الرئيسية » مقالات » قرار التفسير الجديد لقانون الإنتخابات.. عود على بدء..!!

قرار التفسير الجديد لقانون الإنتخابات.. عود على بدء..!!

عندما أشرنا في مقالتنا الموسومة (قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية)(*) الى الأسس الموضوعية التي أستند اليها الأستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، في نقضه لقانون الإنتخابات المعدل رقم 16 لسنة 2005، لم نك نجافي الحقيقة، في مقارنتنا لأسباب النقض مع طبيعة التعديلات التي اقدم عليها مجلس النواب في حينه، وأظهرنا بأن ما توخاه النقض قد إنصب على المادتين الأولى والثالثة من القانون، حيث كان التعديل في مضمونه يشكل غبناً وغمطاً لحقوق الناخب من جهة، وتهميشاً حقيقياً للقوائم الإنتخابية الصغيرة والقوائم الفردية، وتحيزاً وإستئثاراً من قبل القوائم االكبيرة على حساب تلك القوائم..!

وطبقاً لذلك دخلت أزمة التصديق على القانون مرحلتها شبه النهائية، وبدأ دخان “المعركة” الدستورية يتصاعد عالياً من جميع الأطراف لينتهي أخيراً وبعد عملية تدخل حامية الوطيس قادتها السفارة الأمريكية ممثلة بالسفير الأمريكي السيد هيل، وتدخل ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، ومن خلال التصريحات المتناثرة من قبل كافة الجهات، لاح في الأفق الهبوط التدريجي في منحنى موقف السيد الهاشمي من النقض، وبدأت تُطرح بدائل ومقترحات كلها تصب في خدمة تمرير القانون، والضغط على الأستاذ الهاشمي بسحب نقضه للقانون، لتنتهي بتغطية قانونية شكلية ، إعتمدت مقترحاً رئاسياً بعقد جلسة إستثنائية من قبل مجلس النواب لإقرار ملحق تفسيري لتعديل القانون، يتم بموجبه تفسير للعملية الحسابية لإستحقاقات المقاعد الإنتخابية للمحافظات بما فيها المقاعد التعويضية. والهدف منها كما يبدو ، هو أيجاد مخرج للكيفية التي يتم بموجبها تمكين الإستاذ الهاشمي من سحب نقضه على القانون، وأن يتم كل ذلك في إطار عرس برلماني جديد، وما أكثر الأعياد البرلمانية والرئاسية..!

وهكذا تمت عملية الملحق التفسيري للتعديل الجديد للقانون في اللحظات الأخيرة من مساء يوم 6/12/2009 لتفادي إنتهاء المدة القانونية، وبقدرة قادر يلتئم نصاب المجلس ليصوت على مشروع قراره بالتفسير الجديد للتعديل بالإجماع، في عين الوقت وبتزامن فريد من نوعه، وبمشاركة فعلية لقناة الشرقية الفضائية، يعلن السيد الهاشمي من شاشة الشرقية، مباركته للقرار ويزف بشرى “الإنتصار” الى الشعب العراقي، ساحباً نقضه على القانون، ومعلناً نجاحه في تحقيق ما تمناه في خدمة الشعب، ومن جهتها تعلن الشرقية إستلامها لأعداد غفيرة من التبريكات والتهاني للسيد الهاشمي على نجاحه الباهر، وهكذا تم إختتام عملية النقض الهاشمية، في أجواء العرس الجديد، “وتيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي” كما يقول المثل العراقي الشهير:

· فنقض المادة الثالثة تم تناسيه من قبل الإستاذ الهاشمي، منذ لحظة نقضه من قبل مجلس النواب، وما سعى اليه من أجل حماية القوائم الصغيرة وضرورة منحها فرص المشاركة في العملية السياسية على حد قوله، قد ذهب ادراج رياح تعديلات مجلس النواب للقانون التي أثارت هواجسه في حينه، وبهذا ظل الطريق مفتوحاً أمام سرقة أصوات الناخبين من القوائم الصغيرة التي لم تصل العتبة الإنتخابية ومنح المقاعد الشاغرة الى القوائم الكبيرة الفائزة لقمة سائغة بالهناء والشفاء. كما هو الحال سابقاً في إنتخابات مجالس المحافظات..!

· والفذلكة الأخيرة والتي إجتهدها مجلس النواب في قراره التفسيري الأخير بملحق التعديل في تصويبه لأستحقاقات المحافظات من المقاعد، والتي تمت لصالح المحافظات الكردستانية حصراً ، بزيادة 3 مقاعد، فقد إعتمدت النسبة الإفتراضية للزيادة في عدد السكان وهي 2,8 % مضافة الى إحصاءات وزارة التجارة لعام /2005، والتي لم تعتمد أي إحصاء سكاني عام، وليس فيها من جديد، وهذا بحد ذاته يمثل تكرسياً لخللٍ دستوري، كان يمكن تلافيه من قبل الحكومة والمفوظية العليا المستقلة للإنتخابات خلال السنوات الأربعة من عمر الحكومة الذي شارف على الإنتهاء، ويعتبر أحد تقصيراتها التنفيذية المهمة..!

أعود وأكرر وكثيراً ما كررت بإن العملية الإنتخابية، وهي ركن أساس في العملية السياسية الجديدة، والجميع يبني كثيراً على ما سوف تأتي به الإنتخابات القادمة من نتائج، وهي تدخل في صلب السيناريو المرسوم لتطور ما يسمى ب”العملية الديمقراطية” في العراق بعد عام /2003 …

أقول أن الأمر في جوهره يبتعد كثيراً عن كل ما قيل ويقال عن عملية نقض القانون وما رافقها من شد وجذب وحرب إعلامية بين جميع الفرقاء من أطراف العملية السياسية وخاصة الكتل المتنفذة بمختلف تلاوينهم، الطائفية والإثنية، فإنه يظل من حيث نتائجه محصوراً في خندق الناخب العراقي، الذي يجد نفسه أمام واقع قد تلبس به بكل حلوه ومره، وما عليه إلا أن يحسن الإختيار..!

اما ما يتعلق بمناورات العملية الإنتخابية، فإنه وفي أحسن الأحوال ، لا يخرج عن كونه يدور في فلك الدعاية الإنتخابية وتكتيكاتها العديدة، فهل ياترى، سيحذر الناخب العراقي من فنون وإغراءات تلك الدعاية، ويصوب وجهه شطر من يخدم مصالحه بحق وصدق، دون وعود وأعطيات ، ومواثيق وإلتزامات؛ هل حقاً سيجد الناخب نفسه حراً في إستخدام حقه السياسي بالتصويت لمن يشاء، دون ضغظ وإكراه، أو تهديد وإكراه..؟!

7/12/2009