الرئيسية » شخصيات كوردية » عبدالله كوران… شاعر حلبجه

عبدالله كوران… شاعر حلبجه

ليس هذا الانجاز الأدبي الفريد مما يسمح أن يقدم له مثلي، كما يقدم لغيره من الدراسات، إذ لا عبقرية كوران، مما أسامح على الخوض في غِماره، ولا فضل “علي شانوف”، مما يباح لي أن أدعيه لنفسي. مع ذلك، فلا أجد مَهرباً من الاشارة إلى أني تركتُ الرأي فيما توصل إليه المؤلف الكريم من تحليلات واستنتاجات لمن هم أدرى مني بحقيقة كوران شاعراً حراً، أو عقائدياً ملتزماً، أو شاعراً رومانتيكياً، أو نصف رومانتيكي، أو نصف كلاسيكي، أو رومانتيكياً واقعياً، أو واقعياً اشتراكياً، إلى غير ذلك من النعوت والألقاب..
ومهما قيل في الموازنة بين كوران شاعر طبيعة وحب ومرأة وجمال، وبينه شاعر سياسة واجتماع وفلسفة، فلستُ بطامعٍ أن أضيف ولو حرفاً. وحسبي اعتزازاً أني نقلتُ هذه الدراسة إلى العربية، وكلي أمل أن يكونَ فيها ما يُغني من افتقار المكتبة الكوردية والعربية إلى مثل هذه الدراسات، والله الموفق. المقدمة إن للشعب الكوردي، كما لعدد من شعوب الشرق الأوسط العريقة في القِدَم، أدباً غنياً، اجتاز عبر العصور طريق التطور والازدهار الطويل. وعلى الرغم من أن القصائد الغزلية لـ “علي ترموكي”(1) و”علي حريري” اللذين عاشا في القرنين العاشر والحادي عشر، تعد النماذج الابتدائية الأولى من الأدب الكوردي المدوّن، غير أن هذا الأدب إنما بدأ مسيرته في طريق التطور الحقيقي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، مستمداً أسسه من أشعار “فقي تيرا” (1307 ـ 1375)، و “ملاي جزيري” (1407 ـ 1481) من أساطين القول البديع. وماالقرون الوسطى في تاريخ الأدب الكوردي، إلا عهد ازدهار الملاحم والغزل، ويعتبر “أحمدي خاني” (1670 ـ 1706) بملحمته الخـــــــالدة “مم وزين”، و “نالي” (1797 ـ 1855) بغنائياته الخالدة في الحب، إنما يبرزان في عالم الفن للشرقين الأدنى والأوسط مع مشاهير ممثلي الآداب المجاورة، من العربية والفارسية والتركية والآذرية، وقد قارن عدد من علماء الاستشراق، ومنهم: “أوربيلي وكوردوييف ورودينكو” ملحمة مم وزين، من حيث السعة الملحمية والمستوى الفني والغني الاجتماعي ـ الفلسفي، بملاحم “نظامي كَنجوي” و”روستافيلي”.
ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تبدأ بظهور شعر “حاجي قادري موي” (1816 ـ 1892) مدرسةُ الشعر التنويري الديمقراطي في تاريخ الأدب الكوردي(2).
ويعد تعاظم الأفكار الوطنية، والتغني بحركات التحرر الوطني والقومي، والدعوة إلى التزود بالمعارف والمدنية الحديثة من الجوانب المميزة للشعر الكوردي. وكان للأفكار الاجتماعية التاريخية أثر بالغ في نضج شكل الشعر الحديث ومضمونه، وتلاشي التقاليد والأصول الأدبية المحافظة وتجاوز حدود النظم الجامدة، وبدء الوزن الهجائي موازياً مع الوزن العروضي بالتطور والازدهار.
وفي مستهل القرن العشرين، وبعد تمزق الإمبراطورية العثمانية، واتساع حركة النضال من أجل التحرر القومي، وتحويلها إلى نضال شعبي عام، بعد سنوات 1918 ـ 1932، احتلت موضوعات النضال ضد الاستعمار في الشعر الكوردي مكاناً أوسع، وتركت الرومانسية كأسلوب أدبي متميز أثراً بليغاً في تطور الأدب الكوردي. وتمثل غنى هذا الأدب عموماً، أربع مراحل أدبية مهمة، تقترن عادة بأسماء أربعة شعراء كورد مشاهير، وهم: ملاي جزيري، وأحمد خاني، وحاجي قادري كويي، وعبدالله كوران. وتعتبر النماذج الغنية الرائعة لهذا الأدب، أكبر رد حاسم، يدحض أفكار الشوفينيين(3)، التي تدعو إلى صهر الشعب الكوردي في بوتقات القوميات الثلاث: التركية والفارسية والعربية، تلك الأفكار التي تجافي كل المجافاة أبسط حقائق العلم التاريخي. إن الأدب الكوردي لفوز عظيم، يجسد الوجود التاريخي والصلابة والخصائص القومية لشعب جسور، تكالبت عليه النكبات والمِحَنُ. كما أنه المَثَل الحي للغة الكوردية ذات المزايا العديدة المتسامية بالقيم الانسانية والدنيوية.
إن الأدب الكوردي منظوراً إليه ككل، عبارة عن نماذج من القصائد، أصابها من جمود الشعر الكلاسيكي، شكلاً وتقاليد من جهة، والظروف الاجتماعية التاريخية من جهة أخرى، ما أصاب الشعوب المجاورة في ميدان الدراما والنثر المرسل، من ضمور وفقر. ومن الملاحظ أن دراسة جميع المراحل التاريخية بعمق لتطور الشعر الكوردي تاريخياً، وأدوار المشاهير من شخصياته، وحيواتهم وابداعاتهم، تبرز اليوم أمام المستشرقين الفيلولوجيين، كمسألة علمية جديرة بالاهتمام.
ويتميز القرنان التاسع عشر والعشرون اللذان ازدهر فيهما هذا الأدب الثقيل الوزن، الذي يمكن تسميته بأدب الحياة والكفاح من الناحيتين الفكرية والفنية، بانتصارات أدبية رائعة. وبعد الحرب العالمية الثانية، شرعت الواقعية، تتعاظم وتقوى في الأدب الكوردي أكثر فأكثر، وأخذت عناصر الواقعية الاشتراكية تتطور وتزدهر في هذا الأدب بسرعة ملحوظة. ففي هذه المرحلة، بدأت ابداعات “كوران”، قبل أي واحد، تستلفت النظر. فقد ارتفع كوران كفنان مبدع إلى أعلى مستوى لتطور الشعر الكوردي. وكان كل الحق لمشاهير النقاد، حين اعتبروه خالق مدرسة أدبية ممتازة، وشاعراً أستاذاً.
لقد نشأ شعر عبدالله كوران على الأرضية الأصيلة للشعب الكوردي التنويري الديمقراطي، الذي ابتدع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد بدأ الشاعر منذ عام 1920 بابداعاته، مخلفاً في الأدب الكوردي المعاصر انعطافاً عظيماً. وانطلاقاً من محاولة الوقوف على جميع أوجه الابداع للشاعر، فإن مسؤولية الأسبقية في بلورة الرأي بشأن الخصائص المميزة لابداعات كوران، والمزايا الفكرية الجمالية لعدد كبير من آثاره المطبوعة وغير المطبوعة، إنما يتحملها المؤلف نفسه.
في الفصل الأول من الكتاب، يلقي الضوء على حياة الشاعر، ومحيطه الأدبي، ضمن إطار محدد، استناداَ إلى (ترجمة حياة) الشاعر التي حررها بخط يده، كمصدر أساسي للبحث. أما الفصل الثاني، فأوسع فصول الكتاب حظاً: ففيه يحاول المؤلف أن يوضح بطريقة علمية أبعاد تطور الواقعية في ابداعات كوران، ويلفت الأنظار إلى ظهور عناصر الواقعية الإشتراكية، كنتيجة منطقية لامفرّ من ترتبها على مقدماتها بالضرورة. وأما الفصل الثالث، فيتناول تحليل الخصائص الفنية لشعر كوران، وأبعاد التجديد في الشكل والأسلوب، استناداً إلى المقالات والدراسات النظرية والميراث الجمالي للشاعر.
وإذ يتحدث المؤلف في هذا الفصل عن الأوزان، يتبع ما يستشهد به من أمثلة شعرية بما يضبطها بطريقة Transcripsion كأمر بالغ الأهمية من الناحية العلمية. وفي الكتاب، يقوم التقييم لابتكارات كوران في قرض الشعر على أساس المادية الثورية في النظر إلى الأشياء شكلاً ومضموناً.
الهامش:
1ـ على الرغم من أن تاريخ ميلاد علي ترموكى ووفاته موضع نقاش، إلا أنه لاشك في كونه من الشعرائ الذين عاشوا في القرن العاشر.
2ـ انظر أحمدى خاني “مم وزين”، 1961، المقدمة، المتن النقدي، اعداد م. ب. رودينكو.
3ـ رشيد باسمي، الكرد وعلاقاتهم التاريخية، طهران 1912.
وانظر أيضاً، حاج علي رزم آرا، جغرافية إيران العسكرية، طهران 1920.
*من مقدمة كتاب “شعر الشاعر الكوردي المعاصر عبدالله كوران”، تأليف حسين علي شانوف “كورد أوغلو”، بالآذربايجانية. الطبعة الاولى ـ بغداد 1975. مديرية الثقافة الكوردية العامة.

Taakhi