الرئيسية » شخصيات كوردية » الشيخ معروف النودهي والاحداث التي عاصرها الحلقة الثانية

الشيخ معروف النودهي والاحداث التي عاصرها الحلقة الثانية

وشعر الشيوخ ومريدو الطريقة القادرية بإن الطريقة النقشبندية سوف تسيطر على المنطقة ويقوم بسحب البساط من تحت أرجلهم ، ولهذا فإنهم اختاروا افضل طريقة لحجب وتقليص دور الشيوخ النقشبندية في المنطقة وتقليص نشاط مولانا خالد ، ولهذا فإنهم رجحوا محاربة فكرة.
مولانا خالد واصحابه واشعلوا نار الحقد والكراهية والعداوة ضدهم فأخذت المنطقة تعيش في حالة غليان وفوضى.
من هو مولانا خالد النقشبندي:هو ضياء الدين خالد بن احمد بن حسين من عشيرة جاف، ينتهي نسبه إلى الوالي الكامل بير ميكائيل،ولد سنة 1193هـ / 1779م ويقول البعض(1190هـ / 1776م) في قرية قره داغ بلواء السليمانية اخذ العلوم العقلية والنقلية من علماء افاضل،ويعد واحداً من مجددين الطريقة النقشبندية في العراق،وهاجر إلى بغداد صبياً،ومنها اخذ العلم على مشايخها،وكذلك درس عند نوابغ علماء زمانه في كوردستان،امثال السيد عبدالكريم البرزنجي،وأخيه السيد عبدالرحيم،والشيخ عبدالله الخرباني، والملا ابراهيم البياري،والملا صالح ته ماري،والملا محمود الغزائي،والملا عبدالرحيم زياري،والشيخ محمد قسيم السندجي إلى ان نال مرتبة عالية في العلوم الإسلامية ولاسيما علمي الحكمة والكلام.ثم رجع إلى السايمانية فشرع في التدريس والتأليف وحل المشكلات العلمية.
ثم سافر إلى الهند،حيث اخذ الطريقة النقشبندية في دهلي،وعند عودته سنة 1226هـ / 1811م استقبله العلماء والوجهاء واشراف المدينة للاخذ عنه والأسترشاد منه،ونشر طريقته،وجددها،وصار له خلفاء كثيرون في مناطق مختلفة،وألف عدداً من المؤلفات في العقائد،والأدب،وله ديوان شعر فارسي،وتوفي في دمشق سنة 1242هـ / 1827م.
يقول العلامة أبو الثناء شهاب الدين الالوسي في كتابه الفيض الوارد ما حاصل إن الشيخ كان متشوقاً إلى مرشد حقيقي،وكان يسأل عنه دوماً في الحرمين الشريفين،فأشار إليه ولي من أولياء الله تعالى بإن فتوحه لايكون إلا في الديار الهندية،ثم رجع إلى السليمانية،فجاءه ميرزا رحيم الله بك، المعروف بـ(محمد درويش العظيم آبادي) احد اجلاء خلفاء الشاه عبدالله الدهلوي النقشبندي وشوقه لزيارة شيخه في دهلي، فسافر معه إليه حالاً سنة 1222هـ / 1807م) في طريق طهران،وخراسان،وسطام، وفرقال، وسمنان،ونيسابور،وكابل،غزنين وقندهار. وفي كل هذه المدن التقى بعلمائها ومشايخها وناقشوا وتباحثوا في المسائل العويصة من علم الكلام وعلوم اخرى،ثم رحل إلى لاهور،ومنها استمر على السير إلى ان وصل إلى (دهلي) المعروفة بـ(جهان آباد)،وبقي في خدمة شيخه سنة كاملة أو أزيد اجازه بإرشاد المريدين وتربية السالكين وإعاده إلى بلاده(السليمانية) سنة 1226هـ / 1811م) ثم سافر إلى بغداد وسكن في التكية القادرية زهاء خمسة أشهر،ثم رجع إلى السليمانية.وفي هذه البلدة هاج عليه بعض علمائه المعاصرين له من أرباب الطريقة القادرية وهذا شيء مألوف كل شيء جديد يقابل المعارضة والانكار والعداوة والبهتان،ووشوا به عند حاكم كوردستان بأشياء هو بريء منها بشهادة البداهة والعيان،وما قيل صنيعهم إلا بالدعاء لهم. وسعوا به إلى الوزراء والأعيان وزوروا عنه أحاديث مختلفة ولفقوا تهماً لا أساس لها من الصحة. وكان الشيخ معروف النودهي يومئذ عالماً منقطعاً عن الناس ومنزوياً في زاوية مدرسته لايعرف شيئاً من الدنيا والاعيبها، فأغفله بعض الشياطين والانس،فصدقهم في تلك الاقاويل الملفقة والباطلة دوّن تعميق وتحقيق وكتب منظومة في تكفير مولانا خالد التي اتلفها فيما بعد بنفسه،ومطلعها
((وضعته هدية الطلاب
تكفره لخالد الكذاب)).
واضطر إلى تركهم وشأنهم ورجل إلى بغداد سنة 1228هـ / 1813م ونزل في المدرسة الإحسائية المعروفة اليوم بالتكية الخالدية،حين عمرها له داوود باشا والي بغداد. فمكث فيها مدة يشتغل بالتدريس وتربية المريدين،فأنتشرت طريقته في بغداد ومدن اخرى.
وعندما زار محمود باشا بابان إلى بغداد،التمس منه الرجوع إلى السليمانية، فإستجاب إلى طلبه ورجع إلى بلدته بعد ان بنى له خانقاهه المشهور وأوقف عليها اوقافاً ضخمة من القرى والانهار،كقرية(كمالان) وغيرها،ولكن كوامن الحسد اشتعل في الصدور والسطور،وادى ذلك إلى انشقاق الناس إلى صنفين مخلص للشيخ متفان في حبه،وعدو عنيد منتهز فرصة لقتله، وقد انقطعت العلاقات الودية بين بغداد وولاية بابان،وكان محمود باشا الباباني يخاف من توسع نفوذ مولانا خالد وفرط حرمته واحسن الشيخ باعراض وصدود من محمود باشا الباباني، فهجر السليمانية حقنا للدماء ورجع وحده إلى بغداد سراً ومتخفياً سنة 1236هـ / 25 / 10 / 1820م ونزل في التكية الخالدية. وعندما تحسنت العلاقات محمود باشا الباباني مع والي بغداد مرة اخرى التمس محمود باشا من مولانا خالد بالرجوع إلى السليمانية وعرض عليه توبته وخضوعه.وعندما كان مولانا خالد في زيارة إلى(اورامان ـ هورامان) فلم يكترث بالتماس محمود باشا الباباني وذهب إلى بغداد.
وبعد هجرة مولانا إلى بغداد في المرة الثانية ، أرسل الشيخ معروف النودهي رسالته المسماة بـ(تحرير الخطاب) إلى والي بغداد سعيد باشا بن سليمان باشا كفر فيها مولانا خالد مسلماً،فمن المسلم..؟ ثم أشار الوالي على عبيدالله أفندي الحيدري بالرّد على الرسالة،فألف رسالة بديعة في بابها وقرضها علماء بغداد. وكذلك ندب للرّد على الرسالة أيضاً العلامة السيد محمد امين مفتي الحلة برسالة سماها(القول الصواب برد ما سمى بتحرير الخطاب). وممن انبرى لتحرير الرّد عليه أيضاً الملا يحيى المزوري فله ردود كثيرة ونصائح عدّة ذكرت كلها في كتاب((بلوغ الأماني)) وانتخب منها سبعة تحارير طبعت في ذيل كتاب(بغية الواجد).
ثم كتب الشيخ معروف النودهي إلى الملا عثمان الجليلي الموصلي يدفعه إلى تأليف كتاب في الطعن بمولانا خالد تأييداً لرسالته:(تحرير الخطاب)،فتهور الموصلي والف رسالة جعلها كالشرح لرسالة الشيخ معروف النودهي وسماها(دين الله الغالب،على المنكر المبتدع الكاذب). وقد ردّ عليها العلامة محمد امين السويدي البغدادي برسالة سماها(السهم الصائب،لمن سمى العلامة الصالح بالمبتدع الكاذب) وقرضها كل من السيد محمود الكيلاني نقيب الأشراف، والسيد احمد الخطيب بالحضرة الأعظمية،وقاضي بغداد السيد محمد رفيع بن حسين،وعمر الامدي إمام الجامع الآموي بدمشق(الشام)،والعالم الدمشقي السيد صالح أبو فتح زاده، والسيد محمد مصطفى المدرس،والواعظ في الجانب الغربي بجامع الخلفاء،والسيد أمين أفندي زاده محمد أسعد مفتي الحلة وغيرهم.ونشر التقاريظ المذكورة في آخر كتاب(بغية الواجد) وقد كتب دفاعاً عن مولانا خالد النقشبندي مئات من التأليف والرسائل والتحارير والأشعار والقصائد،وما اجمل ما قيل في حقه بالفارسية:
((اميدكه بخت دشمنت بركردد
ملك دو جهان تراميسر كردد))
يعني ترجمتها نثراً بما معناه((أرجو ان ينقلب حظ خصمك سوءاً،وأن تكون مالكاً للدارين.
انت ظل الرحمة،ومن العجب ان تتنور الدنيا من الظل هكذا)). ولكن في نهاية تراجع الشيخ معروف النودهي عن أقواله في تكفير مولانا خالد فرجع عن أفكاره وانكاره وتبين لديه أنه كان مخطئاً بحق مولانا خالد.وكتب رسالة مضمونا(عفو) وارسلها بيد كل من الملا حسين القاضي المعروف بابن ملا جامي،والسيد إسماعيل البرزنجي،فأتيا مولانا خالد في بغداد،وابلغاه ندامة الشيخ معروف النودهي على ما صدر منه من رسائل وأقوال بحقه واعتبرها سهواً وطلب العفو والمعذرة عن كل ما أساء إليه،وطلب ان يكتب له وثيقة تنطق ببراءة ذمته. فكتب له رسالة حاوية أسباب النفرة والهفوة.وقد طبعت هذه الرسالة،والتي اعتبرت وثيقة مهمة مع باقي الرسائل في كتاب(بغية الواجد في مكتوبات حضرة مولانا خالد).في مطبعة الترقي بدمشق سنة 1334هـ / 1924م. وكذلك نشرت في كتاب(الانوار القدسية في مناقب السادة النقشلندية) وفي كتاب(الحدائق الوردية في حقائق اجلاء النقشبندية). وهذا نص الرسالة:ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه حق حمده،والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه،من العبد المسكين،والفقير المستكين،إلى جناب سيدي الجامع لشرفي الفضل والأدب،الحائز لكرامتي الحسب والنسب،سيدنا ومولانا السيد معروف،سامحه بفضله الكريم الرؤوف،وبعد،فقد بلغني ما اوصيتم به الاخ الملا حسين القاضي،وامرتموه بتبلغيه إلينا من حسن العبارات،ولطائف الشارات،ثم ما القيتموه مع قره عيني العالم الفاضل السيد إسماعيل من مكارم الأخلاق. والاشتياق إلى التلاقي،واظهار الأسف على ما صدر منكم في حق الفقير على سبيل الاتفاقـ بسعاية أرباب الاغراض وأهل الشقاق،والاعتذار عن جميع ما جرى به اليراع،الحاكمة على هذا المسكين بأمور تنبوء عن استماعها الاسماع،من استحلال المحرم والكلمات الدالة على الكفر وداعية الاستيلاء على البقاء،وغير ذلك مما لايليق بشأن الاوغاد والرعاع،وتفصيله لايخفي على ذهنكم الوقاد،وطبعكم النقاد،واليّ البرىء مما نسبتم إليّ من فنون المثالب والفساد والإفساد.وأمرتم السيد المذكور ان يستكتبني الوكة تنطبق ببراءة ذمتكم عن جميع ما صدر وغير،وجرى به القلم بمقتضى القضاء والقدر،لتصير مفتاحاً لابواب الائتلاف، ومصباحاً لدياجير المراء والخلاف،وبلغني من السفيرين المذكورين تصميمكم على الامساك فيما بعد عن امثال ما مضى من النزاع والمفاخرة،وملاقاة ما فات بطيب التحابب وحسن المعاشرة،وتبديل المعارضة والمنافرة بالفاكهة والمسامرة،فسرتني هذه الحكاية غاية المسرة، وحمدت اللّه تعالى على هذه النعمة المرة بعد المرة،شكراً لمن بدل الشقاق بالاتفاق. وهيأ أسباب الوصال بعد طول الفراق،ادامنا اللّه تعالى على هذه النية،وأنتم لنا بمنه هاتيك الامنية.ثم الامر بإرسال المكتوب،امتثلناه وهو احسن مطلوب،ونريد جوابه على أبلغ اسلوب،واما الابراء فهو يصدر منى ليلاً ونهاراً،وأفصحت به في المحافل جهاراً،كما فرع سمعكم مراراً،واما حب الالتئام وترك الخلاف فأمر يشتاق إليه أهل الإنصاف،فكيف بمن يدّعي له قدم في طريق التصوف ولو بالجزاف.ولايخفى عليكم ان السبب الاصلي لهذه الوحشة،إنما هو ترك التردد وتقليد أقاويل الناس،فإن صح ما بلغني عنكم فعليكم بالاعراض عن الكلمات المؤدية إلى الشك والوسواس، فإن احوال أهل الفقر وراء العقل والعلم لايدرك بالقياس،وبعد اللتيا والتي يضمن لك هذا المسكين إن ثبت قدمك،وما طغى قلمك بعد اليوم،ان ترى نتائج لايحمل اكثرها السفير وتزيد على حوصلة التقرير والتحرير،ومن بعد هذا ما تدق صفاته وما كتمه احظى لدى واجمل،والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
ولم يبقى كثيراً في بغداد حتى قصد بلاد الشام من طريق(دير الزور) واستقر في مدينة دمشق سنة 1238هـ / 1822م. ومنها سافر إلى القدس ثم رجع وفي سنة 1241هـ / 1825م خرج حاجاً إلى بيت الله الحرام ثم رجع إلى الشام وبقي فيها إلى ان توفي بالطاعون ليلة الجمعة (14 ذي القعدة الحرام سنة 1242هـ / 1826م)بين المغرب والعشاء،فجاءت كلمة(مغرب) تاريخاً لسنة وفاته ودفن في مقبرة الصالحية.

التآخي