الرئيسية » شخصيات كوردية » الشيخ معروف النودهي والاحداث التي عاصرها

الشيخ معروف النودهي والاحداث التي عاصرها

صدر كتاب من تأليف العلامة محمد الخال يتناول فيه حياة ونتاجات الشيخ معروف النودهي مع تسليط الضوء على الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تمر بها منطقة السليمانية في القرن التاسع عشر ودور العلماء الدين في تأجيج نار الفتنة بين الشيخ معروف النودهي رئيس الطريقة القادرية والشيخ مولانا خالد بعد رجوعه من الدهلي بعد ان سافر إلى الهند ليدرس على يد علمائها.
هذا الكتاب يطرح عدّة اسئلة مهمة حول الصراع على كردستان من خلال الجوار لكوردستان المتمثلة بالدولة الايرانية والامبراطورية العثمانية وكل واحد منهم كان يحاول ان يبسط سيطرته على كوردستان من خلال دعم الامارة البابانية والامارة السورانية انها لعبة دول الكبار في المنطقة وكما يوصف هذه اللعبة احد ابناء امراء بابان وهو يقول وبحسرة للمستر ريج الذي زار السليمانية و((لقد بث أحد الأمراء البابانيين شكواه من هذه الحالة المؤسفة إلى مستر ريج بقوله:((إن الحسد القائم بين امرائنا،سبب بوار البلاد البابانية ومحقها،ولاشك أنه لولا تنافسهم وتحاسدهم لما تمكنت الحكومتان العثمانية والفارسية من الظفر بنا وقهرنا)).وكان مستر ريج في احد اجتماعاته بمحمود باشا تمنى للحكومة البابانية النهوض والتقدم،فقال له محمود باشا!((إن هذا التوقع شيء مستحيل،إلا أن يسلطه الله من خزائن غيبه على الامراء البابانيين طاعوناً وبيلا يفتك بهم الفتك الذريع،فلا يترك فيهم واحداً)).ويقول مستر ريج وهو يتكلم على لسان احد رجال محمود باشا قائلاً:((إن في تحاسد آمرائنا دمار ،فليس الاتراك ولا الايرانيون حاولوا في ايذائنا إلا بإستغلالهم انشقاقنا والمنافسة القائمة بين رؤسائنا،إننا نعلم هذا، وبالرغم من ذلك ينجح الاتراك على الدوام في التغلب علينا)).وفي احدى رسائل الشيخ معروف النودهي التي ارسلها إلى والي بغداد ورد فيها((ومنذ استولى شاه العجم… على هذه الممالك،اختلت أمور الدنيا والدين،فلم يبق في القرى إقامة الجماعات والجمع،وكانت القرى كلها عامرة،واليوم اكثرها غامرة،وتعطلت مدارس البلدان عن التدريس، ولم يبق فيها من المحصلين إلا شرذمة قليلون،وكان بمدرستنا اكثر من سبعين طالباً،واليوم فيها أقل من عشرة….إلخ)) وكان هؤلاء الطلاب ينهلون من علمه العزيز وادبه الجم.
اهمية العلم والتدريس:
العلم والأدب هما مصدرا مجد الأمة وعظمتها،ومقياس مدنيتها ورقيها، بل هما سراج الأمة،ونجم الملة، وبهما نهتدي،وبأنوارهما نقتدي والعلماء والأدباء هم حاملوا ذلك المشعل ، وهم ان عاشوا فهم المثل الأعلى والقدوة الحسنة.لايخفى على احد ان منطقة كوردستان كانت منذ زمن قديم مركزاً من مراكز الاشعاع العلمي والثقافي ومنبراً من منابر الأدب والشعر ومشعلاً من مشاعل الفكر الإسلامي ومن قراها النائية تخرجت علماء ملأوا الدنيا بعلمهم وانتشرت شهرتهم العلمية في جميع انحاء العالم الإسلامي. ومدنها وحواضرها مركزاً لجمع التراث. فأحتوت مكتباتها على المخطوطات العربية النادرة والفريدة من نوعها.. وكان امراء الإمارات الكوردية يحبون العلم والأدب ويغدون الحركة الثقافية ويوسعون دائرة المعارف،فكانت العلوم في زمانهم ناحجة،وسوق الأدب في ديارهم رابحة، فشيدوا المدارس،وساعدوا الطلاب العلم على إداء مهمتهم،
ويقول العلامة محمد الخال:((وكان في مدينة السليمانية واقضيتها ونواحيها والقرى الواقعة في منطقتها الآف المساجد والجوامع والتكايا والخانقات،وكان في أكثر المساجد مدرسة دينية وطلاب اذكياء،وفي كل مدرسة عالم كبير،وقد نبغ من بين طلاب هذه المدارس أئمة لايحصون عدداً،في كل علم وفن،إلى جانب الآف من العلماء والفضلاء،والأدباء والشعراء في شهرزور والتي يفتخر بهم الإسلام والمسلمين)).فكانت منطقة شهرزور في عهد البابانيين مركزاً مهماً للعلم وتخرجت من مدارسها علماء فضلاء وشعراء كالشيخ عبدالله البيتوشي ومولانا خالد النقشبندي واغدق امير سوران محمد الراوندوزي على العلماء منهم ابن آدم وغيرهم وكذا قام به امراء امارة بهدينان،ولكن من المؤسف ان الآثار الأدبية والعلمية لكثير من علمائنا وأدبائنا قد تفرقت وتبعثرت في مكتبات داخل العراق وخارجه،واحترقت الكثير منها من جراء الحروب التي كانت تجري على أرضيها،لاسيما بين الفرس والعثمانيين أو حروب داخلية بين العشائر.. وان هذه الحروب قد اقلقت بلا شك بال بعض العلماء والأدباء وخلقت في نفوسهم اليأس والقنوط ، وكان أهم ما شغل بالهم وحرضهم على الجلاء هو:
1ـ سوء الحالة الاقتصادية:بسبب انشغال الناس بالحروب التي انهكت خزانة الدولة وصرفت الناس عن الزراعة،والتجارة،والعمل محتى هبط مستوى المعيشة بالنسبة إلى الناس عامة،والعلماء خاصة.
2ـ الانشقاق الحاصل بين الاسر والجماعات،بسبب تحيز بعضهم إلى هذا الامير،وتحيز البعض الاخر إلى ذاك الامير مما ادى إلى نشوب الخلاف حتى بين أفراد الاسرة الواحدة.لان الزمن كان زمن خرب بين الامراء المتطاحنين ومؤازريهم من الترك والفرس،ولاشك أن الحروب إذا حلت بالبلاد أفسدتها،وجعلت أعزة أهلها أذلة،واضاعت المقاييس،وأفسدت الاخلاق،وخربت الذمم.وإن الاوضاع السيئة هي التي دفعت بالعلماء إلى الهجرة من امثال صبغة الله افندي الحيدري،وعبدالله البيتوشي،والملا جرجيس الاربيلي،والمفتي الزهاوي،والملا خضر نالي، ومولانا خالد النقشبندي. الملا يحيى المزوري.
ولم يقتصر الإهتمام بالعلم والعلماء مقتصراً على الامراء بل حتى السيدات والنساء الكرديات اهتمت بها وأسهمت في خدمة العلم وطلابه،بل بالغن في ذلك فأمرن بتقديم الأطعمة اللذيذة إلى طلاب العلوم الدينية في ليالي الثلاثاء والجمعة،ويذكر أن الاميرة فاطمة خانم بنت عبدالرحمن باشا بابان أنشأت من مالها حماماً في السليمانية بجنب السراي،ووقفته على طلاب المدارس والمساجد.
اما بخصوص تعليم الشيخ معروف النودهي فإنه درس أولاً في الكتاتيب،ومن ثم دخل في مدرسة(قلعة جوالان) ودرس المباديء العلوم وحفظ المتون،وبعد ان قتل الامير سليمان باشا سافر إلى مدرسة الملا محمد الشهير بأبن الحاج في قرية”هزار ميرد”فقرأ عليه شرح السيوطي لألفية إبن مالك في النحو مع تعليقات أستاذه ابن الحاج المشهورة،إلى ان وصل إلى باب الإضافة،ثم قرأ كتاب حسام كاتي،فحاشية اليزدي على تهذيب المنطق في علم المنطق،ثم قرأ كتاب”المختصر للتفتازاني” في المعاني،والبيان والبديع،ثم شرح العقائد النفسية للتفتازاني في العقائد.
عاش الشيخ معروف في مدرسة(هزار ميرد)،وسكن مع الطلاب في حجرة ضيقة مظلمة.
لم يكن العلماء والمدرسون في كوردستان في درجة واحدة من العلم والثقافة بل يتفاوتون فيما بينهم،ويختص كل منهم بعلم من العلوم فيتقن هذا علم النحو والصرف والبلاغة،وذاك علم المنطق والحكمةـ وذاك علم الفقة وأصوله،وذاك علم العقائد والكلام وآخر علم الفلك والجبر والحساب والطبيعيات،لتكميل العلم،وقد يقضي الطالب في كوردستان اكثر من عشرين سنة وهو يتنقل بين المدارس،إلى ان يكمل تحصيله وينال الأجازة العلمية. اما بخصوص الشيخ معروف فإنه أمضى أربع سنوات في مدرسة إبن الحاج،ورجع إلى (قلعة جوالان)مرة اخرى واستقر في مدرسة العلامة الملا محمد الغزائي وبعد تخرجه اشتغل بالتدريس والتأليف ونشر العلوم وقرض الشعر ونظم المتون وبقي في قلعة جوالان إلى ان شرع إبراهيم باشا ابن احمد باشا في بناء مدينة سليمانية سنة 1199هـ / 1784م وأتمها سنة 1200هـ / 1785م،فنصب الشيخ معروف النودهي مدرساً بالجامع الكبير في السليمانية ونقل إليه المكتبة العظيمة البابانية في قلعة جوالان وسلمها إليه،وكان الطلاب العلم يجتمعون في مدرسته ويقول كان عددهم يصل إلى اكثر من سبعين طالباً.ولكن مكتبة السليمانية تعرضت إلى احتراق إبان الاحتلال الانكليزي،ولم يسلم منها إلا زهاء ثلاثمائة مجلد من المخطوطات القيمة كالأم للشافعي،وشرح الأمالي للقالي،والحاشية للعلامة السعد التفتازاني،على تفسير الكشاف في مجلد ضخم وحاشية كشف الكشاف للعلامة عمر بن عبدالرحمن الفارسي القزويني.
ويقول الشيخ محمد الخال ان الامير احمد باشا بابان عندما كان والياً على اليمن اشترى هناك مكتبة كبيرة كان منها هذا الكتاب(حاشية كشف الكشاف) لانها كانت قد تحولت من البلاد الفارسي إلى العلماء الكبسيين في اليمن. وحول شعره وشاعريته يقول الشيخ محمد الخال:كان الشيخ معروف ناظماً أكثر منه شاعراً مطبوعاً،فآثاره كلها منظومات علمية،وإن له من الابيات التي نظمها يزيد على عشرة آلاف بيت أغراضه الشعرية منحصرة في مدائح الرسول صلى الله عليه وسلم. أما باقي الاغراض، فليس له منها شيء،ويضيف قائلاً ان السبب يعود لانه كان متنسكاً ورعاً،متقشفاً،وعالماً دينياً، منقطعاً عن الناس،ومستغرقاً في التدريس والتأليف ونظم المتون،ومنزوياً في زاوية مدرسته طول حياته يألف العزلة ولا يعرف من هذه الاشياء شيئاً. وله قاموس تحت أسم”الاحمدية” في ترجمة العربية بالكوردية:وهي منظومة. نظمها سنة 1210هـ / 1795م لابنه كاك احمد الشيخ حينما كان في السنة الثالثة من عمره،ليحفظ ما يحتاج إليه من الكلمات العربية المتداولة،وجملة ما جمعه منها(1475) كلمة عربية،ومثلها من الكلمات الكوردية،وأبنه كاك احمد كالعلة الغائبة لهذه المنظومة،لذا سماها بالاحمدية،وهي في ثمانية وستين وثلاثمائة بيت جعلها بابين باب في ترجمة الاسماء،وباب في ترجمة الأفعال،صدرها بثلاثة عشرة بيتاً بالفارسية،وفي أول الباب يقول:
)رأس) سه ره(عين) جاوه (بدن) قالب (إسم) ناوه
)أنف) لووته(حاجب) برو (فخذ) رانه (ركبه) ئه زنو
ويقول في بداية الباب الثاني:
)سبق) بيش كه وت (زظر) رواني (أخذ) كرتى (اكل) خواردي
)ظهر، لاح، بدا) ده ركه وت (عرف) ناسي (بعث) ناردي
فالمنظومة كما تساعد الكردي على تعلم الكلمات العربية،كذلك يساعد العربي على تعلم الكلمات الكوردية ،وقد طبعت في بغداد سنة 1354هـ / 1936م.
اما بخصوص مولانا خالد النقشبندي الذي احدث ضجة سياسية ودينية في منطقة السليمانية لاسيما بعد رجوعه من الهند واخذ بنشر طريقته النقشبندية في منطقة التي كانت تحتسب للطريقة القادرية. وإن الشيوخ الطريقة القادرية أصبحوا آلد اعداء للنقشبندية.

التآخي