الرئيسية » الآداب » رَشقُ الضمير بالنعال …!!!

رَشقُ الضمير بالنعال …!!!

التصفيق هو الوسيلة الوحيدة التي نستطيع أن نقاطع بها أي متحدث دون أن نثير غضبه .؟

وجدت نفسي محشورا في الزحام عاجزا عن الحركة , مع إنني لا أحب أن احشر انفي بين أجساد دون جماجم , ولا أفواه التي بداخلها ألف لسان , طالما عشرون ألف ميل بين العقل والقلب , ولا احمل بيدي غصن الزيتون ولا على كتفي نعشي , بل احمل خلف معطفي ضمير ملفوف بقماش اسود ممنوع من الصرف في زمن المياه العكرة , ابحث له عن مكان امن فلم أجد , وددت لو أصيح لكن صوتي لم يخرج .
لا أريد أن استقبله …. لا أريد
حاصرتني الأجساد … نساء ورجال كثر منهكون صبية حفاة يأكل الذباب عيونهم والفقر أجسادهم وقد تواءموا معه , ابحث عن واحد يهشه فلا أجد أنهم مشغولون بالانتظار يلوحون بالأعلام الصغيرة في ضجر كانت صورة لصبية كهؤلاء حفاة وجائعين .
سببا في مصادرة جريدة في عصر القبلية كتب المحرر تحتها هؤلاء رعاياك , وغضب الباشا , أما الصحفي فقد تحول إلى العمل بمهنة الخطابة ,حيث يأتي بالعرسان من أعالي خط سكة الحديد المشؤمة التي شيدها السلطان وأصدقائه الألمان ,إلى القسم السفلي من خط السكة كدلال للعرائس اللواتي دفع الفقر بأهاليهم إلى تصدير بناتهم إلى أخوتهم في أعالي الخط حيث المعيشة هناك أفضل , ولكل عروس سعر مناسب فالجميلة منهن تدفع عمولة صغيرة إلى الصحفي الدلال , أما القبيحة فأنها تدفع عمولة ثمينة له مقابل نجاحه في تدبير عريس لها , وهذا سر تخليه عن شهادة الصحافة لصديقه الأستاذ ( دَموُشو ) مقابل اجر شهري مثله مثل الصيادلة حين يعدمون في فتح صيدلية فإنهم يهبون شاهدتهم العلمية إلى احد الأثرياء , وأنا أفكر أيضا أن اؤجر روحي إلى شخص ما يعرف المتاجرة به ,فقد أتعبني وأتعبته .
أنا الآن في قلب الصورة ترجمة حية لكلمة نقولها كثيرا … شظف العيش أجد الزحام بلا ملامح فالملامح لا تسر .. الجموع بائسة ها أنا أخون نفسي وأتحدث عنها بقرف عن تلك الجموع التي طالما آمنت بقدرتها اللانهائية استرجع كل ما تعلمته عن الوعي والتنظيم ها هم ينظمونهم في الشوارع فبأي وعي سوف يهتفون بعد قليل .
قال لي احدهم ساخرا وهو يتثاءب من الكآبة , قبل يوم من الاستقبال : أنهم يدفعون الآن خمسة نقود .. يراعون التضخم فلماذا لا يتزاحمون وينتظمون .
ساءلت : والإعلام .. هل يعطونهم الأعلام أيضا , فقط أريد أن اعبر للجهة الأخرى ضاع صوتي أيضا ولم يتحرك احد هذا الصوت الذي تبحث عن فرادته كقطرة تتميز في بحر الجموع يختنق .. ويِحك . اسأل من على يساري : ماذا جمعكم فلا يرد .
أتذكر ضمير الجمع الذي يعذبني وكنت قد وعدت نفسي في الصباح أن أضع حدودا لكل شيء وان اكف عن القول ” نحن بشر ” فلطالما لمت أصدقائي الكتاب لأنهم يستخدمون هذا الضمير في الكتابة التشهيرية , ولطالما ضبطت نفسي مع ذلك متلبسة باستخدامه كأنما أريح أو أغلق مشكاة جمجمتي على الانتماء … غير مؤول .
وبالانتماء لهذا الكل الواحد الذي ليس كذلك نتشبع نحن الذين نراهن على مستقبل أخر على جموع منظمة بطريقة أخرى نتشبع بروح الهزيمة والانكسار .
ليسقط ضمير الجمع من قاموسنا … هناك امة أخرى غير التي تظهر في الصور وهناك شعب أخر غير الذي يسوقونه إلى الاستقبال والولاء الزائف , أين تجد إذن اسأل نفسي .
أفي خيمة من الأوكسجين … شعب نقي لا يسخر منه احد واع لا تضلله الحيل والألاعيب يرفض رغم الجوع أن يخرج إلى الشوارع ضمن مراسيم الاستقبال العظيم .
أفلت بصعوبة من الزحام خارت القوى منهك الروح .. لقد نجوت على أي حال أتدحرج على سلالم المشاة قابلتني بائعة الهوى تلوك كلام فارغ خال من المعاني , وماسح الأحذية وجهه لا يفسر ولا يسر من الفقر الفاقع في عينيه , ويديه الملطخة بغبار الألوان الأحذية تماما مثل فنان تشكيلي مبتدئ , يناديني سقط الضمير .
درج المشاة نظيف وجديد .. رمز حداثتنا لكن الذين يصعدون ويهبطون ليسوا بأقل تعاسة من مفردات الزحام الخارجي … انزل من الجهة الأخرى أشم هواء ساخنا مشبعا بالتراب المجبول بمياه الأنابيب المجاري الصحية , رائحة غريبة لا تسر .
الحمد لله لن يمر من هنا ذلك الضيف … بوسعي أن أجد منفذ لي والملم نفسي وأعود لأكتب في المساء عن المال والبنون وضياع الضمير بين النعال الدواب .
أتصفح المواقع والصحف والتلفاز وكل المحطات الإباحية والسكسونية بلا استثناء أرى الصور متسقة .. تواطؤ شامل .. هؤلاء رعايا طيبون متوائمون يفخر بهم أي ضيف , وهذه تظاهرة حقيقية في الاستقبال تماما كما شاء الضيف .
العلم مرفوع بمهابة , والأعلام الصغيرة تتزاحم كحبات القراطيس تتطاير يضربها الريح ببعضها البعض في مداخل المدينة وخارجها , كأنما تخرج لي السنة صغيرة ساخرة من تشققات الأرض الاهبة بسبب الزلازل البشرية والإشعاعات الفقرية.
من يجرؤ الآن على القول أنهم يسوقوننا مثل الدواب , ها هي جماهير منظمة متضامنة وفرحة ” الصحف صادقة وأنت تكذب ” سوف يعطينا الضيف أموالا كثيرة وقروضا إلى أجل غير مسمى .. أنهم أكرم مما نتصور, لنسدد ديوننا ونقتني فلا تر لتصفية مياهنا الملوثة بألا سماء المستعارة وشرفاء الأدب الغيارى , وأجهزة للتجسس على جثث القياصرة وعازفي الطمبورة , والنساء اللواتي قتلنا على مقصلة الشرف مثل البعير, وقمر صناعي لنقل الزيارات الضيوف مثل ضيفنا الغالي والمباريات ومصارعة حرة للنساء بدون ورقة التوت , لان الحرارة قاتلة في بلاد ما بين الساقيتين , الصحف صادقة وأنت تكذب ” يذهب الضيف دون أن يعطيهم شيئا .
يقولون ذلك في صفحات متوارية دون صور ويتلمظون فكيف يا ترى سوف يجمعون ألافا مؤلفة من النقود الخمسة .. بل كيف سيرصون حشودا مشابهة لضيوف آخرين بعد ذلك ؟ لست ادري .
ألوذ بجموع أخرى ليس ملعوبا بها بل وترفض أن تبقى خارج اللعبة تنقذني من القطيعة بين الجموع الشاحبة والمشهد الذليل .. هم هذه المرة عمال متجانسون يستمعون لخطاب في قاعة ضيقة وبدون تكييف يصفقون بحساب لما يجدون انه أجابي .
ويصيح احدهم : من قديم الزمان ونحن لا نرضع سوى التبغ والعار , وفخورين بألبابنا , وقتل العصافير الميتة في الربيع , وإنشاء قبيلة إثر قبيلة .
نحن لا نأكل سوى الخبز يا ضيفنا العزيز … لا نأكل غير الخبز لذا يزيد استهلاك القمح .
ألوذ بجموع تظاهرات المتسولين والعوانس , يطالبون برجم الضمير, يعبرون بحرية لم يلقنهم احد أغنية .
جموع تبتدع أغنيتها الخاصة التي اخرج بها الانكسار والإذلال … وهم يرددون الصحف اصدق منا جميعا …!
فليسقط الضمير …؟