداً في حملات الإبادة الجماعية. ورغم إنكاره في المحكمة استخدام ذلك, إلا أنه أبدى الاستعداد الكامل لتكرار ذلك إذا ماطلب منه في ظروف مماثلة تنفيذها.
عمد النظام إلى تدمير كامل لأكثر من 4200 قرية كردية بعدد متباين من النفوس في كل منها, وتدمير المزروعات والحيوانات فيها. ومن أجل إنجاز الحملة العسكرية على شعب كردستان استخدمت قوات النظام القصف الجوي قاذفة بالأسلحة المحرمة دولياً ومنها النابالم والأسلحة الانشطارية, كما استخدم المدافع الثقيلة لهذا الغرض. ولم تقصف هذه القرى بعد تخليتها من السكان باستمرار, بل خرب الكثير منها على رؤوس ساكنيها في غالب الأحيان.
قام النظام بعمليات تمشيط واسعة لأغلب القرى والأرياف الكردية تم خلالها حجز سكانها وتجميعهم في مراكز معينة, ثم نقلهم بشاحنات إلى مناطق مجهولة بهدف تصفيتهم جسدياً. 4. 4. تشير المعلومات المتوفرة إلى أن النظام كان قد شكل بعض الفرق الخاصة التي أخذت على عاتقها تصفية هذه المجاميع الكبيرة من السكان من خلال قتل عشرات الآلاف منهم ودفنهم جماعياً أو دفنهم وهم أحياء في حفر واسعة والدوس على قبورهم الجماعية وتسوية الأرض بالجرافات التابعة للقوات المسلحة. ولم ينج من هذه المجازر في الغالب الأعم لا الأطفال ولا النساء ولا المرضى من الشباب والشابات. وكان الفاعلون, وهم أدوات ذات نزعات سادية بيد الجلاد, يسلبون ضحاياهم كل ما هو ثمين.
5. توجد حالات أخرى قام الجلادون بفرز الرجال والشباب عن النساء والأطفال, ثم وضعوا مجموعة الرجال في شاحنات عسكرية نقلوهم تدريجاً حيث الموت المحقق, في حين أخذوا النساء والأطفال إلى أماكن مختلفة. فمنهم من أرسل إلى نقرة السلمان ومنهم من أرسل إلى تكريت ولعضهم أرسل إلى السليمانية حيث تركوا في عربت. وكانت قدرة استيعاب المعسكرات الكثيرة والكبيرة عجزت عن استيعاب كل هؤلاء الذي طالتهم عمليات الأنفال .
نفذ النظام عمليات إعدام أخرى في المدن والقرى التي أشرنا إليها سابقاً بسبب ولوج مناطق محظورة أمنياً أو بسبب اتهام الناس بالتعاون مع قوى البيشمركة أو الشك بإخلاصهم. ولم يكن الموت نصيب هؤلاء وحدهم, بل نصيب أقرباء هؤلاء الضحايا من الدرجة الأولى, إضافة إلى تهديم بيوتهم ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.
7. تشير الكثير من الدلائل إلى أن المجموعات الخاصة التابعة لقوى الأمن العراقية هي التي كانت تقوم بعمليات اغتصاب النساء والشباب في أقبية الأمن أو في المواقع التي يتجهون إليها.
8. وخلال الفترة الواقعة بين بدء العمليات العسكرية ضد إيران في عام 1980, عمد النظام في كردستان إلى استخدام كل السبل المتوفرة للقضاء على مقاومة الشعب الكردي. وكان من تلك السبل الخسيسة والغادرة إعطاء مكافأة مالية كبيرة لكل من يقوم بقتل واحد أو أكثر من البيشمركة/الأنصار ويأتي برأسه وسلاحه. وشكل النظام فرقاً لهذا الغرض كما عمد إلى تنشيط المجرمين للقيام بهذه العمليات لقاء بعض المال.
9. وعمد النظام إلى تدمير فعلي للبنية التحتية والاقتصاد الفلاحي في الريف الكردستاني ساعياً إلى اغتصاب الحياة فيها من السكان ومنعهم من العودة إليها بتاتاً . أقدمت قوى النظام وبتوجيه من صدام حسين مباشرة على تدمير 1757 مدرسة 2457 مسجداً و271 مستوصفاً في القرى التي قامت بتدميرها .
وعلينا أن نتذكر باستمرار بأن حملات الأنفال المرعبة كانت قمة العدوان الفاشي والانحطاط الأخلاقي والإنساني للجلادين لما ارتكبوه من جرائم بشعة إزاء الناس من نساء ورجال وأطفال كردستان العراق. إنها عار في جبين النظام وقادته وجناته. ولكن ما هي حصيلة عمليات الأنفال المرعبة؟
رابعاًً : ماذا يمكن فعله لضحايا الأنفال في كردستان العراق؟
الاتفاق على تأسيس مركز علمي موحد في كردستان العراق لجمع وتصنيف وترتيب وحفظ الوثائق الخاصة بما ارتكب بحق الشعب الكردي من جرائم خلال العهود المنصرمة, ولكن بشكل خاص خلال الفترة التي أعقبت مجيء البعث إلى الحكم في العراق.
تشكيل لجنة دولية لإعادة إعمار المناطق التي دمرت من قبل القوات العسكرية العراقية وخاصة تلك التي ضربت بالكيماوي, من خلال دعوة معمارين دوليين لإعادة بناء حلبچة الجديدة لتبقى القديمة تشير إلى الجرائم المرتكبة. ويمكن أن تقام عملية جمع تبرعات دولية لصالح بناء المدينة الجديدة مما يشير إلى التضامن الدولي مع هذه المدينة المغدورة.
تقديم طلب رسمي باسم اللجنة الدولية الدائمة والمسئولين في كردستان العراق إلى الأمم المتحدة من أجل اعتماد تنظيم ندوة دولية خلال العقد الجاري تبحث في أسباب وعواقب مجازر عمليات الأنفال التي مارسها النظام العراقي, باعتبارها أعمالاً عنصرية استهدفت التطهير والإبادة الجماعية للشعب الكردي في كردستان العراق, واستخلاص الدروس والسياسات والإجراءات الممكن اتخاذها لمعاقبة النظام ومن أجل منع تكررها في كردستان العراق أو في أي مكان من العالم, وهي بمثابة تحذير لكل الحكومات والقوى والسياسات العنصرية في المنطقة, وخاصة في تلك الدول التي تعيش فيها بقية أجزاء الأمة الكردية.
مواصلة محاكمة كافة المسؤولين الأساسيين عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في كردستان العراق.
فتح صفحة خاصة على الإنترنيت باسم حملة الأنفال الدولية وإصدار نشرة خاصة بها بلغات مختلفة.
قيام اللجنة الدولية بتنظيم ندوات أو مؤتمرات سنوية تعقد في كردستان العراق من أجل مواصلة فضح هذه السياسات والكشف عن السبل والأساليب والأدوات التي أستخدمها النظام في قتل هذا العدد الهائل من السكان الأكراد في كردستان العراق وعن بقية جرائم النظام بحق الشعب الكردي وبنات وأبناء القوميات الأخرى.
تأمين إقامة معارض فنية تشكيلية حول الواقع العراقي ومجازر الأنفال, ومنها حول جريمة حلبجة, ونضال الشعب الكردي وإصدار البوم خاص بتلك اللوحات ونشرها على نطاق واسع, على أن يدعى لها أوسع عدد ممكن من الفنانين العراقيين من مختلف القوميات, إذ في ذلك إدانة فعلية للعنصريين من العرب بسبب المجازر التي ارتكبوها بحق الشعب في كردستان, وفي مقدمتهم قادة الحكم القائم في العراق وعلى رأسهم صدام حسين وعلي حسن المجيد.
إيلاء اهتمام كبير بالناس المتبقين والفالتين من عمليات الأنفال لضمان استكتابهم أو إجراء المقابلات معهم للحصول على أوسع وأدق التفاصيل عن هذه العمليات العنصرية وتسجيلها صورة وصوتاً ونشرها بشكل منظم ومبرمج.
كما يفترض إيلاء اهتمام خاص من جانب الأحزاب الوطنية الحاكمة في كردستان العراق, وفي العراق بالناس الذين نجوا من المذابح, ورعاية أطفال وعائلات شهداء مذابح الأنفال.
بناء متحف في كردستان لضحايا الشعب الكردي وخاصة ضحايا مجازر الأنفال ليكون موقعاً ومعلماً يزوره الناس ليتعرفوا على طبيعة الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في كردستان العراق من جانب النظام والذهنية التي حكمت ذلك, كما يمكن أن يتحول إلى مزار لكافة سائحي كردستان أيضاً.
إقامة نصب تذكارية مركزية ونصب أخرى لضحايا الأنفال تقام في مواقع مناسبة من كردستان وبغداد.
عناية الحكم الفدرالي وكذلك الحكم الاتحادي في بغداد بدعم الكتب التي تبحث في المجازر والمحن التي تعرض لها الشعب الكردي وبقية القوميات في كردستان العراق من أجل فهم العوامل الكامنة وراء ما حدث واستيعاب دروسها ومنع حصولها مستقبلاً.
إدخال حملات عمليات الأنفال مادة خاصة ضمن حقوق الإنسان في المناهج التعليمية والتدريسية لتعميق الوعي بمناهضة التجاوز على حقوق الإنسان بكل أشكاله.
الطلب من حكومة بغداد المركزية بتعويض ضحايا الأنفال وفق تقديرات علمية صحيحة. وهناك دراسة بهذا الصدد وضعاها وزارة ضحايا الأنفال في إقليم كردستان يفترض أخذها بنظر الاعتبار في هذا الصدد.
20/10/2009 كاظم حبيب