الرئيسية » مقالات » الطائفية: هل هي صناعة الامس ام اليوم؟

الطائفية: هل هي صناعة الامس ام اليوم؟

الطائفية (Sectarianism) هي التعصب والتفرقة والتمييز والكراهية الناجمة عن الفروقات العرقية والدينية والمذهبية والايدلوجية والطبقية والعشائرية والجغرافية داخل المجموعة الواحدة او الوطن الواحد. وللطائفية عدة اشكال وفي هذا الموضوع سوف اتطرق فقط الى الطائفيتين الاجتماعية والسياسية وسوف احاول اثبات بأن الطائفية التي تمزق عراقنا اليوم هي وليدة احزاب الساعة ولاعلاقة لها بصورة مباشرة بترسبات الماضي او على الاقل ليس بالدرجة التي تصفها احزاب الساعة. وهنا سوف يختلف معي الكم الاكبر من الكتاب والباحثين الذين يبرؤون احزاب اليوم من دورهم في تكريس الطائفية واستخدامها ورقة ترويجية لبضاعتها الفاسدة نصا ومضمونا, ولكن اذا اردنا حقا ان نشخص اخطاء العملية السياسية ونرشدها الى بر الامان علينا انصاف التأريخ وعدم تزيفه وفق اهواء وعواطف الاشخاص والفئات والتيارات السياسية والفكرية والعقائدية. ايضا ارجو من القارئ التميز مابين الممارسات الطائفية وبين احترام وصيانة هوية وتأريخ وثقافة وحقوق الطوائف العراقية.

نتيجة قدم الحضارة العراقية التي تعتبر اول حضارة عرفها كوكب الارض ووقوع العراق مابين ثلاث امبراطوريات عظمى تلاحقت على حكمه وهي الامبراطورية العربية (الدولة الاسلامية) والامبراطورية الفارسية والامبراطورية العثمانية, مضافا اليها وقوع العراق على مفترق تقاطع خطوط التجارة العالمية التي كانت تربط شرق ووسط آسيا مع اوربا, فمن الطبيعي ان يكون العراق بلدا وبيتا للعديد من الطوائف العرقية والدينية والمذهبية, وهذه الطوائف عاشت اجتماعيا في تآخ ووئام حتى سقوط نظام الصنم, فحتى هذا التأريخ لم يعرف العراق لأية حروب او نزاعات اجتماعية بين مكونات طوائف المجتمع العراقي, بل على العكس كانت الطائفية الاجتماعية معدومة كليا فتجد الشيعي يتأخذ من السني والكوردي والمسيحي والمندائي واليزيدي والكلداني صديقا له او جارا له وتجد كثرة حالات الزواج ما بين مكونات المجتمع العراقي, وربما كانت الظاهرة الطائفية الوحيدة الشائعة في العراق هو زواج المسلم بالمسيحية وزواج المسيحي بالمسلمة على الرغم من ان المانع لم يكن مبنيا على اسس التعصب والتفرقة والكراهية ولكن المانع كان يكمن في تعاليم الاديان السماوية التي تمنع مثل هذه المصاهرة او لا تشجع عليها, فباستثناء هذه الحالة النادرة لم يعرف المجتمع العراقي اشكال الطائفية الاجتماعية وحتى سقوط الصنم, فنادرا ما كنا نسمع ان شخصا ما قد قتل شخصا ما نتيجة اسباب طائفية او ان ابا ما رفض زواج ابنته لشخص ما مستندا على اسس طائفية او ان تاجرا ما رفض التعامل مع تاجرا ما لانه لم يكن منتميا لطائفته او ان عائلة ما رفضت شراء بيتا لها في منطقة اغلبية سكانها منتمين لغير طائفة العائلة, فعلى مستوى الفرد والعائلة لم تكن هناك حالات كراهية وتمييز وتفرقة وتعصب مبنية على اسس طائفية سواء كانت هذه الاسس دينية او مذهبية او عرقية او فكرية او جغرافية او عشائرية. طبعا لا نستطيع نكران بأن في كل مجتمع هناك فئة قليلة دائما تكون متعصبة لخصوصياتها ولكن هذه الفئة في العراق كانت ضئيلة ولايمكن تعميمها على انها ظاهرة كانت تقف ضد تقدم واستمرارية وديمونة وتجانس المجتمع, وبناء عليه فلا اعتقد بأني سوف اكون مخطئا عندما استنتج بأن الطائفية الاجتماعية كانت معدومة في العراق قبل سقوط الصنم باستثناء حالات نادرة لا تستحق حتى التوقف عندها او ذكرها.

أما بخصوص الطائفية السياسية, فقبل فترة الانتداب البريطاني كان العراق يدار وفق النظام العشائري وكانت تحدث العديد من النزاعات بين العشائر العراقية نتيجة سياسة الهيمنة والثأر والعرض وماشابه ذلك ولكن هذه الخلافات لم تكن نتيجة دوافع التميز والتفرقة والكراهية ولكنها كانت نتيجة اسباب اقتصادية وترسبات اجتماعية ولايمكن ان نطلق عليها بأنها كانت ممارسات طائفية سياسية او حتى اجتماعية لأن داخل المجموعة الواحدة (العشيرة), نادرا ما تحدث ممارسات طائفية. ايضا اثناء الحكم الملكي سواء اثناء فترة الانتداب البريطاني (1920-1932) او اثناء الملكية (1932-1958) لم يعرف العراق معنا للطائفية السياسية او ممارساتها, فالاحزاب السياسية لم تكن مقتصرة على او محصورة في طائفة معينة من طوائف المجتمع العراقي, ايضا دوائر ومؤسسات الدولة لم تمارس ايا من اشكال الطائفية في تقديم الخدمات والتعيين والترقية والبعثات وماشابه ذلك, ايضا لم يحتوي دستور عام 1932 على اية مادة تم صياغها وفق اسس طائفية, مضافا اليها تعاقب اشخاص على رئاسة الحكومة عائدين لجميع فئات المجتمع العراقي, فقد ترأس حكومات العراق السادة عبد الرحمن الكيلاني, عبد المحسن السعدون, جعفر العسكري, ياسين الهاشمي, توفيق السويدي, ناجي السويدي, نوري سعيد, ناجي شوكت, رشيد عالي الكيلاني, جميل المدفعي, علي جودت الايوبي, حكمت سلمان, حمدي الباجاجي, ارشاد العمري, سيد صالح جبر, سيد محمد الصدر, مزاحم الباجاجي, مصطفى محمود العمري, نور الدين محمود, محمد فضل الجمالي, عبد الوهاب مرجان, احمد مختار بابان.

أول حالة من الطائفية السياسية في تأريخ العراق الحديث سجلت بعد سقوط الملكية مباشرة عندما اسس مجلس السيادة وفق الثالوث الطائفي الرئيسي في العراق (شيعي سني كوردي) حيث تكون هذا المجلس من نجيب باشا الربيعي (رئيسا) ونائبيه خالد النقشبندي ومحمد مهدي كبة, ولكن هذا المجلس حل بعد نيف من الشهور وبدون ان يمارس اية صلاحيات. اما حكم الشهيد عبد الكريم قاسم فقد اتسم بالمساواة مابين اطياف الشعب العراقي ولا اعتقد ان اي كاتب او باحث يستطيع برهنة او نسب اية ممارسة طائفية للعهد القاسمي. اما بخصوص عهد عبد السلام عارف فقد عرف عارف بعنصريته وتعصبه لطائفته وقوميته على المستوى الشخصي ولكنه لم يعير اعتبارا لخصوصيته في ادارة الدولة وطائفية الارعن عبد السلام عارف هو موضوع قابل للجدل فهناك بعض الممارسات يمكن وصفها على انها طائفية ككراهيته للمرجعية الشيعية ولكن ايضا تعاونه مع حزب البعث الذي كان الشيعة يمثلون اغلب قياداته وعناصره في اسقاط الحكم القاسمي وتعينه حكومة اغلبيتها شيعية لقيادة اول حكومة في عهده لايمكن وصفها على ان سلام عارف كان شخصا طائفيا فالحكومة البعثية التي استلمت مقاليد السلطة في العراق ما بين شباط الاسود عام 1963, و 18 تشرين الثاني عام 1963 كانت اغلبيتها من الشيعة البعثيين حيث ان انقلاب شباط الاسود قاده البعثيين وبالذات قائد الحزب في وقتها علي صالح السعدي (الناصرية), يساعده طالب شبيب وحازم جواد (الناصرية) ابن اخت مؤسس حزب البعث في العراق فؤاد الركابي (الناصرية) ومسارع الراوي واحمد حسن البكر والمقدم عبد الستار عبد اللطيف والمقدم عبد الكريم مصطفى نصرت والمقدم صالح مهدي عماش والمقدم حردان التكريتي والملازم الاول منذر الونداوي, اما القوى القومية التي شاركت البعث بانقلاب شباط الاسود فقد ضمت كل من عبد السلام عارف وطاهر يحيى وعارف عبد الرحمن وعبد الهادي الراوي ورشيد مصلح وعبد الغني الراوي وخالد مكي الهاشمي. أما اعدام الشهيد عبد الكريم قاسم فقد نفذ باوامر من المجرم علي صالح السعدي (الناصرية ) ونفذه كل من عبد الغني الراوي ومنعم حميد على الرغم من معارضة عبد السلام عارف الذي كان اعز اصدقاء عبد الكريم قاسم.

اما عند التحدث عن علاقة حزب البعث بالطائفية فلا بد لنا من تقسيم حزب البعث الى قسمين الاول وكما يحلوا للبعض تسميته بحزب البعث المعتدل او غير الصدامي والذي مثل حزب البعث مابين تأريخ تأسيسه وحتى عام 1979 وبين حزب البعث الصدامي الذي حكم العراق منذ عام 1979 وحتى سقوطه عام 2003. فحزب البعث ما بين لحظة تأسيسه وتذيله بواسطة صدام عام 1979 لم يكن طائفيا اطلاقا بالمعنى اللغوي للطائفية حيث:

أولا: من ادخل واسس حزب البعث في العراق هي الطائفة الشيعية التي تدعي بطائفيته ضدها حيث ان اول قيادة قطرية لحزب البعث في العراق كانت تتكون من الشيعة فقط حيث كانت تضم كل من فؤاد الركابي( الناصرية) كأمين السر, وفخري ياسين قدوري وجعفر قاسم حمودي وشمس الدين كاظم ومحمد سعيد الأسود.

ثانيا: قادة حزب البعث في العراق ما بين انبعات اول قيادة قطرية له وحتى انقلاب عام 1968 كانت تتسيدها العناصر الشيعية للحزب.

ثالثا: الحرس القومي الذي ارتكب شتى الجرائم ضد الشيوعين كانت اغلب عناصره من شيعة العراق.

رابعا: الحزب كانت ابوابه مفتوحة لجميع مكونات المجتمع العراقي وبدون تمييز.

خامسا: استهدف الحزب جميع مناطق العراق ولم يقتصر نشاطه او استقطابه لعناصره على فئة معينة من فئات المجتمع العراقي او حصر نشاطه ضمن منطقة او فئة او طائفة معينة.

أن كان هناك قاسم مشترك يميز حزب البعث عن مثيلاته في تلك الفترة فهو سياسته المناهضة للطائفية فحزب البعث انتهج سياسة الغاء هويات الطوائف والتقليل من خاصية الانتماء لها فايدولوجية حزب البعث مركبة من اربع مكونات مجتمعة وهي الدكتاتورية (نظرية الحزب الواحد) وكراهيته للرأسمالية العالمية والقومية العربية, والالحاد (عدائه للاديان السماوية). وبما ان حزب البعث كان يعتبر الاديان حجرة عثرة تقف ضد اهدافه في بناء مجتمع علماني يكون فيه ولاء المواطن الاول والاخير محصورا في الحزب فقد حارب حزب البعث جميع الاحزاب الدينية وبدون تميز مذهبي. فأول الحركات الدينية التي استهدفها الحزب كانت الحركات الدينية السنية كحزب اخوان المسلمين وحزب الهدى. ايضا بعد المناوشات الحدودية مابين العراق وحكومة الشاه التي حدث في عام 1974 بدأ الحزب بالتشجيع ومساعدة نواة الثورة الاسلامية في ايران وذلك عن طريق ايوائه للمراجع الشيعية الايرانية وامداد قاعدتها في ايران بالمال والسلاح والمساعدات الفنية. (هذه السياسة تغيرت جذريا عند استلام صدام حسين للسلطة عام 1979). ايضا وبما أن اهم ايدلوجيات حزب البعث هي القومية والوحدة العربية فقد اتبع سياسة تهميش الكورد العراقيين والغاء هويتهم الكوردية ودمجها بالهوية العربية. فأول خطوة قام بها بهذا الخصوص هو تغيير نظام الالوية الى نظام المحافظات واستحداث اربع محافظات جديدة والتي اتخذها غطاءا لاستقطاع اكثر من ربع مساحة اقليم كوردستان وضمها للمحافظات العربية المجاورة كمحافظات ديالى وصلاح الدين المستحدثة ونينوى مضافا اليه سياسة التعريب التي اتبعها لتعريب محافظة كركوك, وهذا التصرف لا يمكن اعتباره تصرفا طائفيا لأن البعث لم يكن يميز ما بين الشخص العربي والكوردي ولكنه يمكن اعتباره على انه وسيلة لتعريب القومية الكوردية ودمجها بالقومية العربية.

أما ما بعد عام 1978 فنظريا لم يبقى من حزب البعث سوى الاسم فقد تم ابدال ادبياته وايدلوجياته ونهجيته بادبيات وايدلوجيات ونزوات صدام حسين, وليس هناك نقطة اختلاف بأن صدام حسين كان شخصا عنصريا منحازا فقط لعشيرته ولكن ايضا لايمكن اعتباره طائفي لأنه اولا لم يكن يؤمن بالدين وعليه فكلا المذهبين السني والشيعي من وجهة نظر صدام لم يكنا لهما اعتبارا او مردودا على سياسته الشخصية, ايضا لم يعد صدام يؤمن بالقومية العربية سوى في خطاباته ولكن صدام ايضا كان لايثق الا في افراد عشيرته وبعض المقربين منه, وعليه فقد كانت طائفيته ممكن وصفها على انها عشائرية اكثر مما هي مذهبية او قومية, وهنا لانستطيع أن نتجاهل حملات الابادة والمقابر الجماعية والحرب الكيمياوية التي شنها صدام ضد الطائفتين الشيعية والكوردية من مكونات المجتمع العراقي ولكن اسباب هذه السياسة القمعية ضد الشيعة هي قيام الثورة الاسلامية في ايران ومحاولتها تصدير هذه الثورة الى العراق فقد وجد صدام خطورة على حكمه مصدرها المذهب الشيعي للمكونة الشيعية وليس افرادها, فصدام كان مسالما مع الشيعي العلماني ولكنه كان يجد خطورة في الشخص الشيعي المتدين و الملتزم بشعائره الدينية ورجل الدين الشيعي. اما بخصوص الشعب الكوردي فسياسة صدام كان تكريم المواطن الكوردي المقتنع بسياسة التعريب البعثية ومحاربة المواطن الملتزم بقوميته الكوردية مضافا اليها رفض الشعب الكوردي للبعثية جملة وتفصيلا فالمناطق الكوردية العراقية هي المناطق الوحيدة في العراق التي لم يتمكن البعث من انشاء قاعدة له فيها. وعليه فأن سياسة صدام الاجرامية ضد الشيعة والكورد لم تكن لاهداف طائفية ولكن كانت نابعة عن رفض هاتين المكونتين للنظام البعثي الصدامي وسياسته ب في تهميش الدين والخصوصية القومية لغير العرب. ايضا لابد من لفت انتباه القارئ الى ان مؤسسة صدام حسين الحكومية كانت تتكون من قسمين وهي الاجهزة الامنية ومؤسسات الخدمات. فمؤسسات الخدمات كانت مفتوحة ابوابها لجميع العراقيين بدون تمييز والذين يبدون ولائهم للبعث ولنظام صدام ومقفلة فقط بوجه ما كان يطلق عليهم باعداء الثورة. أما المؤسسة الامنية والقمعية فقد كانت حصرية بالمقربين من صدام وعلى وجه الخصوص افراد عشيرته وبعض عشائر محافظتي صلاح الدين والرمادي,ونتيجة هذا الحصر العشائري فأن الغبن الذي حصل للمكونتين الشيعية والكوردية في زمن صدام تم نسبه للمكونة السنية لأن الجرائم ضد هاتين المكونتين تم ارتكابها بواسطة اجهزة صدام القمعية التي شكلت الطائفة السنية الغالبية العظمى من مكوناتها القيادية. ايضا فأن دور البعث في حكم صدام اقتصر على الجانب القمعي والاستخباري حيث لم يعد البعث مصدرا لصناعة القرار السياسي ولكنه اصبح امتدادا لاجهزته الامنية والقمعية والاستخبارية حاله حال مديرية الامن العامة او فدائيي صدام. انحصار قيادات اجهزة صدام الامنية في المكونة السنية للمجتمع العراقي يمكن اعتباره على انه النواة الحقيقية لانبعاث طائفية اليوم حيث بعد الظلم الذي حل بالطائفتين الشيعية والكوردية من المنطق ان ينتاب هاتين الطائفين درجة من الخوف من عودة هيمنة المكونة السنية او قد ينتابهم دافع الانتقام من المكونة السنية, ايضا فأن من الطبيعي ان تشعر المكونة السنية بأنها ربما ستكون مستهدفة في حالة انتقال العصا لباقي اطياف المجتمع العراق, هذا الخوف والحذر وتجارب الماضي مهد الطريق لتقوقع الاحزاب ضمن النطاق الضيق لكل طائفة.

نتيجة انعدام العمل السياسي العلني في العراق منذ سقوط النظام العارفي عام 1968, فأن اغلب احزاب اليوم أما كانت احزاب معارضة تعمل في السر او تأسست بعد سقوط النظام, بالنسبة لاحزاب المعارضة ونتيجة وحشية اجهزة صدام القمعية وامتداد ضراعها داخل وخارج العراق فأن السرية والاقتناع الايدلوجي المطلق كانت اهم سيمات هذه الاحزاب مما نتج عنه استمرار وديمومة الاحزاب القومية في المناطق الكوردية العراقية واحزاب الاسلام السياسي المذهبي في المناطق العربية من العراق واندحار او تلاشي الاحزاب العلمانية, لأن من السهولة جدا التأكد من ولاء الشخص القومي في المناطق الكوردية وذلك نتيجة محاربة صدام للقومية الكوردية ككل ومحاولته الغاء هويتها, فليس من الخطأ القول بأن اغلبية الشعب الكوردي كان يكره صدام حسين ونظامه, وهذه الخاصية تنطبق ايضا على الملتزمين بالدين وعلمائه لان الدين كان محاربا ومستهدفا من قبل نظام صدام حسين. وايضا وكما في حالة الشعب الكوردي فأن اغلبية علماء الدين واغلبية المتلزمين دينيا هم من اكثر العراقين كرها لصدام ونظامه وبما ان الاسلام في العراق يتكون من مذهبين رئيسين تفصلهما اختلافات عقائدية جوهرية من الصعب جدا غض النظر عنها, فأن من المنطق ايضا ان يكون هناك فصل مابين احزاب الاسلام السني والشيعي, مضافا اليه بأن احزاب المعارضة كانت بحاجة الى مأوى خارجي ووسائل تمويل خارجية وهذا الاسناد مصدره اما ايران او السعودية اودول الخليج ونتيجة الكراهية الطائفية التأريخية مابين ايران الشيعية والسعودية الوهابية وحليفاتها في التعاطف مع المذهب الوهابي فأن من المنطق جدا ان تتخذ احزاب الاسلام السياسي صبغة طائفية المذهب منذ لحظة تأسيسها, فهل يعقل ان تساند وتدعم ايران حزب اسلامي سني عندما تكون هناك عشرات الاحزاب والمجموعات الشيعية التي تترقب هذا الدعم وهذا الامر ايضا ينطبق على السعودية وباقي الدول العربية السنية. فليس من الغرابة ان نجد احزاب اليوم قد اسست وترعرت وحصرت نفوذها وشعبيتها على طائفة معينة من طوائف الشعب العراقي فلو القينا نظرة موضوعية على العملية السياسية خلال الست سنوات الماضية لوجدنا بأن جميع خيوطها هي تكريس لكلا الطائفيتين الاجتماعية والسياسية, حيث:

اولا: اغلب الاحزاب السياسية العاملة على الساحة العراقية هي احزاب طائفية او احزاب الطائفة الواحدة, فحتى ان كان الحزب لايمارس الطائفية فأن الانتساب اليه وقاعدته وسياسته وتطلعاته لازالت محصورة ضمن طائفة واحدة من طوائف المجتمع العراقي ففي المناطق الكوردية العراقية فأن الاحزاب السياسية اما احزاب قومية علمانية او احزاب قومية دينية او احزاب قومية دينية مذهبية, فلحد هذه اللحظة لم ار حزبا او تيارا سياسيا كورديا يضم عربا في صفوفه او يمتلك قاعدة جماهيرية خارج اقليم كوردستان والمناطق المتنازع عليها. اما في مناطق عرب العراق السنية, فأن في بداية العملية السياسية كان الحزب المتنفذ هو حزب اخوان المسلمين (اسلامي مذهبي) ولكن في السنوات الثلاث الماضية بدأت تشاركه في النفوذ والشعبية كيانات مجالس الصحوة (طائفية عشائرية) او الكيانات السياسية العشائرية (طائفية عشارية), مع بعض النفوذ لكيان المطلك وهو كيان علماني ولكنه لازال محصورا ضمن طائفة السنة العرب واغلب اعضائه يشك بانهم من البعثيين السنة. أما في مناطق شيعة العراق فأن اغلب الاحزاب العاملة هي احزاب الاسلام السياسي الشيعي كمشتقات حزب الدعوة (فروع المالكي والعسكري وابراهيم الجعفري), والمجلس الاسلامي الاعلى وشقيقته منظمة بدر, والكتلة الصدرية والفضيلة وحزب الله فرع العراق مضافا اليها الكيانات العشائرية التي اصبحت شائعة هذه الايام.

ثانيا: اتسام حكومات الست سنوات الماضية بالمحاصصة الطائفية نصا ومضمونا فالحقائب الوزارية وزعت وفق النسبة السكانية لطوائف المجتمع العراقي. وتوزيع سلطات الدولة العليا ايضا تمت وفق الممارسة الطائفية:

1: رئيس الجمورية كوردي ورئيس الوزراء شيعي ورئيس البرلمان سني.

2: رئيس الجمورية كوردي ونائباه واحد شيعي والآخر سني.

3: رئيس الوزراء شيعي ونائباه واحد كوردي والآخر سني.

4: رئيس مجلس البرلمان سني ونائباه واحد كوردي والآخر شيعي.



ثالثا: التصويت في مجلس النواب يتم وفق الخطوط الحمراء لثالوث الطائفية. فغالبية القوانين المعطلة داخل البرلمان (اكثر من خمسين قانونا ومشروعا) كانت اسباب عدم تشريعها اسبابا طائفية بحتة.



رابعا: ادارة شؤون الوزارة الواحدة وتقديم خدماتها يغلب عليها الممارسات الطائفية او سياسة الاقربون اولى بالمعروف وبما أن الاحزاب التي انيطت لها الوزارات هي اما احزاب طائفية او احزاب الطائفة الواحدة فأن الاقربون هنا تعني الطائفة.

خامسا: انقسام الاعلام العراقي طائفيا وذلك نتيجة تحول الاغلبية العظمى من وسائل الاعلام العراقي الى اعلام سياسي فاغلب المنافذ الاعلامية كقنوات التلفزة والمذياع والصحف والمواقع العنكبوتية اما تمتلكها الاحزاب الطائفية واحزاب الطائفة الواحدة او تدعمها دول الجوار ولاغراض طائفية بحتة.

سادسا: اتسام نسبة كبيرة من كتاب المقال السياسي والباحثين والشعراء بصبغة الطائفية, فقراءة الاسطر الاولى لاغلب المقالات والقصائد السياسية المنشورة في اي موقع الكتروني او صحيفة (متحزبة ام مستقلة) كافية للدلالة على طائفة كاتب المقال او القصيدة. وهنا لا اعرف بالضبط كيف يحلو لنا تسمية كاتب سياسي بالوطنية عندما تكون جميع مقالاته اما لابراز اخطاء احزاب وساسة طائفة معينة او التهجم على رموز تلك الطائفة او التعظيم لرموز طائفته و التطبيل لانجازاتها.

سابعا: امتلاك الاحزاب الطائفية لميلشيات عسكرية ضلعت بجرائم القتل والاختطاف الطائفي والتهجير القصري وخصوصا في المناطق التي يقطبها خليط من عدة طوائف.

ثامنا: انقسام الشعب طائفيا وانتشار حالات التعصب الطائفي وازدياد الكره الطائفي.

تاسعا: التعيين في دوائر الدولة وتوريد العقود والمشاريع والخدمات اصبح وفق الممارسات الطائفية او عن طريق الانتماء الحزبي وهو ايضا ممارسة طائفية لأن اغلبية الاحزاب اما طائفية او احزاب الطائفة الواحدة.

عاشرا: المبالغة في احياء المناسبات والاحتفالات القومية والمذهبية.

احدى عشر: وجود هلالين في العراق (واحد شيعي وواحد سني).

وبناء على ما جاء اعلاه فأن من السذاجة الجزم بأن عراق اليوم ليس مقسما طافئيا (اجتماعيا وسياسيا) والقضاء على الطائفية السياسية والاجتماعية يحتاج الى وقت سوف لن يكون بالقصير ويحتاج الى خطوات متزامنة ومجتمعة يسلكها المواطن والسياسي والاعلامي سوية. فالقضاء على الطائفية الاجتماعية سوف يكون الاصعب ويحتاج الى القضاء او المباشرة بالقضاء على الطائفية السياسية اولا. حيث القضاء على كلا الطائفيتين يتطلب ثلاث خطوات متزامنة ومجتمعة متمثلة بتحلي السياسي والاحزاب السياسية بخاصية الوطنية وتثقيف المواطن ووجود قانون نافذ وملزم على الجميع. فعندما يكون هناك قانون ثابت وعادل ومطبق بدون تمييز ومؤسسات دولة مبينة على هذا القانون فأن المواطن سوف يجد القانون حاميا له ولمصالحه وحقوقه بدلا من الاحزاب الطائفية فانعدام القانون يؤدي الى زيادة شعبية الاحزاب الطائفية حيث ان من اهم اسس تواجد هذه الاحزاب واشتداد سواعدها هو ترويجها لمسؤولية حماية ابناء الطائفة الواحدة من ظلم باقي طوائف العراق. أما السياسي والاحزاب السياسية فلا بد لها من التحلي بالخاصية الوطنية والخروج عن طوق الفئوية ولكن هذه الامنية لاتتحقق الا عندما تقتنع هذه الاحزاب وعناصرها بأن منافع المصالح الفئوية تدر ثمارا اكثر عندما يكون التفكير والاولوية مركزان على مصلحة الوطن العامة. ولكن للاسف شخصيا لا اتوقع ان تأخذ المصلحة الوطنية مكانة الصدارة في قاموس احزاب الساعة الا عندما تخرج احزاب اليوم عن طوق الطائفية وخروج هذه الاحزاب عن طوق الطائفية يمثل نهايتها لان احزاب سياسية كالمجلس الاسلامي الاعلى واخوان المسلمين من الصعب جدا ان تجد محط رجل لها خارج مناطق طوائفها ألا عندما تتخلى هذه الاحزاب عن هويتها بالكامل وتصبح احزاب علمانية محافظة لاتتخذ من المذهب ايدلوجية ومنهجا لها وهذا ما لا يمكن ان يحصل. الاحتمال الاكثر حدوثا هو رفض الشارع العراقي للاحزاب الطائفية مما سوف يمهد الى اما نهايتها او اجبارها على نزع ثياب طائفيتها وحدوث هذا الاحتمال يعتمد بالدرجة الاساسية على ثقافة المواطن العراقي فعندما يقتنع المواطن العراقي بأن العراق ملك لجميع طوائفه وان مثلما هناك حقوق وواجبات لطائفته فأن باقي الطوائف هي الاخرى لها نفس الحقوق والواجبات وان مستقبل العراق يكمن في تآخي وتكاتف جميع طوائفه, في وقتها سوف يسقط المواطن خاصية العاطفة من حساباته عند تقيمه للاحزاب والكيانات السياسية, وعندما يصل المواطن لهذه الدرجة من النضوج الفكري, في وقتها سوف تسقط جميع اوراق احزاب الطائفية التسويقية وتصبح الكفائة والخبرة والنزاهة والحس الوطني الحقيقي وليس المفتعل هي مفاتيح كسب قلب المواطن العراقي وليس العرق والدين والمذهب والعشيرة والمنطقة الجغرافية.