الرئيسية » شؤون كوردستانية » المونولوج الحزبي الكوردي في الداخل السوري

المونولوج الحزبي الكوردي في الداخل السوري

يبدو أن الحوار الذاتي الذي يسُمّى ب”المونولوج” بات يُسمَع، في هذه الأيام الأخيرة، بصوت عالٍ، داخل الشرفات العالية في التنظيم السياسي الكوردي (السوري)، وهو حوار بين شخصيتين في ذات واحدة، شخصية تقف على الثوابت وتُصّر على التمسك بها وضرورة الافصاح عنها، وشخصية تحاول الابقاء على العملاق في القمقم حيناً من الدهر، بذرائع وحجج أهمها أن الظروف الذاتية والموضوعية لاتسمح بذلك التحوّل أو التطوّر نحو الاعلان عن كل الحقائق المتعلّقة بالذات الكوردية السورية، وهي شخصية تعاني بسبب ضغوط قوية قلقاً داخلياً عجيباً وتردداً أو تخوّفاً من كل جديد في الحراك الكوردي السوري…
هذا الصراع الداخلي الذي يفصح عنه مونولوج ذاتي خرج عن إطار الهمسات في هذه الأيام، يخلق في التنظيم الكوردي السياسي انفجارات قوّية، تؤدي إلى السير في اتجاهين متعاكسين، بل شرع يأخذ وضعاً لابد من حسمه سياسياً وتنظيمياً في الوقت ذاته…بمعنى أن تكون مع التطوّر أو ضدّه، مع التجديد أو مع الركود الآسن، مع التغيير أو عدمه، في الوقت ذاته، لايخدم القضية الكوردية، وانما يضّر بها وبالشعب الكوردي وبالحياة السياسية لهذا الشعب وهذا الحراك الذي صار له من العمر أكثر من نصف قرن، دون أن يحقّق أياً من أهدافه المعلنة في مناهج وبرامج الأحزاب الكوردية التي يندر أن تجد من يستطيع الإلمام بها كلها لكثرة انشقاقاتها وتشعباتها وتوتراتها… ومن المؤسف أن يلجأ أحد المعارضين الكبار في المعارضة الديموقراطية السورية إلى كوردي بسيط مثلي راجياً تقديم خارطة واقعية للتنظيمات الكوردية السورية التي عجز، وهو الخبير بالشؤون السورية، عن التعرّف عليها أو الالمام بها بشكل علمي وموضوعي…
كما أن هذا الوضع بات مستعصياً على عدة خبراء في العالم الحر الديموقراطي، وحتى أؤلئك الذين يبدون استعدادهم وقدرتهم على كتابة بحث علمي مفصّل عن الحراك الكوردي السوري… ونقول هذا عن معرفة وتجارب مع أصدقاء وصديقات أرادوا / أردن تأليف كتب عن الشعب الكوردي في الجزء السوري من كوردستان.
كلنا يعلم شيئاً أو أشياءً عن أسباب هذا التأزّم في الوضع التنظيمي للحراك الكوردي السوري، حيث تلعب عدة محاور دورها السلبي أو الايجابي في الابقاء على الحركة السياسية لشعبنا ممزّقة، مشتتة وغير مستقّرة داخلياً، كما الريح تؤثّر بشكل أساسي في النار، سلباً أو إيجاباً.. ومن هذه المحاور: النظام القائم في البلاد، والخلفية الكوردستانية للحراك الكوردي السوري، والتطورات الكبرى على صعيد العولمة…
لايخفى على أحد أن لهذه الأضلاع الثلاثة تأثير واضح في تعميق الأزمة السياسية داخل الذات الكوردية “السورية”، فهزيمة عام 1975 م في جنوب كوردستان أثّرت بشكل مباشر على تفتيت وتمزيق حزب “البارتي”، كما أن نجاح الإخوة الكورد في ذات الجنوب الكوردستاني منذ انتفاضة 1991م وإلى الآن قد أثّر إيجاباً في انتعاش الحركة الكوردية السورية وفي جرأة بعض فصائلها على الافصاح عن مواقف كانت غير قادرة على الافصاح عنها من قبل. كما أن أسلوب معاملة النظام لمسؤولي التنظيم الكوردي السوري يحدد نوعية ردّ الفعل السياسي في الساحة الكوردية، فقبول قياديين حزبيين كورد كأعضاء في “مجلس الشعب” في فترة زمنية ماضية، كان له تأثير إيجابي على الشعب الكوردي، وحملة الاعتقالات الشرسة ضد السياسيين الكورد، كما هو الحال في الفترة الأخيرة، أضرّت بالعلاقة بين الشعب الكوردي والنظام ضرراً فادحاً، يتحمّل نتائجها النظام المبادر إلى تأزيم الأوضاع عموماً وتجاه الشعب الكوردي خصوصاً… وتأثير “العولمة” ومختلف التطوّرات على الساحة الدولية، وبعض المبادرات التي انطلقت في السنوات الأخيرة في العالم الحر الديموقراطي، وبخاصة الدفاع اليومي المستمر عن مسألة حقوق الإنسان، دفع بالحراك الكوردي السوري إلى الشعور بأن هناك أصدقاء وسامعين لصوته المخنوق، ولابّد من متابعة المسيرة النضالية بهمّة وعزيمة للاكثار من هؤلاء الأصدقاء والاستفادة من تأثيراتهم في السياسة والمجتمع في بلادنا، بهدف تخفيف وطأة الحملات المسعورة للنظام ضد شعبنا وحراكه الوطني السياسي.
قد يتساءل بعضهم: ما علاقة الثوابت القومية بالصراع الدائر بين قوى شعبنا المناضلة وبين النظام، حتى يتفجّر المونولوج الذاتي في داخل الحراك السياسي الكوردي بهذا الشكل الصارخ؟
هناك بالتأكيد من يريد أن يفهم عن كثب مايريده الكورد السوريون حقاً في سوريا التي ينّص دستورها على أنها بلد عربي وشعبه “العربي” ذو طموحات في الوحدة العربية ويعمل على صون انتمائه العربي بقوّة…وهناك من يسأل نفسه عن حقيقة الوجود القومي الكوردي في سوريا حتى يستطيع رسم سياسته حيالها، كما أن هناك من يسأل عن أسباب تمسّك الكورد ببعض المصطلحات الأساسية وبتلك الخلفية “الكوردستانية” طالما هم سوريون… طبعاً هذا التساؤل المتعدد الأرقام والدرجات بات سؤالاً مشتركاً بين معظم فصائل الحراك الديموقراطي السوري، أي المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، ولربما بعض الدوائر الضيّقة داخل التركيبة الحاكمة من حزبيين بعثيين ومثقفين موالين للنظام ولكنهم مؤمنون بالتجديد وبانصاف الأقليات القومية والدينية، ليتمكّنوا من الخروج من دوامات الركود السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي أو لصد الباب أم الانهيار التام للنظام بسبب سياساته التعيسة المتعددة المظاهر…
لاعطاء جواب دقيق وعلمي وصادق لكل هؤلاء الذين يطرحون أسئلتهم يتحتّم على التنظيم السياسي الكوردي توضيح مواقفه الوطنية تجاه العمل المعارض وأسباب تمسّكه بخلفيته الكوردستانية، ومدى اجابته لنداء الحرية والديموقراطية الصدّاح في العالم كله اليوم، وعلى الأخص الاجابة عن موضوعي (الموقف من النظام القائم في البلاد) و(الدستور)… وهنا لاتجوز الافتراءات على الحلفاء، ويجب أن نكون صادقين مع من يمدّ يده إلينا للعمل معاً…
وبمجرّد محاولة اعطاء جواب حقيقي وكافٍ من الطرف الكوردي للمحاور السوري (من المعارضة أو من النظام) تتفجّر ينابيع مزيد من الأسئلة المحرجة، داخل التنظيم السياسي الكوردي ذاته، بحيث تزداد الرغبة الحادة للدخول في مونولوج مع النفس، كما هو حاصل هذه الأيام في بعض التنظيمات الحزبية الكوردية، وعدم الإسراع في تلبية مطالب القواعد الحزبية عبر مؤتمرات ديموقراطية يتّم الالتزام بقرارات تتخذها الأكثرية يتحوّل المونولوج المستور إلى صراخات عنيفة تحطّم زجاج المبنى الحزبي وتخلق شرخاً في القيادات، يتحوّل إلى تشققات وصدوع في جدران البناء، ثم يتهاوى بقوّة… وهذه المخاطر تعرّضت لها معظم التنظيمات الكوردية غير القادرة على معالجة الأمور بشكل ديموقراطي صحيح، وانما لجأت بعد مد وجزر إلى أسلوب “التوافق العلوي” بين أصحاب المصالح الحزبية في الصفوف المتقدّمة للتنظيم السياسي الكوردي، وهنا تكمن بؤر العلل والأمراض التنظيمية، حيث المماطلة والمساومة والتسويف وابتكار الحيل الخادعة والوعود المعسولة بهدف تجاوز القرارات المتخذة في مؤتمر حزب ينص منهاجه على “الديموقراطية” وعلى اعتبار “المؤتمر أعلى هيئة حزبية” و”له الشرعية التي لاتهرّب منها”، ثم يتّم الاحتيال على الحزب واغتيال الحزب بعد ذلك…
إن الإعلام الكوردي المتواضع والذي يقوم فيه المثقّف الوطني بدوره الهام، مُطالب اليوم أن يعلن عن تضامنه مع الذين يريدونها حركة كوردية ديموقراطية النهج والسلوك، وأن يؤيّدوا من يحترم قرارات المؤتمرات الحزبية، وأن يدينوا أؤلئك الذين يلجؤون بعد ما اتفقت عليه أكثريتهم في المؤتمر إلى مختلف أشكال المساومة والتراضي والاحتيال لافراغ الحراك الكوردي السوري من النهج الديموقراطي… إن تفهّم المتغيرات المرحلية وترتيب أولويات معالجتها يجب أن لايكون على حساب صون الثوابت القومية التي لايحق لأي متكلّم باسم شعبنا التخلّي عنها أوالتضحية بها من أجل الحفاظ على الوحدة التنظيمية لحزبه، تلك القائمة على مدى تنازل الحزب عن ديموقراطيته ومؤتمراته لصالح المساومات الرخيصة والمؤذية… نعم، على الإعلامي الكوردي المساهمة بجد ونشاط وبدون تردد لحسم الأمور عندما تحين ساعة الحسم… 

– ‏07‏ كانون الأول‏، 2009