الرئيسية » شؤون كوردستانية » تركيا خطوة ( لفظية!) الى الامام وخطوات (عملية!) الى الوراء

تركيا خطوة ( لفظية!) الى الامام وخطوات (عملية!) الى الوراء

في خطوة (عملية!) الى الوراء، فقدت تركيا امكانية التفاوض مع اهم طرف كوردي ممثل في البرلمان التركي حول خطة الانفتاح على الشعب الكوردي حينما أمرت أعلى محكمة في تركيا يوم الجمعة الماضي باغلاق الحزب الرئيس والمؤيد للقضية الكوردية في تركيا .
وهو حزب المجتمع الديمقراطي ومنع 37 من قادته من العمل السياسي بتهمة التعاطف مع ثوار حزب العمال الكوردستاني لمدة خمس سنوات بزعم وجود صلات له مع حزب العمال الكوردستاني، وأقام الدعوى كبير ممثلي الادعاء في تركيا “عبد الرحمن يالجينكايا” الذي حاول دون جدوى اغلاق حزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في عام 2008 على اساس انه يخالف الدستور العلماني للبلاد. وفور اعلان قرار المحكمة التركية ( وحسب انباء منشورة) اعرب الاتحاد الاوروبي فعلا عن قلقه بشأن قرار حظر حزب المجتمع الديمقراطي ومنع عدد من عناصر الحزب ونوابه في البرلمان التركي من ممارسة العمل السياسي على مدى 5 اعوام. وجاء في بيان صدر حول الموضوع ان “الاتحاد الاوروبي يشجب العنف والارهاب ويذكر في الوقت نفسه ان حظر الاحزاب السياسية يعتبر اجراء لا يمكن تطبقيه الا في حالات استثنائية”. ودعا الاتحاد الاوروبي تركيا ( حسب وكالات الانباء) الى ادخال تعديلات دستورية من اجل ان تتطابق التشريعات التركية مع توصيات لجنة فيينا للاتحاد الاوروبي وبنود المعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان.
ومن المعلوم ان قادة في الاتحاد الاوروبي يعتبرون ان قبول تركيا في النادي الاوروبي يمر عبر بوابة ديار بكر ( عاصمة شمال كوردستان) اضافة الى الشروط الاوروبية الاخرى، اي ان احد اهم شروط الاتحاد الاوروبي لقبول تركيا في الاتحاد الاوروبي هو الاقرار بالحقوق الكوردية لحوالي عشرين مليون انسان كوردي يعيشون على ارضهم الوطنية في جنوب شرق الاناضول او شمال كوردستان.
كما ان اعلان القرار ادى الى اندلاع مظاهرات صاخبة و مواجهات مع الشرطة التركية في المدن الكوردية وخصوصا في كبرى مدنها (ديار بكر) التي يبلغ تعداد سكانها اكثر من مليون ونصف المليون نسمة.
وفي خبر لاحق اوردته وكالة (كونا ) للاخبار ان النواب الكورد في البرلمان التركي وعددهم 21 عضوا وهم اعضاء في الحزب المنحل قرروا الانسحاب من البرلمان وقدموا استقالاتهم احتجاجا على القرار، وفي هذا الصدد قال رئيس الحزب احمد تورك في مؤتمر صحفي ان النواب الممثلين للحزب لن يشاركوا بعد اليوم في جلسات البرلمان ردا على قرار حظر الحزب الوحيد الممثل للكورد.
يشار الى ان عدة احزاب كوردية سبق وحظرت بزعم علاقتها بحزب العمال الكوردستاني الا ان تلك الاحزاب عادت وتشكلت تحت اسماء احزاب مختلفة، وليس مستبعدا ان تقدم الكوادر السياسية الكوردية على تشكيل حزب جديد ليحل محل حزب المجتمع الديمقراطي، ولكن الحديث عن هذا الموضوع ما زال سابقا لاوانه.
وعلى الرغم من ان بيانا صدر من الحزب الحاكم ( حزب العدالة والتنمية) ، صاحب مبادرة الانفتاح على الشعب الكوردي، يبين فيه انزعاجه من قرار حظر الحزب الكوردي، الا ان تصريحات اوردوغان الاخيرة في الولايات المتحدة و تصريحات الرئيس التركي عبدالله كول في جولته في دول البلقان تفرض ظلالا كثيفة من الشك على صدقية الحزب المذكور، كما ان تصريحات رئيس المحكمة الذي قال فيها ان اعضاء المحكمة بالاجماع، قرروا غلق الحزب كل هذه الامور تؤكد ان الحزب الحاكم ايد وساند قرار الحظر من قبل المحكمة التركية التي يبدو انها تتمثل عادة للعقلية الاتاتوركية وتنفذ ارادة القيادة العسكرية التركية التي تعتبر نفسها وريثة الفكر الاتاتوركي العنصري.
ويبدو ان تأييد حزب العدالة والتنمية لقرار المحكمة التركية يهدف اولا :
الى الانفراد باصوات الناخبين الكورد خصوصا وانه يحاول مغازلة الشارع الكوردي حول مبادرة الانفتاح، في وقت لا يستطيع اي حزب اخر من الاحزاب الموجودة حاليا ان يحل محل حزب المجتمع الديمقراطي المنحل، عدا حزب العمال الكوردستاني الذي يعتبره النظام التركي حزبا ارهابيا، مما يجعل امر التفاوض معه صعبا للغاية امام التعنت الواضح للعسكريين الترك وحتى الحزب الحاكم نفسه واحزاب اليمين المعروفين بعنصريتهم. وهذا سيؤدي في اكثر الاحتمالات الى تعثر عملية الانفتاح المزعومة والتي لم تشهد اية تطبيقات ملموسة على الارض للانفتاح الحقيقي على الكورد، فافتتاح قناة فضائية كسيحة باللغة الكوردية واطلاق تسمية الاولاد الكورد المولودين حديثا باسماء كوردية، واعادة اطلاق الاسماء الكوردية لبعض المناطق والتي تم (تتريكها ) سابقا، هذه الامور وحدها لا تعتبر انفتاحا حقيقا وصادقا على الشعب الكوردي، اذ ان تغيير الدستور العرقي التركي يعتبر هو الاساس في اية عملية انفتاح حقيقية، اذ يجب، اذا كان الاتراك صادقين في نواياهم ، سواء أكان اوردوغان ام غيره، ان يذهبوا الى تغيير الدستور اولا والاقرار بأن الاناضول او (تركيا) هي بلد متنوع الاعراق والثقافات كما تفعل الدول المتحضرة التي تشبه حالتها حالة الوضع القومي المتنوع في الاناضول، لا ان يعتبر شعب الاناضول كله اتراكا بينما يعيش هناك اكثر من عشرين مليون كوردي وملايين اخرى من الشركس واللاز والسريان والعرب والارمن. وثانيا:
التخلص ولو مؤقتا من ضغوطات العسكريين الذين حاولوا قبل اشهر قليلة ومن خلال المحكمة نفسها حظر حزب العدالة والتنمية نفسه.
ولكن في الوقت نفسه سترى حكومة اوردوغان نفسها امام اشكالية المضي في مبادرة الانفتاح( اللفظية حتى الان)، اذ انها تحتاج الى من تتحدث معه حول خطة المبادرة والية تنفيذها، كما ان الوقائع تقول ان اية مبادرة في الاناضول للوصول الى السلام الحقيقي بين النظام والشعب الكوردي هناك لن تنجح دون ان تتحررالسلطة التركية من عقدة (البكك) وان تذهب بشجاعة حقيقية للتفاوض معهم، اذ وحسب الكثيرين من المراقبين ان الوضع الكوردي هناك لن يشهد الاستقرار الكامل دون اتخاذ القرار الحاسم وهو فتح قناة الحديث المباشر مع حزب العمال الكوردستاني.
السلام والامن، وحقن الدماء، والعمل لبناء المستقبل السعيد لشعوب الاناضول وانهاء الصراع الدائر بين الشعب الكوردي والنظام التركي يتطلب، ان تنبذ السلطة التركية اساليب التحايل والمناورات، وان تتخلى عن قصص منح الاجازات للاحزاب تحت ادعاءات الديمقراطية، وكي تخفي فكرها الشوفيني تحتها، ومن ثم ايقاف تلك الاحزاب عن نشاطاتها بدعاوى و اتهامات باطلة، عليها ان تكون شجاعة، وتخلص حقيقة لمبدأ العدالة والتنمية وتذهب الى الحل، وهي تعرف جيدا اين هو موقع الحل!
ان مبدأ خطوة ( لفظية!) الى الامام وخطوات (عملية!) الى الوراء بات مكشوفاً جدا، وموديلا قديما مهلهلا، وعلى تركيا، ومن اجل مستقبل شعوبها ان تقلع عنها. اذ ليس هناك عاقل على الارض يجهل خبث هذه السياسات.